الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



عين على المجتمع

الجريمة تُكشّر عن أنيابها


الصحافة اليوم ـ نورة عثماني

انكشف اللثام وتعرت معه كل اسرار الحادثة التي وقعت خلال الأيام الماضية في وادي مجردة والتي ذهب ضحيتها عون أمن اذ تبين ان القاتل هو الابن الذي يبلغ من العمر عشرين سنة والمغدور هو الوالد...

قاتله هو فلذة كبده الذي كان يحلم طيلة حياته بأن يكبر فيكون عزوته وسنده الذي يتباهى به أمام الناس وأمام المجتمع... لكن هيهات تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فبعيدا عن كل الدوافع التي جعلت هذا الشاب الذي لا يزال في ريعان الشباب يقترف مثل هذا الجرم الشنيع في حق اقرب الناس اليه.

فبغض النظر عن كل الحيثيات والجزئيات التي نسجت خيوط هذه الجريمة فالصدمة هنا كبيرة بكل المقاييس فاذا كانت الجرائم بشتى أنواعها هي في الأصل مدانة بشكل عام في كل النواميس الكونية والقوانين الوضعية فكيف يمكن ان نفسر اليوم هذا الحجم الكبير من الاعتداءات التي تحدث في المحيط الاسري والتي تتطور في أحيان كثيرة الى درجة ارتكاب جريمة القتل في حق أحد المقربين والحالات في هذا الشأن متعددة ومتكررة فمن فترة إلى أخرى يتفاجأ الرأي العام بحادثة من هذا النوع علاوة على وجود عدة جرائم اخرى تقترف في اطار المحيط الاسري كالاعتداءات الجنسية التي كشرت عن انيابها خلال السنوات الاخيرة وباتت تهدد الطفولة البريئة اضعف خلق الله في هذا الكون فكم من طفلة بريئة خطف منها بريق الصبا على ايادي اشخاص ينتمون الى المحيط العائلي المصغر كالأخ و العم و الاب الخ ...

لقد عادت بنا هذه الحادثة من جديد الى نفس دوامة الحيرة فنتساءل هنا عن الدوافع والاسباب التي ادت الى تنامي مثل هذه الظواهر المجتمعية التي اصبحت تستهدف الرباط الاسري الذي طالما ظل مقدسا طيلة العهود الماضية فلئن اقبل هابيل على قتل اخيه قابيل فذلك كان بمشيئة من الله لتتعلم الانسانية جملة من الدروس والحكم والفوائد التي سنها الله من وراء هذه القصة المذكورة في القرآن الكريم فذلك لا يعني اغتيال القيم النبيلة في المجتمع ولا يعني قتل النفس التي حرم الله ولا يعني تفكيك الروابط الاسرية وتجريد قلوب أفراد الاسرة الواحدة من كل مودة فهل تراه ذنب الاسرة و تحديدا الوالدين اللذين لم يستطيعا التكيّف مع الواقع المتغير لمجتمعنا فعجزا عن تنشئة ابنائهما التنشئة السليمة ام تراه ذنب المنظومة التعليمية في بلادنا التي تبين وبالدلائم وفي مقدمتها تراجع جودة التعليم و كثرة الانقطاع المدرسي انها فشلت في التاطير العلمي و النفسي السليم و المتوازن للاجيال ام انه ذنب المجتمع الذي لم يراع وفي خضم ما عرفه من تمظهرات مختلفة و تحولات سوسيولوجية اهمية الرابط الاسري الذي طالما كان في عهود السالفين من اجدادنا خطا احمر ابيّا على كل وسوسة شيطان من شانها ان تدمر تلك العلاقة الحميمة بين افراد الاسرة.

واقعة وادي مجردة لا تعكس فقط حالة التفكك الاسري الذي اصبح يعيشه مجتمعنا اليوم انما هي ايضا اختزال لمصير محتوم كان متوقعا بسبب الوضع العام الذي اصبحت عليه بلادنا جراء انعدام الاستقرار السياسي وغياب الحلول الناجعة للوضع الاقتصادي المتدهور ما خلق بدورة حالة من التوتر و الاضطراب النفسي أصبح تعاني منها فئة موسّعة من عموم الشعب التي أرّقها كثيرا هذا الوضع المتدهور على جميع المستويات وفي مقدمتها الغلاء وصعوبات المعيشة فلئن كانت اسباب قتل الابن لوالده تبدو واهية الا انها في حقيقة الامر هي مربط الفرس لأن تردي الاوضاع السياسية والاقتصادية بدات انعكاساتها تظهر جلية من خلال ارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي والنفسي الذي يظهر خاصة من خلال ارتفاع منسوب الجريمة بشتى انواعها وارتفاع حالات الادمان و تواصل موجات الهجرة غير الشرعية و ازدياد جرائم التهريب والسرقة وتبييض الاموال الى غير ذلك من الجرائم المسكوت عنها و التي تحيل كلها الى الصورة القاتمة التي أصبح عليها مجتمعنا اليوم و كل ذلك بسبب انغماس رجالات السياسة في سياستهم وانهماكهم في تحقيق مصالحهم الحزبية وبحثهم بشتى الطرق عن تحقيق ماربهم في السلطة على حساب مصالح الناس الذين ساءت احوالهم فلطالما ابهروهم ببرامجهم واستمالوهم بشتى المغريات فكانت حملاتهم الانتخابية مزعزعة ومدوية لكنها في نهاية المطاف لم تكن سوى وعود واهية لتحقيق غاية في نفس يعقوب.