الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



تلوينات

السحر الكرواتي


روضة الشتيوي

لا أفهم كثيرا في كرة القدم، فنيّا وتقنيّا، كما أنها لعبة لا تستهويني كثيرا وحتّى محبّتي لفريقي التونسي المفضّل لم تكن يوما بتلك الطريقة المرضيّة التي عادة ما تجعل المشجّعين يتعصّبون ويأتون أفعالا وتصرّفات أصبحت تسم الأجواء الرياضيّة التونسيّة في السنوات الأخيرة، أفعال متشنّجة وتصرّفات عدائية ابتدأت قبل الثورة بكثير حتّى لا تصبح هذه الأخيرة الشمّاعة الوحيدة التي نعلّق عليها كلّ سقطاتنا حتّى الأخلاقيّة منها رغم أنّنا لا ننكر أنّها ازدادت حدّة بعدها تماشيا مع الفوضى والارتباك اللذين عمّا البلاد. ورغم ذلك وهروبا من بلاتوهات التلفزات التي أصبحت تغذّي فينا الشعور بالإحباط وتربك محاولات انسجامنا مع هذا الواقع، على مرارته، واصلت متابعة بعض مقابلات كأس العالم بعد الخيبة التي مني بها الفريق التونسي، وكانت متابعته بديهية بدافع قيمة الوطنية، بحثا عن شيء من المتعة التي عجز السياسيّون عن توفيرها لنا سواء باختلافهم أو بتوافقهم.

الكروات في ملاعب روسيا.. مجموعة من الشبّان من بينهم عديد اللاعبين الدوليّين ينضوون تحت راية فريقهم، مجتهدون، منضبطون، يتقنون فن الأداء، يقتلعون الفوز بأسنانهم أمام أعتى الفرق العالمية ممّن لهم باع وذراع في كرة القدم وذاع صيتهم قبل هذا المونديال بكثير رغم أنّ كرواتيا لم تُعرف بالتألق الكروي في السابق. قدّموا درسا في النجاح وفي الوطنية فعلا وليس قولا. وما فعله هؤلاء إلى حدّ الآن في روسيا ووصل صداه إلى كلّ العالم تقريبا يتعدّى أن يكون مجرّد نجاح رياضي بامتياز، وهم الذين يستعدّون لخوض مباراة النهائي أمام فرنسا يوم غد الأحد 15 جويلية، ليكون نجاحا لكرواتيا البلد الذي جاء منه فريق فاجأ جمهور أكثر الرياضات شعبية في كلّ بقعة من بقاع الأرض والذي ظلّ علمه يرفرف في روسيا طيلة شهر كامل وأصبح اسمه يتردّد على كلّ لسان مع التعريج على رئيسته التّي كان لها نصيب من الإعجاب وخطف الأضواء عندما احتلّت لها مكانا في الملعب لمشاهدة مقابلة ربع النهائي التي خاضها فريقها ضد فريق البلد المنظم.

كرة القدم رياضة ممثّلة للوطن، هذا ما أراد الفريق الكرواتي التأكيد عليه وهو يحقّق النجاح في روسيا بعيدا عن الغرور والاستعراض الفردي وتكاد تكون الرسالة الوحيدة التي بعثوا بها بأقدامهم الساحرة لجمهورهم الذي ظل يزداد من مقابلة إلى أخرى وإلى منتخبات نُكّست أعلام بلدانها في روسيا ومتعة المشاهدة لم تبدأ بعد والسحر ما يزال لم يبلغ أقصاه فعادت بخيبتها تماما كتلك الخيبة التي عاد بها منتخبنا وجمهوره ما يزال بصدد استساغة طعم فرحة التأهيل، وهي في الواقع خيبة لا تسير بمنأى عن كلّ الخيبات التي يعيشها مجتمعنا اليوم.

تونس اليوم تسعى جاهدة للإبقاء على رايتها مرفرفة عاليا وبعيدا وتأبى تنكيسها وكان الأجدر بلاعبينا أن يدركوا مغزى هذا الجهد ومدى مسؤوليّتهم في هذا الباب ولكن كان الجمهور التونسي الذي هبّ لتشييعهم ومساندتهم في المونديال أكثر وعيا بهذه المسألة واجتهدوا أيّما اجتهاد في القيام بما استطاعوا للترويج لصورة تونس بما أوتوا من جهد لا يكمن في أقدامهم وإنّما في أرواحهم التونسية الخالصة المحبّة للبلاد بعيدا عن صورة «الهوليغانز» التي بدأت تغزو ملاعبنا. ولهذا نقول أن نجاح الفريق الكرواتي –كمثال- هو درس في الرياضة كفعل ينأى عن السياسي ولكنّه لا ينأى بشكل من الأشكال عن الثقافي والاجتماعي في أي بلد من البلدان بل هو ينبثق منهما ويتفاعل معهما وعليه أن يكون صوتا لهما في مثل هذه المحافل التي تملأ الدنيا وتشغل الناس.