الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



هكذا أرى

وَشْمُُ...على الذاكرة (2)


بقلم : محمد مصمولي

... بعد السنوات السبع من الإشراف على دار الثقافة ابن رشيق ودار الثقافة ابن خلدون ومهرجان مسارح البحر الأبيض المتوسط... حيث تمكّنت من القيام بمبادرات تأسيسية لِمثل ... «التظاهرة الثقافية الشاملة»، و«مهرجان الموسيقى التونسية»، و«وحدة الدراسات الخلدونية»... وَجَدْتني في أمسّ الحاجة إلى معالجة إبني المريض في أحد المستشفيات الفرنسية المختصة في العلاج النفسي ... والطبّ النفسي...

صديقي الأستاذ الجليل توفيق بكار، دفعتْهُ غيرتُه المعتادة على أهل الثقافة إلى مقابلة السيد الهادي البكوش وزير الشؤون الإجتماعية لتكليفي بأية مهمة في الخارج لتمكيني من معالجة الإبن، لكن ذلك الوزير اعتذر للأستاذ عن تلبية الرغبة بقوله: «هذه مشكلة خاصة» كما قال لي الأستاذ توفيق بعد تلك المقابلة وإثر ذلك... جاءني ما... سُمّيَ بتغيير «السابع من نوفمبر» بحدثين، أحدهما... غير سار، والآخر لصالحي وصالح لمعالجة الابن المريض...

الحدث غير السار... تمثل في أنّ السيد زكريا إبن مصطفى رئيس بلدية تونس أصبح وزيرا للثقافة، فاستنجد بشخصين من مهرجان المدينة وعيّن أحدهما مديرا لديوانه... والآخر مرشحا للحلول محلّي على رأس دار الثقافة إبن خلدون، الأمر الذي جعل هذا الشخص البديل لشخصي المتواضع... لا ينتظر القرار الرسمي لِحُلُولِه محلي ... فيسبق الحدث... ويحتلّ مقعدا إلى جانب كاتبه الإداري .. ويحشر أنفه في كل شيء... في البرامج وفي الموظفين.. وحتى في جمهور الدار.

... أمّا الحدث الذي جَاءَني به «السابع من نوفمبر» ورفع معنوياتي لمواصلة معاناتي لمرض الابن، فهو الأمر الصادر في تعييني ملحقا اجتماعيا بالقنصلية العامة لتونس بباريس.... من أجل تمكيني من العلاج في أحد المستشفيات الفرنسية.

فوجئت بهذا الخبر السار عندما اتصل بي مدير ديوان الوزارة الأولى... وقال لي أن السيد الهادي البكوش يُحيطك علما... بتعيينك في باريس.

... وكنتُ أظن ، في تلك اللحظة أنّ الهادي البكوش الذي خاطبه في شأني الأستاذ توفيق بكار... واعتذر عندما كان وزيرا للشؤون الإجتماعية، قد تدارك الأمر عندما أصبح في منصب الوزير الأول بعد حدث «السابع من نوفمبر» ... لكنّني علمتُ بعد يومين أو ثلاثة، أن لا ناقة له ولا جمل في تسميتي المشار إليها.. وإنّما تلقى أمرا مباشرا من رئاسة الجمهورية وذلك إثر تدخّل لصالحي من الصديق الدكتور محمد رشاد الحمزاوي الذي اقترح المسألة على أحد المستشارين (السيد منصر الرويسي) فقام هذا الأخير بعرض المسألة على الرئيس بن علي الذي أمضى بالموافقة...

وممّا علمته في وقت لاحق... عن طريق مستشار آخر (السيد صالح البكّاري) هو أن الرئيس زين العابدين بن علي .. كان على معرفة سابقة بإسمي الشخصي من خلال برامجي الإذاعية والتلفزية أو بما ينقل إليه من تقارير بوليسية كانت تتّهمني بانتسابي إلى أسرة مجلة (الفكر) التي يديرها الأستاذ محمد مزالي... (المعضوب عليه في ذلك الوقت).

لكنّ هذا الرئيس الذي تمّت إزالته من السلطة بعد حدث 14 جانفي لم يهتم بتلك التقارير البوليسية ضدّي وأعطى موافقته الحاسمة بلا تردد...

... أقول هذا... للتاريخ... وليس للتزلف لرئيس فقد سلطته... ونفوذه... بعد 14 جانفي، كما أقوله أيضا في تحية وفاء لروح الأستاذين الجامعيين: توفيق بكار ومحمد رشاد الحمزاوي اللذين سبقاني الى المنازل الخفية... بعد قيامهما بمساعدتي.

 

... لقد أدركت منذ بداية عملي في باريس أنّ الحلقة المفقودة في العمل الاجتماعي والديبلوماسي التونسي بفرنسا.... هي... الثقافة... أولا وأخيرا...

... فالمستشار الثقافي آنذاك بسفارة تونس بفرنسا... لم تكن له علاقة بكفاءاتنا التونسية وبالمبدعين التونسيين في باريس وخارجها... بل كان يجهل وجودهم أصلا...

... ومهمة القنصليات تكاد تنحصر في الخدمات الاجتماعية الآنية لجاليتنا...

... أمّا التمثيلية الرسمية للحزب الدستوري الديمقراطي (الحاكم) بفرنسا... فهي تتمثل في كل شيء إلا في ربط الصلة مع كفاءاتنا ومثقفينا... ومبدعينا

... لذلك وفي الخط الموازي لمعالجة الابن ناضلت من أجل تحويل المصلحة الاجتماعية بالقنصلية العامة لتونس بباريس الى ... فضاء ثقافي/إجتماعي... وفي سنة 1991 تحقق هذا المشروع ودشن من قبل سفير تونس بـ«اليونسكو» الأستاذ عبد الباقي الهرماسي، أما سفير تونس بفرنسا... فقد اعتذر عن الحضور... بدعوى أن مبادرة التأسيس هذه لم تصدر عن مستشاره الثقافي.

... أما المبادرة التأسيسية الثانية فقد تمثلت في بعث أول مهرجان للمبدعين بالخارج، وقد تمت دورته الأولى في سنة 1992 بالمركز الثقافي للحمامات... وبتدشين السيد أحمد خالد وزير الثقافة...

ونظمنا الدورة الثانية بدار الثقافة ابن خلدون وحضر افتتاحيتها السيد منصر الرويسي وزير الثقافة

والمؤسف هو أنّني عبد انتهاء مهمتي في باريس وعودتي الى أرض الوطن.... تمّ التخلص من الفضاء الثقافي ومن مهرجان المبدعين التونسيين بالخارج... فوجدتني... مسبوقا بوشاية مغرضة جعلتني محروما من اجتياز عتبة مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية وذلك لمدة شهر أو أكثر من الزمن...

وتلك هي ضريبة النجاح... دائما لاسيما في تونس!