الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


بالمناسبة
النّخب المثقفة وحرية التعبير:

بين الجلوس على الربوة ونظرية اللامنتمي


منذ العصر الوسيط والنخب التونسية تتردّد بين صورتين: صورة أدباء البلاط وعلمائه ويمكن الاطلاع على نماذج كثيرة منها في كتب الطبقات والتراجم على غرار كتاب «طبقات علماء إفريقية وتونس» لأبي العرب التميمي و»كتاب طبقات علماء إفريقية» للخشني وكتاب «الحلل السندسية» للوزير السراج وكتاب «إتحاف أهل الزمان» لابن أبي الضياف وكتاب «عنوان الأريب» لمحمد النيفر و«شجرة النور الزكية» لمحمد مخلوف و«كتاب العمر» لحسن حسني عبد الوهاب و«تراجم المؤلفين» لمحمد محفوظ... والقائمة تطول بخصوص هذه المصادر غير أن بعض تلك النخب التي اقتربت من قصر الحكم قد انتهى نهاية مأساوية مثل ابن الآبار الذي اتهمه السلطان المستنصر الحفصي بـ«الفضول والدخول منه في ما لا يعنيه» من شؤون السلطان. وأمر بضربه بالسياط ثم رشقه بالرماح، وحرْق كتبه بموضع قتله بمدينة تونس. كما قتل نفس السلطان الشاعر والنحوي ابن عصفور لأنه لما افتخر السلطان الحفصي المستنصر بعظمة دولته رد عليه ابن عصفور بقوله أن ذلك بفضلنا نحن الأندلسيين فأمر السلطان حرسه بإغراقه في مسبح برياض فهر بتونس في يوم شديد البرد ولم يرفع إلا بعد أن أصابته حمى مات سريعا بسببها...

أما الصورة الثانية للنخب الأدبية والعلمية فهي «صورة العالم النموذجي في الذهنية الجماعية بإفريقية»، حسب دراسة للدكتور محمد سعيد كان قدمها في إحدى ندوات بيت الحكمة بمدينة القيروان، وكان أبرز من خلالها «صورة العالم مقابل صورة السلطان، حيث يكون هذا العالم قليل الهيبة للسلاطين، في وضع تحدّ لهم ولأوامرهم، يصرّح في وجه السلطان لرفع مظلمة أو للنهي عن منكر»، على غرار صورة سحنون بن سعيد الذي اشترط من أجل قبول منصب القضاء بأن يبدأ بمحاسبة أفراد العائلة الأغلبية على إثرائهم غير المشروع. وبفضل قوة شخصيته لعب سحنون ووفقا لروبار برنشفيك دور الرقيب على قصر الحكم... والأمثلة على هذه الصورة كثيرة حتى أن بعض الولاة خلّد مقولة شهيرة حمد فيها الله أنه لم يمت حتى رأى قاضيا يحكم فيه بالعدل لأن عالما تقلد القضاء فأصدر حكما ضده على الرغم من أنه أمير البلاد.

النخب المثقفة ورسالة الدفاع عن حرية التعبير

ما يجرنا إلى هذه التوطئة التاريخية هو أنه وبعد انكسار جدار الخوف في تونس وانطلاق الألسن والأقلام في قول كل ما يدور بأذهان أصحابها فإن ما نلاحظه اليوم هو بروز تكتلات قوية لدى أصحاب المهن اليدوية وأيضا ظهور تكتل لدى بعض الشرائح الفنية الجديدة مثل فناني الراب بينما ظل المثقفون والمبدعون بلا موقف أو صوت في خضمّ الأحداث المتلاحقة في تونس.

كما نلاحظ أيضا كيف أن النخب الدينية ورغم عدم منهجية تفكير بعضها وبساطة بعضها الآخر فإنهم التفوا بقوة حول القضايا التي تعنيهم.

وفي مقابل إبداء تلك الشرائح الجديدة لآرائها بكامل الشجاعة والتضامن والصمود لم يحرك المبدعون ساكنا وكأن أفكارهم حديدا باردا لم تؤثر فيها مطرقة الزمان.

لقد انقلبت اليوم موازين القوى في السلطة بين المركز والهامش، بين الأقلية الحاكمة والأغلبية الصامتة. وكان يمكن في إطار حركة بوصلة السلطة في اتجاه تجديد فئاتها من مرحلة قصيرة إلى أخرى أن تلتقط النخب المثقفة اللحظة التاريخية السانحة وتشكل قوة تعبير وجدار دفاع عن قيم ومبادئ تحمل رسالة نشرها وتكريسها.

وإذا كانت حرية التعبير هي القاسم المشترك اليوم بين أهل الفكر والإبداع والثقافة وبين أهل الإعلام أليس أحرى بالنخب المثقفة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في الدفاع بدورها عن حرية التعبير، لأنه ليس هنالك جدار فاصل بين أهل القطاعين. ويبدو أن هذا الواقع لم يستوعبه بعد أهل الثقافة. فحرية الإبداع وحرية التفكير وحرية التعبير إنما هي في الحقيقة حرية واحدة لا انقسام فيها ولا حدود بينها.

جريدة الصحافة وحزامها الثقافي

ولمّا كانت جريدة الصحافة من المنابر الإعلامية التي قدمت خدمات جليلة لفائدة الثقافة التونسية فعرّفت بالمبدعين التونسيين وغطت أنشطتهم وقدمت إنتاجاتهم المختلفة على امتداد نحو ثلاثة عقود سواء من خلال ملاحقها على غرار ورقات الذي يعنى بالبحوث الفكرية والدراسات الأدبية والنقدية والرواق المختص في الفنون التشكيلية وحتى ملحق الإذاعة والتلفزيون الذي يعرف ببرامج المثقفين في المجال السمعي البصري أو من خلال الصفحة الثقافية اليومية التي مرّ بها جلّ أهل الثقافة في تونس... وهذا الواقع يمكن معاينته موثقا بشكل علمي لا مزايدة فيه على الصعيدين الكمي والمضموني في بعض بحوث التخرج بالمعهد العالي للصحافة وعلوم الإخبار، ولهذا فإن ما تتعرض له هذه الجريدة العمومية في الفترة الأخيرة من محاولات تركيع وتكميم لأقلامها الوطنية الحرة، وذلك بصيغ مبتكرة وعن بُعد، كان حريا بالنخب الثقافية أن تلتفّ حولها ليس من باب الوفاء وردّ الجميل لها وإنما أقله بدافع الإيمان بحرية التعبير وواجب الدفاع عن رافعي رايتها، لأن القاعدة المعلومة في مثل هذه الحالات أنه كلما سقط حصن من حصون الحرية تبعه سقوط ما بقي من الحصون الواحد بعد الآخر تباعا. وهو واقع الحال الذي تنطبق عليه تلك المقولة الخالدة الواردة في هذا المعنى بكتاب كليلة ودمنة وهي: «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».

لكن يبدو أن أهل الثقافة إما أنهم ما زالوا سجناء برجهم العاجي لذلك فهم بمعزل عما يدور في واقعهم من أحداث وتحولات أو أن بعضهم اختار الجلوس على الربوة عملا بمقولة «مضيرة معاوية أدسم وأطيب، والصلاة خلف علي أفضل» أي أنهم اختاروا الحياد الزائف الذي يعني الوقوف في صفين، ساق مع هؤلاء وأخرى مع أولائك بحجة السلامة من الفتن.

«اللامنتمون هم أعراض لاحتضار الثقافة»

وهنالك شق كبير من المثقفين اعتقدوا خطأ أنهم ينتمون إلى صنف «اللا منتمي» وفقا لمبتكر هذه العبارة وهو الكاتب الأنقليزي كولن ويلسن صاحب كتاب «اللامنتمي» الذي انتشر في العالم العربي منذ صدوره سنة 1956 في حين أهمل بأوروبا.

ولا شك في أن من ركن إلى تيار اللاانتماء فقد جهل أن المقصود بتلك الشريحة هم الفئة الغاضبة والمتمردة على كل احتواء ونظام، أي الفئة الناقدة للموجود، إذن من رفع ذلك الشعار وما زال يرفعه إلى اليوم إما بصريح القول أو عن طريق التزامه الصمت القاتل فإنه قد جانب الصواب إن اعتقد جهلا أن اللاّمنتمي هو المستقل والمحايد، لأنّ هنالك كتابا آخر لنفس المؤلف عنوانه «ما بعد المنتمي» وأن كولن ويلسن قد أوضح أن «اللامنتمين هم أعراض لاحتضار الثقافة» بصورة عامة.

ولوضع الأمر في شكله المباشر نرى أنه من الأنسب لو تسلّح النسيج الجمعياتي الثقافي بالوعي الأدني الذي يخول له أن ينخرط في دائرة النضال الجديد بتونس ويحول دون بقائه خارجها، لا سيما أن التاريخ مواقف أو لا يدوم وأن الإبداع دفاع عن حرية التعبير أو لا يكون.

 


منصور