الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



على وزن الريشة

كيف أختلف مع السيد رئيس تحرير الجريدة في الوقت الضائع؟


بقلم: حسن بن عثمان

كتب السيد رئيس تحرير جريدة «الصحافة اليوم» الهاشمي نويرة، الوطني كما أصنّفه، افتتاحية للصحافة لعدد يوم الجمعة 13 أكتوبر2018، كتب مقالا خطيرا يعلن فيه، تقريبا، عن وفاة جريدة «الصحافة» أو «الصحافة اليوم»، الجريدة التي إشتغلت فيها منذ أكثر من ربع قرن وما أزال، قبل زوالي وزوالها، أي منذ تأسيسها في بداية عهد السابع من نوفمبر بعد أشهر قليلة من تولّي الرئيس زين العابدين بن علي الحكم في البلاد فجر نهار السبت، السابع من نوفمبر سنة1987.

تأسست جريدة الصحافة التي كان اسمها «لابراس سوار»، وكانت ناطقة بالفرنسية ثمّ ناطقة بالعربية، عبارة عن نسخة ورقية بالعربية تترجم عن الجريدة الأم «لابراس».

وقد كان مؤسسها في بداية عهد السابع من نوفمبر السيد صلاح الدين معاوي، الذي اشتهر بأنه صاحب الافتتاحيتين، الافتتاحيتان لجريدة لابراس في يوم 7 نوفمبر 1987، والسيد صلاح الدين معاوي كان إعلاميا محترفا ممتازا، بمقاييس المهنة الصحفية ومقاييس دولة الاستقلال، حيث أنه كان يحسن الفرنسية والعربية ويحسن لسان الوضع والإخبار عليه بصفته صحفيا ميدانيا قبل أن يصبح مسؤولا، وتمّ تعيينه من قبل سيّد الإعلام في أواخر عهد بورقيبة وطيلة عهد السابع من نوفمبر، أقصد الأستاذ عبد الوهاب عبد الله، الذي كان يعرف الإعلام ويتحكم في الإعلام مثلما يتحكّم في أصابعه التي تدير الصور المتحرّكة. فقد كان الأستاذ عبد الوهاب عبد الله سيّد معهد الصحافة والتنظير، وسيد الصحافة على الميدان وما يصلح للرئاسة.

 

افتتاحية السيد رئيس التحرير جريدة «الصحافة اليوم» الهاشمي نويرة، ليوم الجمعة المذكور، أثارت أشجاني، من جهة أنها تعلن ضمنيا وفاة الجريدة التي أمضيت فيها عمري كصحفي رسمي محترف، له بطاقة صحفية مهنية رسمية، بلا شكّ، لا تؤثر في أداء المهنة الغريبة العجيبة الشاقة، خصوصا وأنا أنحدر من الهامش غير الرسمي، وليست لي شهادة جامعية لممارسة الصحافة، ومع ذلك تدرجت في جريدتي من محرر صحفي متعاقد، بلا أوراق رسمية، بفضل عقد تشغيل، صار عقد عمل دائم، برغبة وإصرار من المؤسسة التي كان رئيسها المدير العام، الصحفي الفنان الرائع محمد محفوظ، حبيبي، رحمه الله، الذي تولّى المؤسسة بعد صلاح الدين معاوي، وقد كنت، قبل محمد محفوظ الذي كان مدير جريدة الحزب «ليرونوفو» باللسان الفرنسي، كنت أنسّق مع صلاح الدين معاوي وهو بصدد التفكير في إصدار جريدة عربية تماثل الجريدة الفرنسية «لابراس»، وتكون في مستواها من حيث الريادة في الصحافة والأخبار والإعلام الذي يليق بالعهد الجديد.

 

حين توظّفت بشكل رسمي، وأنا المنحدر أو الطالع من الهامش في الكتابة البائسة وأصدائها العالية، بمؤسسة سنيب لابراس، منذ أكثر من ربع قرن، المؤسسة الإعلامية العريقة في أساليب الإعلام بالفرنسية تحديدا، ثم بالعربية على سبيل إرضاء حكم الرئيس بن علي، وإصدار منشور يرضي ذوقه في اللغة العربية الرسمية غير الحزبية، الحكومية تحديدا.

حدث في ذلك الوقت أنني تعاقدت لسنة مع المؤسسة لمدّة سنة، وفي آخر السنة كان رئيسي محمد محفوظ ينوي ترسيمي في خطّة صحفية تليق بالعقد الرسمي بيني وبين المؤسسة. ولكن لحمقي قدمت استقالتي بعد انتهاء عقد السنة. وغادرت إلى جريدة «الرأي اليوم» اليومية للسيد عبد الجليل دمق، التي غادرتها بعد ستة أشهر، تحديدا، بعدما كنت مشرفا على صفحاتها الثقافية اليومية، وعدت إلى مؤسسة «سنيب/ لابراس» وجريدة الصحافة، بعدما وعدني سي محمد محفوظ رحمه الله، بترفيع أجري وبتأمين عودة من غادر معي، صاحبي وصديقي عمر الغدامسي، ووعدني بملحق ثقافي أسبوعي، فيما لو قَدِرْتُ على أن أستقطب خيرة المثقفين في البلاد من أمثال الأستاذ توفيق بكّار والأستاذ شكري المبخوت والروائي الشاعر محمد علي اليوسفي والشاعر الأكاديمي منصف الوهايبي والشاعر المعارض الطاهر الهمامي والشاعر المناهض يوسف خديم الله والشاعر الخارج عن السياق أولاد أحمد وكل شاعر أو مفكر أو ناثر أو فيلسوف على الميدان، بقطع النظر عن معاداته للنظام أو موالاته، فالمهم، والتعاقد بيننا، كان هو النص الإبداعي المكين، أو الواعد بالتمكين، في الإبداع اللغوي، لا في وقاحة ادعاء الإبداع، في كل جنس وممارسة كتابية...

تلك كانت تجربة رائعة، أو أكثر من رائعة، جعلنا فيها من ملحق «ورقات ثقافية» الذي يصدر كل يوم جمعة في تلك المرحلة، إلى أن تولاّه من قضى عليه، وكنت في آخر أسابيع الملحق أعاني معاناة شديدة، لا يمكنني أن أقول عنها أي شيء، خصوصا حين عيّن لنا عبد الوهاب عبد الله، تلميذه السابق، الإخوانجي السابق، في معهد الصحافة، السيّد زهير القمبري... ومن هناك التحقت بوزارة الثقافة كموظف رسمي صار يمكنه الانتقال بين إدارات الدولة التونسية، وهو موظف بلا شهائد رسمية من الجامعة التونسية، وتلك معضلة بلا مثيل، من جهة أن الصحفي الموظف الذي ليست له شهائد رسمية صار يشرف على أكبر وأخطر منبر ثقافي مكتوب في البلاد، اسمه مجلّة «الحياة الثقافية»، تلك المجلّة التي أسسها محمود المسعدي، وأشرف على تحريرها وساهم في تحريرها كبار الكبار في الثقافة التونسية المعاصرة...

 

طبعا عليّ أن أقفز على فترة وجود توفيق بن بريك في جريدة الصحافة، وكيف تمرّد على المؤسسة، وكيف أغَارَ على الصفحتين الثانية والثالثة من الجريدة، وروّح بهما، حين تعرضّ لمشاكسة من الإدارة ورغبة في التفاوض على كتابته وتحقيقاته واستقصاءاته، التي تحدث فيها بشكل أثار بلادة رئاسة البلاد، وبلادة الرقابة اللصيقة.

من هناك صار الزميل توفيق بن بريك الكاتب في جريدة الصحافة وفي جريدة لابراس وفي بعض المجلات التونسية والمنابر، صار من أخطر الكتّاب في العالم ومرشحا لجائزة نوبل.

كما مرّ من ذات الجريدة الأستاذ شوقي الطبيب، رئيس المحاماة الشابة والكهلة والشيخوخة، ثم رئيس هيئة مكافحة الفساد بعد الثورة، ومن أسماء جريدة الصحافة اليومية السيد ناجي البغوري، رئيس جمعية الصحفيين، ثم رئيس نقابة الصحفيين، والسيد جمال الدين الكرماوي، رئيس جمعية الصحفيين التونسيين في آخر عهدها، ومن أهم الصحفيين وكتّاب الرشاقة في اللمحة ورمش العين، هو وعديد الأسماء اللامعة التي تلمع في تاريخ الجريدة ولا يمكنني استحضار طاقتها الضوئية.

 

مرّ عليّ الكثير من رؤساء التحرير ومن مدراء التحرير ومن أذكياء الإعلام والصحافة، المعروفين منهم والذين في حاجة إلى التعريف بهم، وخدمت معهم كلّهم، بإخلاص، ما وسعني الإخلاص واتساع قنوات المعاني، وأحتفظ للجميع بذكريات غريبة غرابة ما واتني العيش والمصير في الجريدة، أما في غير الجريدة فتلك مسائل أخرى.

كما مارست رئاسة التحرير بشكل مباشر وبشكل غير مباشر وبشكل الظلال والتلميح، ولا ينقصني أي شيء من المرارة ولا من بهجة تعاون الزملاء في الطعن وفي الأهداف المعلنة، والنتائج المشرفة المشتركة، في هذه الجريدة بالذات، الجريدة التي أكلت عمري وأكلت منها بكرامة وشرف، ما أمكنني وأمكنها إلى حدّ الآن تقريبا...

تقريبا لماذا؟

تقريبا لأنني أشعر بالقهر والإذلال وأنا في آخر أيامي في الجريدة، في الرمق الصحفي الرسمي الأخير، والاحترافي الأخير كصاحب بطاقة صحفية صارت لا تعني لا شيئا من الأشياء، لأنها في الحقيقة بلا معنى، حقّا بلا معنى، إلا معنى الاعتراف الرسمي الذي صار هو الآخر في حاجة إلى اعتراف صحافة غير رسمية. لقد صرت تقريبا في حكم المتقاعد من المهنة الصحفية لبلوغي الستين من عمري ناقص شهرين، إلى حدّ الآن، تاريخ هذه الكتابة، على وزن الريشة، فأنا كما الريشة، التي لا وزن لها، إلا ما تفعله الريشة من اضطراب في مناخ الطقس العام والحبر والبحار، في ملاحة الكتابة والصحافة، التي هي من أخطر ملامح التوقعات والحسابات الدقيقة جدّا، وعدم تضييع رمشة عين من رفّة الجناح في كل مناخ شريعي أو سياسي أو طبيعي...

 

ذهب زمن السابع من نوفمبر وجاء زمن الثورة، ودخلت البلاد بعضها البعض، وتعرضت خلال ذلك إلى عدوان إداري قبل أشهر من الثورة، ثم تعرّضت لعدوان إداري أسوأ بين سنتي 2011 و2012، ووقع الحطّ من قدري والحطّ من تقييمي الترقيمي والسيادي في الجريدة، عن طريق شخص صار رئيس تحرير، أنا من قدمته للجريدة في عهد صلاح الدين معاوي، وأنا من قدمته للجريدة في عهد مديرها ورئيس تحريرها محمد البلاجي...

ثم، صارت الجريدة، جريدة الصحافة اليومية، التي صار اسمها «الصحافة اليوم»، صارت بعد الثورة بركانا من الثورات العاطفية والرغبة في تصفية الحسابات والانتقام الفردي، وكل يشحذ أسلحته، وكان ما توصّل له الصحفيون في الجريدة أن ينتخبوا من يرأس التحرير، فانتخبوا، بتحريض منّي، لبعض الزملاء، الزميل لطفي العربي السنوسي، أول رئيس تحرير منتخب في الإعلام التونسي المكتوب والمسموع والمرئي، وقد كان يليق بنا انتخابه، لخصال فيه تتجاوز التنافس والعداوة بين الزملاء...

كان ذلك الانتخاب لرئيس تحرير في مؤسسة إعلامية عمومية أوّل ممارسة ديمقراطية، نوعية، من أخطر ما توصّل لها العقل الصحفي في بلاد من البلدان، فيما لو علمنا أن جريدة الصحافة اليومية تضمّ بين صفوفها ومحرّريها، أسماء لها حضور فارق في الحياة الإعلامية التونسية والحياة السياسية، وهي أسماء من الكثرة بحيث لا يمكنني ذكرها جميعا، مثل منوّر المليتي وحسونة المصباحي وهشام القروي ومختار الخلفاوي ويوسف رزوقة وناجية السميري، وروضة الشتيوي، وجميلة الكسوري، وآمال مختار، وريم قيدوز وكثير من التلفزيين والتلفزيات الزميلات الأخريات اللواتي والذين على البال، وأسماء لامعة أخرى منها من أتذكّر مثل مصباح الجدي ومحمد بوعود وسالم بوليفة ومراد علالة وكمال الشيحاوي وكمال الهلالي وجنّات بن عبد الله وأحبائي زملائي الآخرين كلّهن وكلهم... وأعتذر لهم فردا فردا، وفردة فردة، عن ضعف ذاكرتي في هذا المقال السريع عن تعدادهم وتعدادهن بالاسم لطول القائمة وقصر الذاكرة... حقّا... وأرجو المعذرة... لكل من خدم في جريدة الصحافة ولكلّ من كان من حزامها التحريري، ممن له شأن، وأي شأن، بما في ذلك أبو قريرة؟؟؟

 

ثم بعد لطفي العربي السنوسي رئيس جريدتنا الأوّل المنتخب الذي عانيت ما عانيته معه لضرورة العمل الخطير، وخصوصا ما عاناه هو معي، حيث أعاد لي اعتباري في الترقيم الإداري، في أجواء إدارية معادية، دون أن يقدر على إعادة حقوقي الإدارية والمالية المهدورة منذ عام قبل الثورة؟

 

ذهب رئيسنا المنتخب الأول، بعد عهدتين بأربع سنوات، وأصرّ الصحفيون في جريدة الصحافة اليوم على تجديد انتخاب رئيس جديد ديمقراطيا، لا تشوبها شائبة... وتم انتخاب الزميل الهاشمي نويرة، الصحفي المتمرّس بالعمل الصحفي والسياسي والنقابي ويعرف كيف يستقرئ الرياح ورفّة الجناح، وتم التسليم والتسلّم بين رئيسي التحرير المنتخبين في أجواء منعشة. وكان الهاشمي نويرة بالنسبة الي هو من سلالة النورسيات في الكتابة والسلطة والرصد الجوّي وسرعة الوقوع على الفريسة، سلالة النورسيات ينحدر منها أصحاب العيون المتفرّسة التي تصطاد الفرائس من نمور وفهود وقطط وحشية أو بريّة أو قطط مدجنّة في المنازل. تلك صورته المنطبعة في ذهني الصحفي، فهو زميل خطير، لم أطمئن إليه إلا في آخر أيامي.

 

صار السيّد الهاشمي نويرة، رئيسنا للتحرير في الجريدة اليومية «الصحافة اليوم»... والحقيقة سعدت كثيرا بالهاشمي نويرة، لسبب واحد وحيد، أنه أكثر واحد في جريدة «الصحافة اليوم» يعرف السياسة ويعرف كواليسها ويعرف الظاهر والباطن، تقريبا، لجذوره في السياسة، ويعرف كيف يدير الشأن العام والخاص، وكيف يحظى بدعم كل زملائه في الجريدة، الجريدة الغريبة التي كلّها غابة حيث السموم والفخاخ هناك أكلنا اليومي...

 

حالما غيّر رئيس التحرير الهاشمي نويرة، طريقة التحرير في الجريدة، لأنه سياسي محنّك تزوّج السياسة ووهبها حياته، قلت لزوجتي وللأقارب، إننا مقبلون على أيام صعبة... فجريدة الصحافة صارت ضدّ رئيس الحكومة بطريقة منهجية، وضدّ شخصية دون «الدون كيخوتية» سرفانتس، يليق به بيت الرواية في مدينة الثقافة، لكي يحارب أوهامه ...

لم يخب ظنّي في رئيس الحكومة الذي يرغب في إعلام الحكومة وكثرة المديح والأنصار المزيّفين، و«دون كيخوت» في بيت الرواية يحارب طواحين الهواء السردية التونسية يحسبها فرسانا معادية، ويسعى للمجد لشخصه يرافقه شانصو، ثم بدأ يعمل رئيس الحكومة على تدمير جريدة الصحافة والقضاء عليها، بالتجويع والتركيع والإبادة والاندثار...

فعيّن لنا واحدا منّا، من مؤسسة سنيب لابراس، يكره اللغة العربية في دمه المغربي السلالي.

ولنا عودة إلى مثل هذه السلالة الفظيعة الكارهة المكروهة، التي عانينا منها معاناة شديدة، وهي لا ترحمنا حتّى في أيامنا الأخيرة في هذه الجريدة.

ومع ذلك، لا مهرب للأنذال، يا صاحبي في العمل، وما أصبحت تعانيه صحيا، فضلا عن تحرشات الأوباش.

 

أقتطف فقرة من افتتاحية رئيس تحرير جريدة الصحافة، الهاشمي نويرة، ليوم الجمعة المذكور، ثم أقتطف فقرة من افتتاحية يوم الأحد 14/10/2018:

ـ انّ الحرب ضدّ الظّلامية هي حَرْبٌ حقيقية حتى وإنْ حاول البعض إخْفَاءَ مَلَامِحِهَا ومَظاهِرِهَا وانّ الساعة أَزفت كي يعود لهذه المعركة بريقها وقضيّة المساواة والحريّة هي ميدان هذه المعركة التي سَتَكُون مستقبلا علامة فاصلة وفارقة بين صِنْفٍ يريد أن يذهب بالديمقراطية الى مُنْتَهاها وفريق آخر مِنَ التونسيين مُنْعَدِمَ الوَعْي الديمقراطي أو انه ما يزال عنده في أطواره الجنِينيّة أوأنّه وَضَعَ المسألة الديمقراطية بين ظِفْرين لاعتبارات إنْتِهَازية ومَصْلَحِيّة ضيقة.

ذلك ما جاء في افتتاحية الأحد أما افتتاحية الجمعة فقد جاء فيها:

ـ حكومة الشاهد تعي ما تفعل، هي فهمت دور الإعلام في المرحلة القادمة وفهمت أكثر دور الإعلام العمومي، واستقرّ عزمها على أن مؤسسات الإعلام العمومي أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما الاصطفاف أو الاندثار. والخُطّة هي الاغتيال قطرة قطرة..

«الصحافة اليوم» اختارت الاستقلالية والمهنية فكان القرار الغَلْق مع تأجيل التنفيذ، ونحن نقول هو الاغتيال قطرة .. قطرة ..

إنّنا ماضون في خوض المعركة إلى نهايتها، ولن تفتر عزائمنا ولن نستكين، ولن نخضع للابتزاز .. إنّنا ها هنا صامدون إلى حين يستفيق البعض من غيبوبة الانتهازية.

 

انتهى الاستشهاد من الافتتاحيتين للسيد رئيس التحرير، الذي أطلب له السلامة وأذكّره، بصفتي محررا في الجريدة، قديما، أذكّره بأن صمودي في الجريدة ينتهي في هذه الأيام، وسأظل أحيي الصمود، ما دمت حيّا، حتّى لا يقع دفن الإعلام العمومي والحرّ بدعوى إفلاس الحكومة وإفلاس البلاد التونسية وازدهار قنوات الصرف الصحّي أو غير الصحّي، بلا مراقبة ديوان التطهير...

بُعْدًا لَهُمْ، ثم بُعْدْ، ولا أعاد الله علينا مكروها.

 

ذلك على وزن الريشة، وثمّة أوزان أخرى أثقل من الريشة سيستعملها الزملاء من أجل الدفاع عن وجودهم في زمن رئيس حكومة، ورئيس جمهورية، وصفني بـ«التهييجي»، أي أسوأ ما في الصحافة من دور حقير، وحاول بكلامه المنفلت قطع رزقي الصحفي، أو كاد...

رئيس الجمهورية المنتخب ذاك، الذي تدافع أنت عنه، سيدي رئيس التحرير، وأنا أراك بلا دواء للسكّري، واستفحال الحالة الصحيّة، بلا إسعاف؟

كل ذلك يجعلني متعجّلا على التقاعد، أنتظر التقاعد أو الموت بالحياة، على أحرّ من الجمر المتوقّد، وقد بلغت قاع الستين وجحيم الخدمة أو الوظيفة أو كل هذا البؤس الذي لا يخلو من ذكريات ساخرة، وأمور جديّة، ومازلت حيّا، وتلك من المعجزات الذاتية الصغيرة في الحياة، لكلينا، يا صاحبي الغالي، في نهاية المسيرة؟

 

أكتب هذا المقال الأسبوعي الوظيفي، وأنا ألتقط أنفاسي بين جريدة أغادرها، لبلوغي الستين، وقناة تلفزية ألتحق بها وأنا في شيخوختي المراهقة الشقيّة التي تلازمني، كرجوع الشيخ إلى صباه، وليس لي من غرض إلا تنبيه القوم إلى ما يرتكبونه من هدر وحماقة، ومن سفاهة وتفريط في الذاكرة الوطنية وفرادة مثل هذه التجارب. فقط لأن رئيس الحكومة يختلف في خط التحرير مع رئيس تحرير هذه الجريدة اليومية التي تصرف عليها الحكومة، التي لا سلطة لرئيس تحريرها مثل سلطة رئيس الحكومة. وذلك هو خطأ رئيس تحريرنا في الجريدة، وقد تطاول على منزلة السيد رئيس الحكومة، ورئيس الحكومة لا ولن يغفر التطاول إلا بمحو الجريدة، جريدة «الصحافة اليوم» من الوجود الورقي والوجود الإلكتروني وكل وجود...

رئيس حكومة عظيم، أعظم من كل يوسف ومن كل شهادة ومن كل صحافة في الوجود، وهو رئيس بصدد تركيعنا وتجويعنا في ذات الحين... شكرا للباجي قايد السبسي رئيس الجمهورية المنتخب الذي عيّن لنا رئيس حكومة يفعل بنا ما يشاء الباجي؟

نقطة إلى السطر.