الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تعاليق و متابعات



أفكار

صرخة صلاح مصباح وصداها


بقلم : منيرة رزقي

كم كانت صرخة الفنان صلاح مصباح مرة وصادمة وهو يعلن قبيل دخوله المستشفى لإجراء تدخل جراحي دقيق ، أنه يريد أن تحرق كل أعماله وأن يدفن في بلد آخر إذا ما قدر له أن يرحل.

ورغم إقراره بمحبته لهذه الأرض التي قال أنه أخلص لهاومنحها إبداعه وجهده وسنوات عمره التي أفناها محبا وعاشقا متيما بتربتها ومتغنيا بسواعدها السمراء وسهولها وروابيها إلا أنه وأمام جحود أبناء جلدته قرر الا يستريح في نومته الأخيرة بينهم.

وبقدر ما بدا قوله هذا صادما وينم عن وجع عميق عاشه هذا الفنان الذي عانى من التهميش والتجاهل سواء من وسائل الإعلام خاصة في السنوات الأخيرة والتي إنخرطت في الإنحياز « للتفاهة والسطحية » وباشرت صناعتها لنجوم من ورق وسقط النجوم الكبار الذي صنعوا مجد الأغنية التونسية خاصة في فترة الثمانينات التي تعد العصر الذهبي للموسيقى التونسية والتي أنجبت خيرة المبدعين في هذا المجال على غرار صلاح مصباح وعدنان الشواشي وشكري بوزيان والشاذلي الحاجي ونجاة عطية وأمينة فاخت وعلياء بلعيد وذكرى محمد.

ومن هذا المنطلق كانت صرخة صلاح مصباح حادة ومؤثرة في كل الذين أحبوا هذا الفنان وخاصة اولائك الذين يؤمنون بخصوصية الأغنية التونسية وبقدرتها على المنافسة وعلى تحقيق الإشعاع خارج الحدود لاسيما بعد أن نجحت الأغنية الخليجية والمغربية في إحتلال مراكز متقدمة اليوم جماهيريا وإعلاميا على الصعيد العربي وليس هذا فحسب فقد باتت منافسا للأغنية المصرية في عقر دارها وكذلك اللبنانية .

وبقدر ما كان رجع الصدى كبيرا لصرخة صلاح مصباح في صفوف المحبين والمتابعين لهذا الفنان بقدر ما كان الصمت مطبقا في صفوف الفاعلين الحقيقيين في هذا القطاع.

و يبدو أن مرارة صلاح مصباح التي فاقت كل الحدود جعلته لا يرى نهايته سوى بشكل كافكاوي تراجيدي داعيا إلى حرق أعماله التي يئس من قدرتها على أن تحمي وحدته وعزلته في مرضه وأن تشفع له لدى أولي الأمر من الساهرين على الشأن الثقافي حتى يلتفتوا إليه ويقدروا وجعه الكبير.

وفي صرخته أو تدوينته عبّر مصباح عن شكواه من ضيم أهل بلده وهو الذي يبدو من كلامه أن العنصرية كانت خلف الكثير من الممارسات المرضية التي تعرض لها سواء من الفاعلين في القطاع أو من وسائل الإعلام .

فقوى العنصرية والحقد - كما أسماها مصباح -كانت أكبر من المحاولات الكثيرة التي سعى من خلالها إلى التأقلم مع الأوضاع السقيمة التي تسم المشهد الثقافي في بلادنا والذي لم تؤثر الثورة في حلحلته وتغيير مياهه الراكدة.

وإذا كان البعض قد إنتظر أي بادرة من وزير الثقافة الحالي وهو الموسيقي والباحث في الظاهرة الموسيقية وهو الأقرب لوجع أهل الموسيقى والأقدر على تفهم ما يشعرون به لكن الإنتظار طال دون إشارة من بعيد أو قريب تؤكد إهتمامه الشخصي بهذا الفنان أو إهتمام الدولة بأبنائها دون تمييز أو إخوانيات .

لكن لا جدوى، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ولا رجع لصدى صرخة مصباح الذي كان يحلم مثل علي الدوعاجي بحبة عنب تقدم إليه فاكهة إبداعه وتتويج مسيرته الحافلة بالجهد والعرق.

ولأن صلاح مصباح فنان كبير بكل المقاييس سواء كنا من محبي إنتاجه الفني والمتذوقين له أو من غيرهم على أساس أن جهده في إثراء المدونة الغنائية التونسية معلوم للجميع فإنه جدير بأن يحظى بالإهتمام والتكريم وهذا حقه على الثقافة والإعلام في تونس وليس من قبيل التفضل والمنة.

لكن في ظل تخلي الدولة التونسية عن كل الأدوار الموكولة لها وفي ظل وزارة ثقافة ميزانيتها صفر فاصل ويقتصر أداؤها على الإحتفالات التي باتت من قبيل الفلكلور الثقافي لا يمكن أن ننتظر شيئا يذكر للمبدعين الحقيقيين.

ولعل أهم صدى لصرخة مصباح جاء من زميله وابن جيله عدنان الشواشي الذي رد عليه بشكل مؤثر وهو الذي يعاني أيضا من ضيم التجاهل منذ سنوات رغم ما قدمه للفن التونسي.