الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



لا أحد يعلو على الوطن مهما علا شأنه:

عندما يستغلّ رأس المال اللاّوطني ضعف الدولة ليبتزّها ويهينها



بقلم: محمد بوعود

قد تكون حادثة مصنع وادي الليل الأخيرة، القطرة التي أفاضت الكأس، وقد تكون أيضا حادثة عادية من جملة مئات إذا لم نقل آلاف الحالات المماثلة، التي وقعت في تونس منذ 14 جانفي 2011 الى الآن.

لكنّها بالتأكيد الحادثة التي عكست جليا خطاب الرأس مال اللاوطني، الذي يثبت في كل مرّة معادن طبقة من أصحاب العمل، من الأثرياء الجُدد، أو من أغنياء الصُّدفة، وخاصة من الأثرياء الذين استثروا من امتيازات الدولة، وقروض البنوك العمومية، والذين لا يعرفون حقيقة معنى الرأسمالية الوطنية، التي تنمّي الثروة وفي نفس الوقت تنمّي الوطن.

فهذه الطبقة التي ازدهرت بعد الثورة، والتي انتشرت فجأة كالفقاقيع، واستغلّت ضعف الدولة، ورغبة الحكومات المتعاقبة في إثبات أنها تصنع التنمية وأنها تنجز المشاريع، لتستولي على مئات المليارات من خزينة الدولة، على شكل هبات وقروض ومنح وامتيازات، واعفاءات جبائية وديوانية وضريبية، وصلت الى حدود محو كل ديونها أحيانا، وحتى شطب وخلاص فواتيرها لشركات الماء والكهرباء والانترنيت، بدعوى أنها تمرّ بظروف صعبة، أو أحيانا بغباء من الحكومات، واعتقاد ساذج من القائمين على الاقتصاد الوطني، أن هذه الطبقة بالفعل تقوم بتشغيل اليد العاملة، وأنها تصدّر وتساهم في تدوير عجلة الاستثمار والتنمية، وفي خلق الثروة وجلب العُملة الصعبة.

لكن المتابع لمسيرة هؤلاء المتعملقين من الاثرياء الجُدد، ومن غير الطبقة الرأسمالية التقليدية، التي لم تتخلّ عن واجباتها الوطنية، -ولو أنها استغلّت ضعف الدولة أيضا بدرجات متفاوتة- يلاحظ أنهم لم يتركوا فرصة تمرّ دون أن يزيدوا في فرض شروطهم على المجموعة الوطنية، ودون أن يحققوا مكاسب هامة وغير مشروعة من نهب القطاع العمومي، سواء لناحية القروض من البنوك العمومية، بدون ضمانات أو بضمانات غير مناسبة لحجم ما يقترضونه، وسواء بالتباكي في كل مرة والتشكّي من العجز ومن ارتفاع ثمن النقد الاجنبي ومن الصعوبات اللوجستية في النقل والتصدير والترويج، أو كذلك في توظيف رتل من «الخبراء» الاقتصاديين، للتباكي على الصعوبات التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، لاستدرار عطف الرأي العام من جهة ولابتزاز الدولة أكثر فأكثر من جهة ثانية، وأيضا، والأهم، لإكساب أنفسهم ومصالحهم نوعا من الحصانة، تجاه كل المتغيرات الطارئة، حتى يكونوا في مأمن من التحوّلات التي يمكن أن تحصل بشكل سلبي في الدورة الاقتصادية الداخلية والدولية، من خلال إجبار الدولة على توفير ضمانات وتأمينات على أعمالهم، تكاد تكون مطلقة، وخالية من المخاطر نهائيا بالنسبة لهم، على عكس القطاع العمومي الذي بقي في تراجع مستمر، وإهمال شبه متعمّد من الدولة، وهجمة واستنزاف لا ينتهيان ولا يتوقّفان من قبل القطاع الخاص، الوافد حديثا، والتقليدي أيضا.

وقد استطاعت هذه الطبقة من الأثرياء الجدد، أن تحتل لنفسها مكانة عُليا في دولة الضّعف الوطني الشامل، واستطاعت أن تتحوّل الى قوّة ضغط عال، في مختلف المجالات والقطاعات، واستطاعت أن تجبر الدولة في كل مرّة على الرضوخ لابتزازها الذي لا ينتهي، وأجبرتها في عديد المرات أيضا أن تدفع حتى رواتب العمّال من النّزر القليل الذي كانوا يتقاضونه من أرباب الأعمال هؤلاء، بل يتذكّر الجميع، كيف استطاع أرباب الفنادق من مقامري السياحة الجدد، ان يجبروا حكومة الحبيب الصيد، تحت ضغط التهديد بطرد آلاف العمال وتجويع مئات آلاف العائلات، من التعويض لهم بالمليارات على كوارث وهمية، وعلى إرهاب في اغلبه مفتعل، وعلى جوائح لا دخل لأحد فيها، وحتى على نقص السيّاح، وعلى إلغاء حجوزات وهمية لم تكن موجودة أصلا إلا على الورق، بل الأغرب من كل ذلك، أنهم أجبروا حكومة الحبيب الصيد في تلك الفترة أيضا، وبتواطئ وضغط من الحزب الحاكم، على دفع متخلّداتهم الى شركتي الماء والكهرباء، وحتى معاليم الانترنيت، بل والفضيحة الأكبر، هي إجبارها تحت الضغط على شطب أغلب ديونهم، وكل فوائضها.

هذه الطّبقة من أثرياء الفُرص والصّدفة، لم تكتف بما حققّته من غنائم بغير وجه حقّ، بل إنها واصلت ليّ ذراع الدولة بدون توقّف، وواصلت نهب المال العام من خلال التلويح في كل مرّة بأنها ستغادر إلى المغرب أو إلى أي بلد آخر، وتترك آلاف العائلات في حالة بطالة وخصاصة، وهو موضوع تعرف جيدا حساسيته بالنسبة للدولة، وللحكومات المتعاقبة، التي لم تستطع أن توجد موقفا شجاعا من هذه التهديدات، وكانت تخضع في كل مرة إلى الابتزاز، وهي التي تخشى أن يُقال انه في عهدها أغلقت كذا مؤسسة، أو هاجر كذا مصنع إلى المغرب وأغلق أبوابه.

هذا الضعف جعل أغلب هؤلاء على قناعة بأنهم فوق القانون، وأنهم أعلى سلطة من الدولة، وأنهم يمُنّون على البلاد بمجرّد بقائهم منتصبين فيها، وأنّ لهم فضلا كبيرا على هذا الشعب الفقير، وأنهم يطعمونه من جوع، ويسدّون رمق أبنائه من غائلة الفقر والخصاصة.

وهو اعتقاد دفعهم للتصرّف كأباطرة الرّوم الذين لا يُردّ لهم طلب ولا يسقط لهم قرار، ولا تُناقش لهم كلمة أصلا.

ولعلّ ما حدث مؤخرا في مصنع البسكويت بوادي الليل، خير دليل على ما وصلت إليه هذه الطّبقة من عنجهية، ومن استهتار بالقانون، وبأرواح الناس، وكرامتهم، ولقمة عيشهم، دون أن تجد من يردعها، أو من يقف في وجهها.

فأن يتعمّد صاحب المصنع، استجلاب «باندية» للاعتداء على العمال المعتصمين، ويعترف بذلك بعظمة لسانه على موجات الأثير قائلا (نعم طلبت من شركة الحراسة تعزيزات إضافية لحفظ الأمن) وأن يتعمّد اهانة السلط الجهوية متمثلة في والي منوبة، ويخاطبه أمام حشد من الناس بطريقة مهينة لا يمكن وصفها الا بقمّة الاستعلاء والتغوّل واستغلال النفوذ والمحسوبية، والاستقواء بمعارف له في أحد الحزبين الحاكمين، أو في كلاهما معا، وأن يظهر في الاعلام وكأنه ضحية اعتصام وقطع طريق وتعدّ من قبل «كمشة» من الخارجين عن القانون ومن الذين لا يريدون أن يعملوا ولا أن يتركوا أحدا يعمل، كما سوقها هو وأبواقه، فهذه فعلا قمّة الحيف والظلم والتعدّي الصارخ على حقوق عُمّال، وأرزاق عائلات، وكرامة شعب وهيبة وطن بأكمله.

فالرجل لازال إلى يوم الناس هذا، يدفع رواتب لا تتجاوز في أغلبها المائتين وخمسين دينارا في الشهر، ولازال عشرات العمّال لا يتمتعون بضمانات اجتماعية، ولا ضمانات التداوي ولا حتى التأمين على المرض، وأوضاعهم هشّة، بل أكثر بكثير من الهشاشة التي يتحدّث عنها خبراء الصدفة أيضا.

ويروي العمّال آلاف الروايات عن طريقة تعاطيه معهم أثناء العمل، وأثناء الاحتجاج، وأثناء الإضراب الذي شنّوه مؤخّرا بعدما فاضت بهم الكأس.

صحيح أن لا عاقل في العالم يمكن أن ينكر قيمة العمل، ولا أحد يساند إضرابا عشوائيا وغير مبرر، لكن الأصحّ أيضا أن لا قانون في العالم اليوم، وفي بلادنا أيضا، يسمح لربّ عمل، مهما علا شأنه، ومهما علت وتوطّدت قرابته بالحُكّام، أن يستعبد فئة من العمال، وان يهين كرامتهم، ويعتدي عليهم بالعنف، ويجبرهم على العمل، مسلوبي الحقوق، ومسلوبي الارادة، ومسلوبي الكرامة بالخصوص.

وما حدث لا يمكن تصنيفه إلا في باب التعالي على الوطن، وابتزاز الدولة في فترة ضعفها، واستغلال أوضاع مركّبة ومعقّدة، من اجل مزيد الاستثراء على حساب حقوق الآخرين، وهو ما يحمّل الحكومة مسؤولية كبرى أمام القانون والتاريخ، خاصّة وأنها رضخت لابتزاز رجل أعمال، ومكّنته من القوة الأمنية لفضّ اعتصام في معمل خواصّ، رغم أنها لم تجرؤ على مثلها في اعتصامات أخرى، عطّلت مصالح بلاد بأكملها، وأغلقت سككا حديدية وطرقات ومؤسسات لسنوات طويلة دون وجه حقّ.

وهو بلا شكّ أمر يثير الرّيبة، ويطرح عشرات الأسئلة، خاصة وان هناك شُبهة تواطئ من أجهزة الدولة التي لم تنتظر نتائج المفاوضات، ولم تستمع إلى الطرف الآخر، العمّال وممثليهم، بل سارعت الى استعمال القوة تلبية ونزولا عند اشتراطات «المستثمر» الذي هدّد بإغلاق المصنع، والتحوّل إلى بلد شقيق.

هذا الاشتراط أو المساومة اللاوطنية والرّخيصة، التي يرفعها في كل مرّة أحدهم في وجه الدولة، وكأنها عصا سحرية لابتزاز امتيازات جديدة، وللتفصّي من كل مسؤولية، ولاستعراض العضلات “الاستثمارية” الفارغة، هو الذي آن الأوان لحسمه نهائيا، وما على الدولة الا أن تعلن أن كل من يريد المغادرة فبإمكانه أن يفعل، شريطة أن يُرجع كل أموال القروض وفوائدها للبنوك العمومية، وأن يدفع كل متخلدات ضرائبه وجبايته ومعاليم ديوانته ومستحقات التأمينات والضمان الاجتماعي ومكافآت نهاية الخدمة للعمّال، وفق القانون، وساعتها لن يتجرّأ أحد على نُطق هذه الكلمة، ولن يهددّ أحد ولن يبتزّ الدولة أحد، فلا أحد يعلو شأنه على شأن الوطن، ولا أحد أهمّ من الدولة والمجموعة مهما كانت الصفة التي يحملها، أو الكذبة التي يتظاهر بها.