الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



نقاط وحروف

عن دور المسرح التونسي في نجاح التحديث والانتقال الدّيمقراطي


بقلم: كمال الشيحاوي

كثيرا ما يشار في إطار الحديث عن الشروط الموضوعية التي ساعدت على نجاح الثورة التونسية ومسار الانتقال الدّيمقراطي فيها إلى رصيد تونس الثري من التحديث والتنوير بداية من حركة الاصلاح التي عرفتها البلاد في القرن التاسع عشر وريادتها في صياغة دستور «الأمان» ووضع قوانين تمنع استرقاق البشر ومرورا بتلازم تأسيس الجمهورية مع مجلّة الأحوال الشخصية الرّائدة في الفضاء العربي الاسلامي ووصولا إلى دور المجتمع المدني فيها وخصوصا أطرافه الاجتماعية الرّائدة مثل اتحاد الشغل والرّابطة التونسية للدّفاع عن حقوق الانسان ومنظّمات وجمعيات أخرى عديدة. وفي إطار هذا التركيز على العناوين الكبيرة في خطاب السياسيين خاصّة يتمّ نسيان دور الفكر والآداب والفنون ومن ذلك المسرح الذي نحتفل هذا الأسبوع بواحدة من أضخم فعالياته في بلادنا وهي أيام قرطاج المسرحية التي تأسّست في سنة 1983.

ويمكن القول بشكل مختزل وسريع أنّه على تجذّر الممارسة المسرحية في بلادنا والتي يثبّتها عينيا عدد المسارح الرّومانية (قرطاج وبلاّريجيا واللجم ودقّة وسبيطلة إلخ) وانقطاع هذا التقليد لقرون عديدة (مع استمرار ما يصطلح عليه بالظواهر المسرحية وليس المسرح في شكله اليوناني المعروف) فقد استعاد التونسيون شغفهم بهذا الفنّ مع اكتشافهم له وقد تطوّر في البلدان الأوروبية، فرنسا خاصّة التي زارها عدد من المصلحين والسياسيين والأدباء في أواخر القرن التاسع عشر ولاحظوا دور هذا الفنّ في تجميع الناس لمشاهدة الأعمال التمثيلية التي تحكي قصصهم وقضاياهم وانتبهوا لخطورته في ما يحدثه من تأثير فيهم. وبحسب ما يثبته عديد الدّارسين فقد كان للفرق المسرحية الاجنبية والعربية التي انطلقت في تقديم عروضها منذ سنة 1902 دور هام في مضاعفة حماس التونسيين لهذا الفنّ الذي افتتنوا به وصنعوا له فرقا وجمعيات وقدّموا منه أعمالا عكست رغبتهم في توظيف هذا الفنّ الحيّ والمباشر في ترسيخ الوعي بضرورة النهوض والتقدّم في جميع المجالات وانتشرت الفرق المسرحية في أربعينات القرن الماضي وتعزّز حضورها مع الاستقلال وظهور أوّل فرقة محترفة في تونس وهي الفرقة البلدية بتونس التي عرفت مجدا كبيرا مع المخرج الرّاحل علي بن عياد وتأسّست بالتزامن مع ذلك الفرق الجهوية والتي تطوّرت فيما بعد إلى مراكز للفنون الدّرامية والركحية التي نشأت بعد تأسيس المسرح الوطني سنة 1983.

ويشار إلى أن المسرح الخاص لم يظهر بشكله الجديد المحترف إلاّ في نهاية الستينات وبداية السبعينات مع الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري ومحمد ادريس وجليلة بكار فيما عرف بالمسرح الجديد، ليتلوهم بعد ذلك توفيق الجبالي ورؤوف بن عمر (التياترو) والمنصف الصايم ورجاء بن عمار (مسرح فو) وفي فترات لاحقة ظهرت فرق أخرى مثل المسرح العضوي (مع عزالدين قنون) و«مسرح الارض» مع نور الدين وناجية الورغي وتجارب أخرى عديدة .كما برز في نفس الفترة المسرح المدرسي والمسرح الجامعي ومركز الفن المسرحي الذي يحتضن التربصات الى جانب مسرح الطفل ومسرح العرائس الذي له مركز مستقل وتعزّز كلّ ذلك مع انتشار المهرجانات المسرحية.

وقد عكس المسرح التونسي توجهات فنّية وجمالية مختلفة ومتعددة حيث يذكر المختصون في المسرح على امتداد أكثر من مائة سنة تجارب في «المسرح التراثي» و«المسرح الجديد» و«المسرح الفردي».

ولعلّ من المفارقات المثيرة في تاريخ المسرح التونسي وتطوّره، دوره التّاريخي في بلورة الوعي ببناء الهوية الوطنية والاستقلال زمن الاستعمار المباشر ومساهمته في نشر الوعي بقيم العصر ورهاناته زمن بناء الدولة الوطنية (وقد كان لرئيس الدوّلة «الحبيب بورقيبة» دور هام في هذا السّياق حيث حثّ في خطابات شهيرة على أهمّية هذا الفنّ في بناء قيم الجمهورية) وقد استمرّ المسرحيون التونسيون في القيام بدورهم الملتزم في مراكمة الوعي لدى الجمهور بمقاومة التخلّف والجهل والظلم والتسلّط. ويشار في هذا السّياق إلى أعمال عديدة كانت مزعجة بالمعنى الثقافي والفكري للسلط ولأجهزة الرّقابة في فترات التسلّط والانغلاق التي عرفتها تونس قبل الثورة. ويمكن أن نشير على سبيل المثال لا الحصر إلى بعض أعمال الفرق الجهوية بقفصة والكاف وإلى عدد من أعمال المسرح الجديد «غسالة النوادر» و«التحقيق» و«عرب» إلخ دون أن نغفل أيضا أعمال أخرى رائدة فيما يمكن الاصطلاح عليه بالمسرح الملتزم مثل «مراد الثالث» لعلي بن عياد والتي أعادها «محمد ادريس» زمن إدارته للمسرح الوطني. كما لا تفوتنا الإشارة أيضا إلى دور تجارب أخرى لفرقة المغرب العربي والمسرح العضوي ومجموعة التياترو وخصوصا في تجربة «كلام اللّيل» في ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي.

ولعلّه من المثير أن نشير إلى أن المسرح التونسي الذي يلقى دعما كبيرا من قبل الدولة سواء في دعمه للإنتاج أو التوزيع وهو تقليد قلّما نجده في بلدان أخرى لم يتخلّ رغم ذلك عن دوره في نقد السلطة وفضح اختياراتها وكشف تناقضاتها في أكثر الأوقات ظلمة وضيقا. نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى أعمال الفاضل الجعايبي مثل «خمسون» و«يحيا يعيش» والتي شكّلت ازعاجا كبيرا للنظام خلال عرضها ما دفعه مجبرا للالتفاف عليها ومنع تداول النقاش حولها أوالحديث عنها في وسائل الاعلام.

لقد كان المسرح دائما وما يزال فضاء لامتحان قدرتنا على قبول الاختلاف وفضاء لتجريب الحوار والصراع بوسائل سلمية. وهو لهذه الأسباب يعدّ فنّا ديمقراطيا بامتياز. وبه وبانتشاره تقاس درجة تقدّم المجتمعات ومساحة التسامح والقبول بالتعدّد فيها.