الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


في ذمة التاريخ
صراع قرطاج والقصبة

ليست كل المسالك تؤدي إلى السلطة (1)


بقلم: محمود الذوادي

كم تبدو قصص الصراع على السلطة مشحونة بالدسائس ومخضبة بالدماء منذ ان كان السيف شريعة السلطان وهويته، اول باي لتونس ذبح بسبب كرسي العرش اما اخر باياتها فقد مرغت شواربه الطويلة في التراب باسم الجمهورية والشعب، ليبدأ بالتوازي صراع جديد تحت عدة عناوين، اليوسفية والبورقيبية، تنافس «البلدية» مع الافاقيين او «السواحلية» او «المساترية» .. اضعاف المؤسسة العسكرية او محاولة اختراقها للانقضاض على السلطة ..

عششت الدسائس في كواليس ومزالق باردو والقصبة منذ وطأتها حوافر خيول الجيش الانكشاري وأصبحت مركزا لحكم الحسينيين ثم جيل الاستقلال حتى كانت الديمقراطية التي ارهقتنا، ولكن يبدو انها لم تمح في سنواتها القليلة الماضية تلك التقاليد القديمة المحددة لمراكز القوى اي القرابة الدموية والجهويات، وحتى الاديولوجيات والمذاهب السياسية ومكارم اخلاق «الانتلجنسيا» لم تفلح في تفكيك تلك المنظومة الاتنية.

هذه العوامل مثبتة بصيغة المبالغة في اغلب المذكرات التي اصدرها ابرز رجال بورقيبة وبن علي و الغريب ان منظومة «البلدية والسواحلية» ظلت تستخدم بأكثر جرأة من قبل العامة خاصة في عز الازمات السياسية. فهل ان الامر سيظل شأنا شعبويا لا يرتقي الى الدراسات السوسيواجتماعية ام اننا مضطرون اليوم لاستحضار تلك التوصيفات من اجل فهم ما يجري في هذا المشهد الفلكلوري حتى ان كان ما يحدث اليوم في اتجاه واحد و قد ألفنا مسمى جديدا منذ ان بدا الناس يتحدثون قبل سنوات عن «جماعة المرسى» .

الحقيقة ان هذا السلوك الجهوى كان دائما مفضوحا ومثيرا، ها هو الباجي قايد السبسي يطنب في تاكيد الثقة التي كان يتمتع بها في علاقته مع بورقيبة على مدى اكثر من ثلاثين سنة اي منذ ان كان طالبا حتى غادر السلطة في نهاية الثمانينات ... ولكنه حين يتحدث عن خلافة الزعيم سنكتشف تلك الخطوط الحمراء والصراع الخفي بين بلدية العاصمة والسواحلية.

في الجزئيات والمواقف تتضح مكامن ذلك الصراع، يروي كيف انه دخل على بورقيبة وقد زاد غضبا حين اقترح على وسيلة ان تكون المنستير عاصمة بدل تونس, يا للجنون ؟ وحسب الراوي فقد اكد له وقد بادره بالسؤال طالبا رايه ان «ذلك ممكن وحسب التوانسة «البير والناعورة» لو حول العاصمة الى الساحل . للقصة خلفية اخرى كما يستدرك السيد باجى قايد السبسي وهنا مربط الفرس فقد ذكرت الزعيم بحادثة قديمة اطرد فيها من هذا المقهى حين اراد ان ينضم الى اجتماع سياسى «للبلدية» بضاحية المرسى ...

رواية اخرى لا تقل دلالة على حساسية الجهويات في التنافس على السلطة، يقول الباجى انه دخل على الرئيس وحاشيته الضيقة في احدى زيارات هذا الاخير الى القصبة فاذا هم يتباهون بانهم «اربع مساترية» ربما شعر الباجي وكان خامس المجتمعين انه غير مرغوب فيه فغادر ...

في كل الدنيا كثيرا ما تفرز اللقاءات الخاصة والتي لا تتطلب بروتوكولات وطقوسا وظيفية مبادرات وافكارا توظف للشأن العام ولكنها في السياسة عادة ما تنقلب الى مكيدة وفيها تتخذ اخطر القرارات التي تطيح برؤوس وترفع اخرى ... هكذا كانت تدار الامور.