الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

الأيام الأخيرة... أيام مريرة؟؟؟


بقلم: حسن بن عثمان

ينظر الكثير من الناس للعمل الصحفي على أنه نزهة ورفاهة ومتعة متواصلة ومغامرات وأسفار ومعرفة أصحاب القرار وما يحدث في الكواليس، وربما ذلك وجه من وجوه العمل الصحفي والتلفزات، نادرا ما عاشه عموم الصحافيين، ولكن ما يعيشه الصحافيون على الدوام هو الإرهاق في العمل وعذاب الضمير، أي كيف يأكلون خبزا نظيفا من مهنة محفوفة بالشبهات والملابسات والتدخلات من كل الجهات، يدركون من خلالها ما يحدث في البلاد على الميدان ويعرفون المخاطر والرهانات وموازين القوى الحاكمة وتلك الساعية إلى الحكم...

وبذلك فإن العمل الصحفي هو مسؤولية كُبرى يتحمّلها أصحاب الضمائر، أما الصحفيون المحترفون فهم يحاولون دائما التكيّف، والميل مع الريح حيث تميل، وتدبير الرأس واغتنام السوانح وخلق الفرص وتعلّم الزحف كالدواب.

فيما يخصّني، أنا مقبل على نهاية الخدمة بعد عشرة أسابيع، لأحال على التقاعد الوظيفي الرسمي، وأنا في منتهى الامتنان أنني سأغادر المهنة المسمومة وأنا بَعْدُ على قيد الحياة، أستعجل الأيام لأتقاعد ولا أحرّك ساكنا.

وفجأة، حدث طارئ قطع عليّ انتظاري المرهق لانقضاء الأسابيع العشرة ونيّف، فقد تم تعيين رئيس مدير عام جديد، عرفي الأكبر، يبدو أن تعيينه هو عبارة عن تكليفه بتصفية مؤسسة «سنيب/لابراس»، والقضاء على جريدتيها الفرنسية والعربية، والتنكيل بالعاملين في المؤسسة عقابا لهم على خط تحرير جريدة «الصحافة اليوم» الذي لا يستسيغه رئيس الحكومة وفريقه من المستشارين والخبراء، ومن أول الإجراءات التي اعتمدها الرئيس المدير العام الجديد الذي جيء به بعد عشر سنوات من إحالته على التقاعد من مؤسسة سنيب لابراس، هذه، زميل سابق يعني... أول الإجراءات هي تأخير صرف المرتب الشهري لشهر جوان، وحجب منحة الإنتاج للثلاثية الثانية من هذا العام، بدعوى أن المؤسسة مُفلسة، في حين كنا على بيّنة من الأمر ومن تسبّب في إفلاسها وتدميرها، ومع ذلك فإن هذه المؤسسة الصحفية طيلة ظروفها ورؤسائها العامين السابقين لم تتخلف يوما عن صرف «الشهاري»، إلى حدود المدير العام السابق الذي حلّ محلّه المدير العام الجديد الذي قد يفقه في الإعلام والصحافة ولكنه لا يفقه في الإدارة والبحث عن مصادر مالية لخزينتها، رغم عراقة المؤسسة التي نشتغل فيها وثقة المستثمرين في وطنيتها وصدارتها في المشهد...

مع العلم أن المؤسسة لها مقرّها الذي على ملكها في قلب العاصمة بشارع علي باش حامبة، أغلق ذلك المقر وتُرك مهجورا مقهورا، لأن الرئيس المدير العام الأسبق محمد نجيب الورغي شاء أن يكتري للمؤسسة مقرّا آخر، بعد الثورة، لا يبعد على مقرّها الرسمي، ملكها، سوى بضع عشرات الأمتار، بكراء سنوي يفوق ثلاثمائة وأربعين ألف دينار سنويا، فقط لا غير، في حدود مائتي ألف دولار بصرف سنة 2012، بما يغطّي الأجور الشهرية للكثير من العاملين في المؤسسةَ الصحفية؟

 

ومن سوء نيّة الرئيس المدير العام الجديد، السبعيني، أنه سارع بتقييم زملائه السابقين دون أن يمضي علي وجوده على رأس المؤسسة أقل من عشرة أيام، وأبدى توعّده بأنه سيربّي فريق التحرير ويجعله يعمل وفق مشيئته التي ظاهرها خدمة الجريدة، وباطنها الانتقام ممن غرّد خارج السرب، في بلاد بلا أدنى صوت معارض خارج الأحزاب التي التهمت البلاد.

هو السيد الرئيس المدير العام الجديد صحفي سابق، وهو أيضا أستاذ في معهد الصحافة سابق، وهو خبرة إعلامية دولية نادرة، بلا مثيل، سابق، وليس لنا ما نقول، تقريبا في ذلك... وكان المفروض أن يتمّ تعيينه منذ زمن بعيد لنستفيد من معارفه وخبراته ومواهبه الصحفية العالمية ومنجزاته وفتوحاته في مجال الإعلام، ولكن للأسف عيّنوه فينا ونحن على أبواب التقاعد، يفصلنا عن الباب عشر خطوات ونيّف، إذا سمحت الأنفاس العسيرة ببلوغه.

تفضَّلَ السيد الرئيس المدير العام الجديد، السبعيني بتقييم واحد ستيني مثلي، تقييما سالبا للاحترام، ومهينا للكرامة البشرية المهنية. ولذلك شئت أن أهديه هذه التدوينات التي أقوم بها يوميا على سبيل التمرين اليومي على الكتابة، بصورة تسمح لي أن أطلب من الرئيس المدير العام الجديد القديم أن يصدر قرارا سياديا لأقوم بتحرير جريدة «الصحافة اليوم» من الغلاف الأول إلى الغلاف الأخير، وما بينهما من صفحات، فأنا موهوب للغاية في التحبير، لعلّ سيادته يرضى عنّى وعن أدائي المهني، في الأخير...

للأسف، ستكون أيامي الأخيرة في الجريدة أياما مريرة. فكان الله في عوننا جميعا، كلنا الذين صار مصيرنا وخبزنا المرّ بين يدي شخص قَبِلَ أن يقوم بمهمة التنكيل وإذلال زملائه السابقين، عن رضى نفس وهمّة ونشاط، أطال الله في نشاطه وعمره المديد في الرئاسة.

والآن، إلى بعض تدوينات سريعة حبّرتها في ليلة واحدة، مجانا وبلا أدنى أجر، ولا غاية إلا تدبير الكتابة، ومنها هذه العيّنات، عيّنات فقط:

 

كل أسبوع أكتب في الجريدة اليومية التي أشتغل فيها مقالا طويلا عريضا بخمس ورقات مطبوعة «أوفسَتْ»، وأكثر أحيانا، يستغرق منّي المقال أسبوعا كاملا من العمل غير منقوص، ولا راحة فيه...

أنشر المقال في الجريدة وبعد نشره في الجريدة أنشره على الفايسبوك من أجل التوثيق. لأني أعلم أن البلاد التونسية يسودها النكران واللؤم ويسودها الانحطاط بالألوان...

الرئيس المدير العام الجديد لمؤسسة «سنيب لابراس»، حالما عيّنوه في الأسبوع الفارط كقيدوم، قيّم انتاجي الصحفي السابق على وجوده على رأس المؤسسة، تقييما سلبيا، لأن حكومة يوسف الشاهد غاضبة منّي، ولا أدري لماذا؟

أما النهضة فهي تتميّز غيظا كيف مازلتُ على قيد العيش في البلاد، وأفهم سبب رغبتها في قطع الأرزاق بعد رغبتها في قطع الأعناق...

وكل ذلك وأنا على أبواب التقاعد من المهنة لبلوغي الستين، ولم يبق لي إلا بعض الأسابيع القليلة...

طائرتي تقلع عند الساعة الرابعة بعد الظهر... ولا عزاء للنداء ولا للنهضة ولا لأعوانهم العائدين من التقاعد، أو العائدين من الحروب، أو العائدين من أحقاد وطنية، لتصفية حسابات قديمة يتوهمونها واحتقانات تافهة ومعارك مفتعلة، ولمزيد توريط يوسف الشاهد، الذي لا ناقة له ولا جمل في عالم الصحافة؟

هلا هلا

 

أنا أشتغل في الإعلام العمومي منذ أكثر من ربع قرن بسنوات، وطالما اشتغلت في الإعلام المستقلّ أو المعارض، واشتغلت أيضا في الإعلام الخاص، في المكتوب والمسموع والمرئي، كما يعرف أصحاب الشأن.

ولا أحد يمكنه تسفيهي فأنا بأوراقي/كوارطي/ورخصة الممارسة...

فبحيث، الباجي قايد السبسي ليس معنا، ولا يدري ماذا يحدث له رغم حضوره الرائع وقدرته الفائقة على الكلام المكرور المهدور وهو مازال يَعِدُنا أنه حين مباشرته لمهمته الرئاسية بالانتخاب الشعبي النزيه، سيكون الحساب في صالح برنامجه ووعوده...

ومن ضمن وعود الباجي تهديده بأنه سيكشف عن قتلة الشهداء، خصوصا شكري بلعيد ومحمد البراهمي... دون ذكر لطفي نقض...

ولكن يا سيدي الرئيس فحسابك عند الله ولم يعد حسابا يتبع الدنيا

وإذا «لقيتم قناص فجيبوهولي»....

ـ «التهييجي»، حسن بن عثمان، الذي وصفته، سيادتكم بالتهييجي، في احدى طلاّتك التلفزية، حالما توليت رئاسة الجمهورية، ورئيس ديوانك رضا بلحاج، الأصلع الفكر وأصحابه الأوباش «الوطنيين»، أمثال نبيل القروي.

حسن بن عثمان يقرئك السلام... فهو من أصحاب الإعلام، ويحضر في أوقات الشدّة، أحيانا، كما تعرف؟

هلا هلا

 

فتح ملف الإعلام، وخصوصا الإعلام العمومي،

هو فتح باب البلاء من قبل حكومة الشاهد على نفسها...

نحن مع فتح هذا الملف تحديدا، الذي تجنّب فتحه الباجي قايد السبسي عندما كان رئيسا للحكومة، في أول حكومة بعد الثورة، وتجنّب فتحه عندما تولّى رئاسة الجمهورية...

ينبغي أن يُفتح هذا الملف الغامض على مصراعيه، فلكل أجل كتاب، في الوقت المناسب؟...

ثمّ، لكل حادث حديث

حوّل

 

 

اختيار رئيس الجمهورية التونسي لقناة نسمة لمخاطبة الشعب التونسي، في حدّ ذاته، رسالة واضحة، فقناة نسمة ليست محايدة، فضلا عن أنها قناة خاصة جدّااا، كان فيها نبيل القروي يغازل الغنوشي على المباشر، صباحا مساء ويوم الأحد، ويغازل تركيا بقطوسة الرماد وسنبل آغا وحريم السلطان وشعرة الرسول، على دائر العام، إلخ...

ومع ذلك أنا لست مستاءً من الباجي في نسمة، وفي غيرها من القنوات الخاصة، إذا جاء بالجديد المفيد، بما ينقذ البلاد التي ازدادت أمورها سوءا في عهد الباجي وحليفه، على كل الأصعدة...

حوّل

 

الوحيد الذي يمكنه شرح وتفسير حوار الرئيس التونسي هو نبيل القروي، صاحب قناة العائلة الكبيرة، وحده لا غيره، نظرا لملفاته المتراكمة وخبرته بين الشيخين ومقامه في تأليف القلوب التركية «البيضاء» وقزقزتها...

عدا ذلك فإن الرئيس بدا بصحّة جيّدة ويلكع تحت حسّ مسّ، ويقول ويردّد أن البرلمان هو الفيصل، وما يفصّله البرلمان ويخيّطه يلبسه الرئيس ويضفي عليه بعض الأناقة الأرستقراطية الفقهية.

والبلاد تغني في صيفها مع عبد الحليم حافظ أغنية «رسالة تحت الماء» من كلمات نزار قباني وألحان محمد الموجي:

ـ إن كنتَ حبيبى.. ساعِدني كَي أرحَلَ عَنك

أو كُنتَ طبيبى.. ساعِدني كَي أُشفى منك

لو أنِّي أعرِفُ أنَّ الحُبَّ خطيرٌ جِدَّاً ما أحببت

لو أنِّي أعرفُ أنَّ البَحرَ عميقٌ جِداً ما أبحرت

لو أنِّي أعرفُ خاتمتي ما كنتُ بَدأت

(...)

إن كنتَ قويَّاً

أخرجني من هذا اليَمّ

فأنا لا أعرفُ فنَّ العوم

الموجُ الأزرقُ في عينيك يناديني نحوَ الأعمق

وأنا ما عندي تجربةٌ في الحُبِّ ولا عندي زَورَق

إن كُنتُ أعزُّ عليكَ فَخُذ بيديّ

فأنا مفتون من رأسي حتَّى قَدَمَيّ

إني أتنفَّسُ تحتَ الماء..

إنّي أغرق .. أغرق .. أغرق

 

وكل خطاب رئاسيّ على نسمة وأنتم بخير، والقروي خدّام

هلا هلا

 

على الفايسبوك مثل على غيره من محامل الكتابة، أعود للكتابة كمجرم اقترف جريمة، أعود لها مرّة إثر مرّة إثر مرّة، بكل المرارة التي في الحلق، وسؤالي الأبدي هل أخطأت في حقّ أحد وأنا أعلم أو كنت لا أعلم، وأنا أكتب تدويناتي أو مقالاتي، أحيانا...

الكتابة مسألة صعبة كثيرا في أكل العيش أو حتّى على سبيل البقاء، ثم الوفاء لنسل الكتابة؟...

فالكتابة دائمة لها البقاء إذا ما كانت توسوس للكتابة...

هلا هلا

 

تلك كانت بعض العيّنات الرائيات من تدوينات ليلة واحدة، شئنا أن تكون متنوعة من براعة التحبير، وشئنا أن نختصر عليها حتّى لا نرهق صفحات الجريدة في «على وزن الريشة»، والتي يمكن تحويلها إلى «وزن ما فوق الريشة»، ونكتبها يوميا في «الصحافة اليوم»، إذا شاء السيد الرئيس المدير العام الجديد ذلك، لعلّنا نحظى برضى ذوقه الصحفي السبعيني لتأدية مهمته «السياسية» الإذلالية، دون مزيد تدمير أيامنا الأخيرة، ومزيد المرارة.