الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

السقا...لم يمت


بقلم : منيرة رزقي

«السقا مات» رواية كتبها الأديب المصري يوسف السباعي عام 1952 وتجرأ المخرج الكبير صلاح أبو سيف ليحولها إلى فيلم سينمائي فرّ جل المنتجين منه خوفا من مضمونه ولكنه نجح وبات واحدا من أهم الأفلام في تاريخ السينما العربية وقام ببطولته فريد شوقي وعزت العلايلي وأمينة رزق.

والسقا هو ذاك الذي يحمل الماء إلى البيوت ليسقي أهلها في زمن ما قبل انتشار أنابيب الماء والماء المعلب وعندما كانت المدن خالية من شبكات الماء والإنارة في ذاك الزمان كان السقا إحدى الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في النسيج الاجتماعي فهو الذي يحمل « ماء الحياة » إلى البيوت ومات السقا في الواقع مع التطور الحضاري والاقتصادي ومع تغير نمط الحياة في المدن كما مات في رواية يوسف السباعي التي أرادها عن الموت والحياة من خلال نموذج البطل السقا الخائف المرتعش من الموت بعد رحيل زوجته وهو الذي لم يدعه هذا الخوف يعيش حياته بسلام داخلي.

أما النموذج الثاني فهو ضيف السقا الذي يجبر على استضافته ويكتشف انه يعمل في مجال دفن الموتى ولكنه يمتلك فلسفة غريبة في حب الحياة والتمتع بمباهجها رغم أن عمله كفيل بجعله يعيش « رعب الموت » وبقدر ما أبدع السباعي ثم صلاح أبو سيف في هذه الملحمة الروائية ثم السينمائية بقدر ما ظلت صور أولائك الأبطال وتفاصيل الحكاية عالقة في ذهن كل من قرأ الرواية أو شاهد الفيلم.

ورغم أننا خلنا أن السقا مات إلا أن هناك ما أثار ذكره من جديد من خلال الصور التي تداولتها وسائل الإعلام قبل أيام عن مشاهد تزويد الدولة التونسية لمواطنيها في صائفة 2018 بصهاريج من الماء مذكرة بصورة السقا أو « القرباجي» كما يسمى في اللهجة المحلية التونسية الذي كان يحمل الماء إلى سكان المدن .

ولكن هذه الصورة ليست وحدها التي عادت إلى الأذهان فالصراع من أجل البقاء الذي يعيشه التونسيون اليوم يمكن الاستلهام منه تماما مثل رواية «السقا مات » للسباعي.

فالمشهد التونسي اليوم يضاهي الروايات الكبيرة والأفلام العظيمة في غرائبيته أحيانا وسوداويته أحيانا أخرى وأيضا في قدرة التونسي على مواجهة الإحباط والنهل من الحياة ما استطاع إليها سبيلا فرغم الأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة ورغم انسداد الآفاق أمامهم يجتهد التونسيون في العيش بشكل طبيعي واعتيادي ويقاومون كل أشكال التطبيع مع ثقافة الموت التي تتجلى من خلال الضربات الإرهابية الموجعة ومن خلال ضيق ذات اليد وتدهور مستوى العيش الذي باتت خلاله أقصى طموحات بعض التونسيين أن يعيشوا عيش الكفاف الكريم ولكنهم يعيشون بفلسفة بطل رواية «السقا مات» ويرددون مع درويش العبقري «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».