الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات


مطارحات
الموضة الفكرية في تونس:

..بين حكمة طائر المنيرفا وأوهام دون كيشوت (1 من 2)


بقلم الصحبي بن منصور

لا شك في أن صناعة قيم المجتمع وتعهد المنظومة الأخلاقية لكل أمة بالصيانة والتجديد هي من جوهر رسالة المثقفين.

وليس أدل على ذلك من أن الأخلاق هي من المباحث الفلسفية، باعتبارها من قيم الوجود الثلاث: الحق والخير والجمال. فقيمة الحق تغطّي مجالات المعرفة والعلوم والفلسفة وقيمة الخير تستدعي الأخلاق والدين، أما قيمة الجمال فتشمل ميدان الفنون والآداب.

بل لقد تشكل اليوم حقل معرفي جديد هو علم القيم (الأكسيولوجيا) وتتقاطع معه فلسفة القيم ونظريات القيمة، هذا وتنسحب الأنشطة الفكرية القيمية على كل القطاعات.

وما يجرني إلى الخوض في هذه المعاني هو النقاشات الدائرة اليوم في تونس حول تقرير لجنة الحريات والمساواة. لم أشأ في البدء التكلم حتى يتبين لي الخيط الأبيض من الأسود لأن في المسألة روائح لعبة سياسية ماكرة، لكن ما ليس منه مفر هو أن يتحلى كل مثقف بالشجاعة الفكرية في إبداء موقفه الواضح مما يدور في مجتمعه من قضايا فكرية وكل من زاوية نظره، البعض من منطلق إيديولوجي، والبعض الآخر من وجهة نظره المجردة من كل انتماء حزبي، والبعض الآخر من موقع الدفاع عن مصلحة الوطن... والبعض الآخر ربما لا يخرج عن دائرة المراوحة بين الذاتي والموضوعي وبين العاطفية والعقلانية.

 

طائر المنيرفا: الفكر بين معنى الحكمة عند الغرب

وبين التشاؤم عند العرب:

حسب فريدريك هيغل وما دوّنه من أفكار في كتابه «فلسفة الحق» فإن الفلسفة لا تشرع في الكشف عن الأفكار التي تشكل البناء العقلي لكل عصر إلا بعد مسافة زمنية تتضح من خلالها الرؤية أمام كل باحث عن المعرفة. ويُشار هنا من خلال القول الهيغلي إلى أن الفلسفة مثل طائر المنيرفا لا تحل إلا متأخرة، والمقصود بطائر المنيرفا هو طائر البومة الذي يمثل عند الغرب رمزا للحكمة والتعقل في حين يرمز عند العرب إلى الشؤم والموت. ولهذا نلاحظ أن الفلسفة عند الغرب هي عامل تعقل ونقد للعقل وإنتاجاته وكذلك عامل تصويب مستمر لأخطاء العقل وحضارته ومنصّة مراجعات دائمة لمناهج التفكير وأهدافها وأدواتها وجهازها المفاهيمي، بينما تمثل الفلسفة عند العرب مصدر فتنة فكرية وزندقة وسببا في الفتن الفكرية وحجّة كافية لتكفير المشتغلين بها وبيان فساد عقائدهم، لذلك هي جديرة بالفعل بأن يكون رمزها العالي عند العرب «البومة» بما تحمله من صورة شؤم وبؤس على صاحبها.

ولئن اشتهر هيغل (1770-1831م) بالفلسفة المثالية فإن حقيقته الفكرية وسيرته تعكسان خلاف ذلك لأنه: أولا من سلالة عائلة سياسية، وثانيا لأنه ابن عصر الأنوار بأوروبا ومن المتأثرين جدا بمبادئ الثورة الفرنسية.

المهم أن النقد الفلسفي لا يشرع في مهمته إلا بعد أن تكتمل الصورة ولذلك فهو مثل طائر البومة -رمز الحكمة طبعا- التي لا تتحرك إلا بعد أن يرخي الليل سدوله.

وفي هذا الصدد يبدو كذلك أن خوض النخب التونسية في أساسات البناء الفكري والقيمي لمجتمعها هو خوض متأخر جدا عن العصر الذي تعيشه مثلما سنبيّنه.

 

الموضات الفكرية في تونس: مراهقة عقل

أم حركة تقليد لا تتوقف؟

لم تكن تونس ومنذ القديم بمنأى عن الخوض في النقاشات الفكرية التي تشغل فكر العالم. لقد دارت في قرطاج مثلا ضجة فكرية حول الأخلاق من منظور فلسفي ساهمت في إثراء نقاشاتها تدخلات المفكر الإفريقي لوكيوس أبوليوس (هو أفولاي الأمازيغي المتوفي سنة 180 للميلاد) صاحب الرواية العجائبية الشهيرة «تحولات الحمار الذهبي» خاصة عندما ألف كتابا تعرّض فيه إلى المسألة الأخلاقية لدى أفلاطون.

وفي العهد الإسلامي بتونس نكتشف من خلال كتاب طبقات علماء إفريقية للخشني القيرواني المتوفي نحو سنة 366هـ/976م أنّ القضايا الفكرية التي كانت تدور في عاصمة الخلافة العباسية بالعراق لا تصل إلى البلاد التونسية إلا متأخرة نسبيا في الزمن، ففي ترجمة عبد الله بن الأشجّ (831م- 899م)، نعاين أنه انتقل في إطار الرحلة العلمية إلى المشرق، وتحديدا إلى العراق فلما رجع إلى القيروان بعد سنوات من الغياب عن مشهدها الفكري سأل عما يخاض فيه من أفكار فقيل له: إنّ أهل القيروان يتكلّمون اليوم في الأسماء والصفات. فقال لهم: «تركت الناس يتوافقون في مسألتين: مسألة القدر ومسألة الوعد والوعيد» (راجع كتاب طبقات علماء إفريقية للخشني، تحقيق محمد زينهم محمد عزب، صفحة 75).

أما في عصرنا الراهن فإننا نلاحظ تأخرا فكريا فظيعا عن مجاراة المشاغل الفكرية الحيوية التي تستغرق تفكير العالم اليوم. ففي تونس نتحدث خلال هذه الأيام عن الحريات والحقوق وعن الحداثة، وهي من القضايا الفكرية التي ترجع إلى العقد السابع من القرن الماضي:

- إن إثارة مسألة الحقوق والحريات في تونس ضمن لجنة منعقدة في الغرض بقصر قرطاج، هو في الحقيقة اجترار لأفكار ما يعرف بأحداث 1968 بفرنسا. حيث نلاحظ هنا أن الجيل التونسي الذي عاصر تلك الأحداث وتأثر بها ثم عاش طويلا على إيقاعها دون أن يقدر على التعبير عنها قد أعاد اليوم إحياء ذلك المكبوت الفكري لوجود نقاط تشابه مشتركة بين ما حدث في فرنسا الستينات وما يحدث اليوم بتونس بعد 14 جانفي، هذا علاوة على محافظة المراهقة الفكرية والسياسية لدى أفراد ذلك الجيل على شعلتها متقدة.

فقد ثار الطلبة والشباب بفرنسا ضد هيبة الأستاذ في الجامعة الفرنسية ثم انتقل النقد إلى بنية المجتمع الفرنسي برمته فوقع التمرد على الأب في العائلة وعلى الأعراف في مراكز العمل، وانضمت إليهم الجبهة النقابية والسياسية اليسارية، كما انحازت النخبة الفرنسية يتقدمها موريس بلانشو وجان بول سارتر وميشال فوكو إلى ذلك الحراك الشبابي من أجل «منع الممنوع» وافتكاك الحرية المطلقة، وكانت النتيجة هي الإعلان عن انتخابات برلمانية جديدة انتهت بانتصار جديد لكن أكبر للقوى اليمنية بفرنسا.

المهم أن تلك الأحداث قد أرادت عن طريق العنف والتمرد تدمير بنية المجتمع الفرنسي لأنه قد بلغ مرحلة الشيخوخة والتكلّس من منظور تلك الفئة المتمردة وبناء مجتمع جديد بتركيبة وقيم جديدة، ورغم أن ذلك لم ينجح بل وأدى إلى تشويه المعايير السلوكية للشعب الفرنسي على حد تصور الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي الذي أعلن عند انتخابه رئيسا لفرنسا أنه سيعمل على تصفية آثار أفكار حركة تمرد ماي 1968 بسبب إضرارها الكارثي والمتواصل بقيمة العمل.

صحيح أننا اليوم نعيش نسخة من أخلاق المجتمع الفرنسي الجديد التي صاغتها أفكار أحداث ماي 1968، ولم تفض إلى تكسير جدار الخوف فحسب وإنما أيضا جدار الاحترام والتقدير، فانعدمت مع ارتفاع منسوب الحرية وبلوغها أعلى سقف لها هيبة المواطن للدولة ومسؤوليها، وهيبة الابن لأبيه، وهيبة العامل والموظف لرئيسه في العمل، وهيبة التلاميذ والطلبة لأساتذتهم.

إن الأفكار الواردة بتقرير لجنة الحريات والمساواة هي تبني لواقع تونسي قائم لكنه يشتغل بشكل سري ومهمش، ومحاولة للتعبير عنه بشكل قانوني، بما يعني تقويضا لبنية المجتمع التونسي وتشكيل بنية جديدة هي نسخة طبق الأصل للمجتمع الفرنسي خاصة وللمجتمعات الغربية عامة. والمقصود بالتقويض هنا يبدأ من مؤسسة الأسرة والعلاقات الاجتماعية وسلوك الأفراد. وهو في الحقيقة استيراد لنموذج مجتمعي هجين وقبيح وعقيم تمت مراجعته بفرنسا خاصة لسلبياته الأخلاقية والسلوكية ونتائجها الكارثية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية...

ولا يخفى أن الهدف من ذلك التقرير هو سياسي بامتياز... إذ تدل كل القرائن على عودة المكبوت الديني بقوة في عهد الحريات الراهنة، وعلى تغوّل اليمين الإسلامي في تونس، مما فاقم تخوفات النخب اليسارية والمثقفة من مستقبل قريب يؤول فيه الحكم إلى الإسلاميين في ظل صناديق الانتخاب النزيه والشفاف. لذلك انتهى تفكير النخب اليسارية إلى بلورة مشروع حضاري لتونس جديد يقوم على إقامة دولة في تونس بلا إسلام في حركة استباقية لحكم سياسيين من ذوي المرجعية الدينية، وسحبا للبساط من تحت أقدام المتكلمين في الدولة والمجتمع باسم الدين، من خلال التعطيل غير المباشر لأحكام القرآن حتى يبقى كتابا للصلاة والترتيل فقط، بمعنى تحييده عن المشاركة في رسم أخلاق المجتمع وضبط قيمه وأهدافه.

- إن النقاط الواردة في تقرير لجنة الحريات والمساواة ينحاز إلى الفئة الشاذة في المجتمع التونسي سواء بفعل تشوهات جسمانية (المخنثين أو المسترجلات) أو اضطرابات نفسية وأمراض سلوكية جنسية (اللواط والسحاق)، وهي فئة مسكوت عنها خلال هذه المرحلة التاريخية لأنه كان في القديم يتمّ تتويبهم بهدف تذويبهم في المجتمع بالنسبة إلى المجموعة الأولى (راجع في هذا كتاب أحكام السوق ليحيى بن عمر) أو أن يقع نفيهم من البلاد بالنسبة إلى المجموعة الثانية (أنظر سيرة السلطان أبي فارس عبد العزيز في كتاب تاريخ الدولتين للزركشي وكتاب الأدلة البيّنة النورانية لابن الشماع وكتاب الفارسية لابن القنفذ). لكن بدا هذا التقرير متعاطفا معهم باعتبارهم من الأقليات المضطهدة ودعا إلى إلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية المتصل بجريمة اللواط والسحاق.

كما ينحاز نفس التقرير إلى العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج إذ سيمكن من توريث من يعرفون بـ«أبناء الزنا» وبالتالي فإنه يمكن أيضا إقامة علاقات حرة تنتهي بمنح اللقب للابن وتوريثه بمنأى عن رابطة الزواج. ينضاف هنا مصطلح جديد لتأكيد بنوة الطفل ألا وهو «الأب البيولوجي» في إشارة إلى وسيلة إثبات الأبوة في مجتمع حرّ تتعدد فيه علاقات المرأة.

وفي الواقع فإن المناداة بسنّ مثل تلك القوانين كان مرتبطا في الحضارة الغربية بنظام اقتصادي وبفلسفة اقتصادية، بخلاف ما يُراد تكريسه اليوم في تونس دون سند حضاري وإنما في إطار صراع إيديولوجي محض بين التيارات المحافظة والمتحررة، ضرّه أكبر من نفعه.

ذلك أن مطلب الحريات الشخصية الذي رفعه المشاركون في أحداث 1968 بفرنسا وانتشرت شرارته بمختلف عواصم الغرب، قد انبنى على فلسفة هاربرت ماركيز الذي كان مراهنا على 3 قوى ستغير وجه العالم وتقود الثورة الاجتماعية وهي: القوى الطلابية في المجتمعات الرأسمالية، والقوى العمالية الحديثة، والقوى الثورية التي تنتصر للإشباع الجنسي داخل المجتمعات المتقدمة.

تقوم أفكار هاربرت ماركيز ومن خلال كتبه التالية: «العقل والثورة» و«إيروس والحضارة» ثم «الإنسان ذو البعد الواحد» على تثمين جدلية هيغل، وعلى إبراز كيف غيرت الثورة الصناعية المجتمع الغربي وتبعا لذلك سلوكه، إذ وفي إطار الرفع من الإنتاج وقع تكريس سياسة محافظة لقمع رغبات الإنسان حتى يمضي وقته وحياته في العمل، لكن عندما ظهرت الثورة التقنية وكثر الإنتاج برزت الحاجة إلى دفع الاستهلاك ورفع سقفه، مما ولّد الحاجة إلى تحرير الإنسان وتشجيعه على الاستهلاك والمتعة، فانتهى الحال بالإنسان إلى اختزال وجوده في بُعد سلوكي واحد هو البُعد الاستهلاكي.

من هنا برزت مقولة جديدة هي: مزيد من اللذة مزيد من الحضارة، في مقابل مقولة قديمة ترجع إلى عصر الثورة الصناعية وهي: مزيد من القمع مزيد من الحضارة، مما جعل فيلسوف غربي ناقد كهاربرت ماركيز ينبّه إلى تحوّل الحضارة الغربية إلى حضارة شرجية تمارس المتعة من أجل المتعة، وذلك خدمة لاقتصاد رأسمالي سيختنق إن لم يُشجع على ثقافة الاستهلاك بلا حدود. وما يُفهم من ذلك جميعا هو أن القوانين الغربية التي تخدم الفئات الشاذة مثلا يصبّ جميعها في سياق نظام الإنتاج الرأسمالي وتخطيطه في تحقيق مصالحه ومراكمة أرباحه عن طريق ضبط طبيعة العلاقات الاجتماعية فيه واختزال المجتمع وأفراده في البُعد الاستهلاكي. وهذا النظام الإنتاجي الرأسمالي الجشع وثقافته الاستهلاكية لا تنطبق بالمرة على المجتمعات النامية كتونس.

لم يكن التخوف على المجتمع الغربي وفقا لهاربرت ماركيز متأت من البروليتاريا التي تم استيعابها بواسطة الترضية الاستهلاكية ولا من الطبقة البورجوازية وإنما من الطلبة ومن الأقليات الاجتماعية، وقد صدق فعلا حدسه المعرفي في العالم الغربي عند اندلاع أحداث ماي 1968 بفرنسا. غير أن هذا الواقع الغربي الذي يرجع إلى الفترة المتراوحة من الأربعينات إلى سبعينات القرن الماضي لا صلة لها من بعيد أو من قريب بالمجتمع التونسي. فلماذا تقع محاولة إعادة إنتاجه إذن في تونس؟