الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

في نقد الفكر اليومي


بقلم: كمال الشيحاوي

في المقاهي والمطاعم، في وسائل النقل الجماعي العمومي وفي الأسواق كما في المناسبات العائلية التي تجمعنا بعموم الناس غالبا ما نواجه ما يمكن اعتباره مجموع قناعات وأفكار التونسيين التي يتداولونها فيما بينهم وكأنّها خلاصات لا تتطلّب النقاش مثلها مثل الحكم الشعبية الرّائجة من نوع أن الحياة فانية وغير ذلك من الأمثال والحكم. والطريف في هذه الظاهرة التي غالبا ما يتعالى عن النظر إليها المثقّفون عموما (باستثناء علماء الاجتماع المهتمين بالشعبي والهامشي) في غمرة اهتمامهم بما يزعمون أنّه الأهمّ أنّها إحدى نتائج رواج الثقافة «الشعبوية» المحافظة التي يتغذّى منها سياسيون ويشيعونها لزيادة رصيدهم الانتخابي وتوسيع دائرة أنصارهم.

وخلاصة هذا الفكر اليومي ـ إذا جازت العبارة ـ أن أمور البلاد سيئة وأنها كانت أفضل قبل ذلك بسنوات بل بحقب (يلاحظ مثلا ترويج صور لمواقع مختلفة من تونس على «فايسبوك» خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي ومقارنتها بما وصلنا إليها اليوم من اكتظاظ وتردّ للخدمات وغير ذلك) والتأكيد أن الوضع كان أفضل اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا خاصّة زمن «بن علي» وأن ما يسمّى «ثورة» و«ربيع عربي» إنما هو صناعة مخابرات من أجل تدمير البلد. ويضاف إلى ذلك شيطنة كلّ الطبقة السياسية واعتبارها من طلبة الكراسي والثروة وأن حساباتها سياسية خالصة ولا حرص لديها على الصالح العام وأوضاع البلد وظروف الناس الصعبة مع اتهام الكلّ بالفساد والسرقة والترويج لتقرير الحريات والمساواة باعتباره تعدّيا على الشرع والدّين واختتام كلّ ذلك بالدّعاء لله بأن يحفظ الأبناء وأن يكون القادم أفضل وهو دعاء غالبا ما يكون مقرونا بشعور مرير باليأس والإحباط.

وإن كان أغلب مروّجي هذه الأفكار هم من أصحاب الصنائع والعمال وذوي المستوى التعليمي المحدود إلاّ أننا نجد من بينهم أيضا موظّفين وإطارات «إدارية»، بل كثيرا ما نتفاجأ بأن عددا منهم ممّن يملكون شهائد جامعية ويتواجدون في قطاعات مختلفة منها قطاع الإعلام أيضا. وهنا ينبغي أن نستدرك أمرا هاما وهو أن من بين هؤلاء طائفة ذكية، بل خبيثة من السياسيين والإعلاميين تستعمل هذه الأفكار بما يخدم توجّهها الشعبوي المحافظ وليس مهمّا إن كانت تؤمن بها أم تستخدمها لدواع سياسية وانتخابية.

وسواء كان مروّجو هذه الأفكار ممّن يؤمنون بها حقّا أم من المردّدين لها بغير وعي أو ممّن وقع تحت تأثير الخطابات الشعبوية التي ملأت وما تزال الكثير من فضاءات الإعلام ومنتديات التواصل الاجتماعي «فايسبوك» فإن الملاحظ أن جميعهم لا يحبّذون النقاش والتعمّق فيه وكثيرا ما يصرّون على قناعاتهم رغم كلّ ما يبذل من جهد لإقناعهم بغير ذلك. وتقديرنا أنّ اختيار أسلوب بيداغوجي ذكي لمخاطبة هؤلاء بعيدا عن الخطابات المتعالية يبقى مهمّا أيضا ذلك أن هجرهم والامتناع عن مواجهتهم بادعاء جهلهم لا يساهم سوى في زيادة عددهم والترويج لمنتجي بضاعتهم.

وعليه فإنّ القول بأن الأمور كانت أفضل في الماضي أمر يمكن دحضه منطقيا باعتبار استحالة استعادة الماضي ذاته، فضلا عن أن أصحاب هذا الرأي ممّن عاشوا تلك السنوات الذهبية كما يتصوّرون إنما كانوا ملعونين أيضا من الجيل الذي سبقهم والذي كان يتصوّر بأن ماضيه هو الأفضل .

وعموما يعدّ هذا السلوك النفسي «المرضي»تعبيرا عن أنانية ونزوع «سلفي» غير منفتح على تحوّل مراكز الاهتمام لدى جيل الحاضر و اعتبار الأوضاع زمن «بن علي» كانت أفضل يبدو أكثر تعقيدا في الظاهر ويحتاج لتوضيح أمور كثيرة منها أن الآلة الإعلامية النوفمبرية كانت متحكّمة بالإعلام و تتعمّد بكل الوسائل التغطية على الكثير من مظاهر الفقر والتهميش وتآكل القدرة الشرائية وتردّي الأوضاع الاجتماعية والأمنية أما اليوم وبفضل الحرية وبفضل تكنولوجيا صحافة المواطنة عبر «فايسبوك» فقد صار يتم الإعلام بكلّ شيء وأحيانا بما يفوق الحاجة وثانيا وهو الأهم أن ما وصلنا إليه من أزمة المؤسسات العمومية والمالية العمومية والبطالة والتضخّم كنا سنصل إليه حتّى مع بقاء نظام بن علي كما يقول بعض الخبراء الاقتصاديين، والأكيد أن حلّها كان سيتم في حال بقاء النظام السابق بما يتناسب ومصالح ذلك النظام وتركيبته المافيوزية والعائلية حيث سيستمرّ التفويت ولكن لصالح العائلات المتنافسة (الطرابلسية و«صخر الماطري» وغيرهما) وأقوى دليل على ذلك هي انتفاضة الحوض المنجمي في 2008 وثورة 17 ديسمبر 14 جانفي 2010 و2011 وهي أحداث مفصلية ينبغي أن نتذكّر بأنها قامت ضدّ النظام وسياسته ولم تقم ضدّ كائنات ماورائية.

وأما اتهام دول ومخابرات أجنبية بالتدخل في الإسراع برحيل نظام «بن علي» ومع أنّه أمر يبقى متروكا للمحلّلين والمؤرّخين في تحديد حقيقته و نسبته وحجمه إلاّ أنّه من المهم أخلاقيا أن نذكّر بأن تضخيم هذا الدور فيه إهانة وتبخيس لدماء الشهداء التي سالت خلال الثورة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن معظم المتابعين للشأن التونسي وأغلب المنظمات والمحافل الدولية التي منحت تونس جائزة نوبل للسلام تقرّ بقوّة العامل الدّاخلي في تحريك الأحداث وصناعة مساراتها السياسية وشفافية انتخاباتها وما أعطته من نتائج دون أن ننسى أن تدخّل أو تقاطع مصالح داخلية مع مصالح قوى دولية أمر حدث في التاريخ ولم تسلم منه حتّى كبرى الدّيمقراطيات ومن ذلك نجاح الرئيس الأمريكي «ترامب» حيث ما يزال الحديث مستمرا عن دور هام لروسيا في فوزه.

وإن كان اتهام الكلّ بالفساد لا يخدم سوى الفاسدين حيث يتحوّل هذا السلوك «المنبوذ» والمرفوض إلى أمر مبتذل ودارج ولا حرج فيه فإن شيطنة كلّ الطبقة السياسية واتهامها بالحسابات السياسية إنما يدلّ على ضعف الثقافة السياسية لدينا. فطبيعي أن تكون للسياسي حسابات سياسية وانتخابية أيضا وطبيعي أيضا أن يطمح للسلطة والكرسي فهناك يستطيع أن ينفد برنامجه وأهدافه ومن يفكّر بغير ذلك إمّا معادي للمسار السياسي والدّيمقراطي ويحلم بحكم البوليس والعسكر أو أنّه لا يدرك أيضا مشاق المسؤولية والحس الوطني العالي لكلّ من يتصدّى للمسؤولية التي غالبا ما يتجنبّها عموم الناس لهول ما تحتاجه من جهد وطاقة.وأما ترديد ما يشاع عن تقرير الحريات والمساواة بكونه معاد للشرع فذلك تعبير عن وجه من وجوه هذا الفكر اليومي الذي يتغذّى من الإشاعة والسماع ولا يكلف نفسه مشقة القراءة والبحث، فضلا عن كونه قريب جدّا ممّا يزعم أنه مصلحته المادّية المباشرة ولذلك نلاحظ أنّهم لم يروا من التقرير سوى ما يتصل باقتراح المساواة في الميراث مع أنّه تضمّن عشرات الاقتراحات الأخرى. ولقد كتب صديق على فايسبوك ساخرا بأنه لم يعرف حجم غيرة أصدقائه على الإسلام والشرع إلاّ عندما تعلّق الأمر بالمساواة في الميراث أي بمصالحهم المباشرة.