الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في الذكرى 17 لـ «غزوة» 11 سبتمبر

أمريكا تُواصل «الرّجم» بجماعات الإسلام السياسي



بقلم: مراد علالة

في مثل هذا اليوم من عام 2001 اهتز العالم لرؤية أقوى دولة في العالم وهي تنزف تحت وقع ما يمكن أن نسمّيه بـ«غزوة 11 سبتمبر» غزوة لم تبح بعد بكل أسرارها رغم مرور السنين وكل ما رسخ في الذاكرة منذ ذلك التاريخ ثلاثة مشاهد أولها مشهد سقوط برجي التجارة العالميين الأطول في الكون في قلب نيويورك تحت وقع ارتطام طائرتين مختطفتين وثانيهما مشهد الإدارة الأمريكية ترقص كالديك المذبوح وتعلن الحرب على ما زعمت أنه الارهاب والارهابيون في بؤرهم أو بالأحرى في مصانعها وثالثها مشهد هذه المسرحية التجريبية المتواصلة في تحريك جماعات الاسلام السياسي والتعاطي معها كالدمى للثأر منها ومنا على أرضنا خارج الركح الأمريكي.

أما المشهد الأول وبعيدا عن لغة الأرقام التي وان كانت مهمة فهي لا تساوي شيئا أمام ما تكابده البشرية منذ عقود بسبب السياسات الامريكية التي فرّقت فسادت وانتهكت فانتشت وكالت بمكيالين فتضخمت واستعدت الناس فرادى وجماعات فانتقموا منها ولفظوها وهذه حقيقة اعترف بها الرئيس الأمريكي السابق باراك حسين أوباما نفسه سواء في خطاب القسم والتنصيب أو في كلمته الواقعية القيّمة التي ألقاها في القاهرة يوم 4 جوان 2009 والتي قال فيها للعرب والمسلمين والشعوب الضعيفة «أنا فهمتكم» وتعهّد لهم بفتح صفحة جديدة لم نقرأ فيها شيئا ايجابيا يذكر حتى الآن وكل ما سجّلناه هو الاستمرار في النهج الخطإ.

لقد ضربت أمريكا بحدّة وفي العمق صراحة يوم 11 سبتمبر 2001 وفقدت زهاء 3 آلاف شخص وتجاوزت الخسائر المادية عشرات المليارات من الدولارات لكن هذه الخسائر لا تعني الكثير لدولة قامت أصلا على ابادة الشعوب وإراقة دمائهم واستغلال ثرواتهم بقدر ما يعنيها تمريغ أنفسها في التراب كما يقال فلا المخابرات ولا العملاء ولا القوة العسكرية الخارقة اكتشفت الغزوة مبكرا أو على الأقل قلّلت من وقعها والسبب قد يكون بسيطا في تقديرنا وهو أن الادارة الامريكية على ما يبدو لم تكن تتوقع أن تلدغ في جحرها ممن صنعت أيديها من المجموعات «الجهادية» العنيفة والدموية التي وقع توظيفها في مرحلة ما لضرب المعسكر الاشتراكي وبمجرد سقوط هذا المعسكر صارت حملا على من صنعها وقد تكون اكتشفت أيضا أن «الشيطان الأكبر» ليس في العالم الشيوعي وانما في المعسكر الغربي بقيادة أمريكا.

بعد الصفعة والصدمة بحثت الادارة الأمريكية عن ردّ الاعتبار وانقاذ السمعة وإثبات أنه لا يؤذي غيرها ولا يقتل بشراهة غيرها ولا ينتهك حقوق الشعوب وسيادة الدول غيرها فكانت اليافطة الحرب على الارهاب ودكّ حصون الارهابيين ومعاقلهم والبداية بأفغانستان الأرض التي أنشأت فيها الادارة الأمريكية نفسها «مدرسة» المجاهدين الأفغان والعرب وتخرج منها تنظيم القاعدة وحركة طالبان وغيرهما من الحركات الارهابية... ثم جاء دور العراق الذي دفع ثمن الوهن العربي وأخطاء النظام الوطني فدمرته آلة الحـرب الأمريكـية ونصّبت عليه حكما لا يشبه الحكم لا يبسط سلطته حتى على المنطقة الخضراء في قلب بغداد...

ومرت الأعوام وتواصل استنزاف القضية الفلسطينية وانهاك القوى الوطنية والتقدمية واعداد العدة لإسقاط الدول العربية بالضربة القاضية تباعا كقطع الدومينو بتغذية النعرات الجهوية والقومية والدينية والاجتماعية والسياسية وغيرها وتوظيف حقوق الإنسان لتلميع صورة التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية لبلداننا الى أن جاءت اللحظة التي قررت فيها واشنطن رفع يدها عن مجموعة من الحكام العرب والسماح باسقاطهم رغم كونهم تفانوا في خدمتها ولم يشقوا أمامها عصا الطاعة الا نادرا.

في غضون ذلك غيرت الادارة الأمريكية نهجها واختارت ألا تقطع مع صنائعها من المجموعات الجهادية والارهابية وتعاطت معها بطريقتين مختلفتين حسب طبيعة هذه المجموعات وأدوارها المرسومة في المنطقة، المهم ألا تكون الأراضي الأمريكية مسرحا للعنف والدم والقتل فذاك فعل حصري تهديه لنا أمريكا بكل رحابة صدر.

أما الطريقة الأولى فهي مواصلة الدعم السياسي والمادي واللوجستي والتوظيف في المهام القذرة كما يحصل مع المجموعات الدموية في الشقيقة سوريا على سبيل المثال فالادارة الامريكية تتردد حتى في وضع هذا التنظيم أو ذاك في لائحة الارهاب وأحيانا توصّف تنظيما بالارهاب هنا وتتحفظ على فعل ذلك مع أحد فروعه هناك... هكذا اختارت أمريكا التعاطي مع من تعتبرهم ارهابيين وثأرت وتأثر منهم باستمرار!.

الطريقة الثانية لا تختلف كثيرا من حيث التكتيك والاستراتيجيا فهي تقوم على تحييد الأرض الأمريكية دائما وفتح أبواب التنسيق والتوافق والشراكة مع ما يسمى بـ«الاسلام الديمقراطي» الذي ترفع رايته جماعات الاسلام السياسي في أكثر من بلد عربي ممن قطع مع العنف المسلح المباشر وانخرط في العمل السياسي العلني وساعدته الظروف الاقليمية والدولية على الوصول الى الحكم واستلام السلطة أو جزء منها كما حصل في فلسطين ومصر والمغرب وخصوصا تونس مع مواصلة ابتزاز الدول الاسلامية التقليدية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي رفض القضاء الامريكي هذا العام اسقاط دعوى لمقاضاتها بسبب هجمات 11 سبتمبر 2001.

وليس غريبا في كل عام أن يعود الحديث عن علاقة الاسلاميين بالارهاب وعن مسعى الكونغرس الامريكي لتصنيف جماعات الاسلام السياسي وعلى رأسها حركة الاخوان المسلمين وفروعها في المنطقة منظمات إرهابية وقد طال الكلام حركة النهضة الاسلامية في تونس وهو في تقديرنا هراء لن ينفع الناس لأن استمرار أمريكا في رجمنا بجماعات الاسلام السياسي ودعمهم من جهة بكل السبل ثم التظاهر والتباكي لكونهم من الارهابيين الذين آذوا الشعب الامريكي ذات يوم حيلة لم ولن تنطلي على بقية الشعوب والأمم.

قد تستطيع الادارة الأمريكية قهر الناس في مشارق الأرض ومغاربها بعض الوقت لكنها لن تستطيع اخضاعهم أبد الدهر وتلك أحكام الدنيا ودروس التاريخ التي يبدو أن الاصدقاء في أمريكا لم يستوعبوها وعذرهم فقط قصر تاريخ دولتهم وانعدام العمق في حضارتهم وجنوحهم الدائم الى التوهّم بأنهم لا يهزمون وان قدرهم قيادة العالم الذي ضاق بهم.