الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تقارير مُفزعة عن فاتورة الغباء السياسي في تونس

«داعش» الدّاخل... بعد «داعش» الخارج


بقلم: خليل الرقيق

ربّما يصحّ وصفه بالتقرير المفزع، ذلك الذي أوردته صحيفة «واشنطن بوست» يوم 8 سبتمبر 2018. ولا تتأتى الكارثية هنا من تركيز الصحيفة على ظاهرة الإرهاب، بل من إشاراتها الى أن خطره تحوّل ممّا سمّي بـ«عودة الإرهابيين من بؤر التوتر» الى وجود إرهاب يتمدّد في الدّاخل عبر «جيل جديد من الشباب المقيم في تونس، يقوم تنظيما داعش والقاعدة الإرهابيان بتجنيدهم».

وفيما يشبه التحذير من سيناريوهات مفزعة، أشار التقرير الى ان عملية عين سلطان الإرهابية الأخيرة، جاءت من الداخل باعتبار أن غالبية المسفرين الى بؤر التوتر «لم يعودوا بعد إلى بلادهم» وإذ سلط التقرير الأضواء على الكمّ المتراكم من الإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد «الثورة» هو السبب الجوهري لتكوّن هذه النواتات العنيفة صلب النطاق الاجتماعي التونسي، فإن أية قراءة متأنية لما يحصل في تونس الآن، قد تقودنا الى أصل الدّاء، ذلك أن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد توجّس من عودة إرهابيين مهاجرين، بل تحوّل الى قلق من تكوين «جيل جديد» من الإرهابيين في النطاق المحلي التونسي...

وإذ صمت تقرير الصحيفة الأجنبية عن مسائل قد لا يكون أدركها ميدانيا، وقد يكون أدركها وخير عدم الإشارة لها لسبب أو لآخر، فإن المتابعين للشأن اليومي في تونس، يقفون على عوامل كثيرة مدمّرة قد تكون ضاعفت من حجم الإشكال وفاقمت مخاطره بشكل مفزع.

قد نتفق مع التقرير في التوصيف العامّ وهو أن «الأزمات الاجتماعية والاقتصادية هي أفضل وقود لتغذية الإرهاب والهجرة السرية» وأن «الكثير من عمليات التجنيد لدى التنظيمات الارهابية تتم في المناطق الفقيرة» لكن المسألة في تقديرنا قد تطرح من زاوية أوسع، تبدو الأكثر إثارة للقلق في راهننا التونسي...

إنّ هذه «الطفرة» البغيضة في النشاط الإرهابي على نطاق محلي، تحيلنا مباشرة الى الأزمة السياسية وتأثيراتها، فلقد انتج التكالب على التموقعات والمحاصصات تعاميا حكوميا واضحا عن الأنشطة المشبوهة التي تحصل في البلاد، إن من الجمعيات المشبوهة التي أصبحت مأوى للاستقطاب التكفيري أو من فئة خطيرة من رجال الدين المتطرفين والذين يكادون ينشطون بتزكية سياسية حكومية من فرط ما يجدونه من تسهيلات لاقتحام الفضاء المجتمعي وتنظيم التظاهرات الطافحة بشعارات التكفير وممارسة الاستقطاب و«التجنيد الذهني» دون حسيب ولا رقيب.

وقد يكون التحالف «المتين» بين الحكومة الحالية والتيار الديني الماسك بأجهزة السلطة والإدارة قد زاد الطين بلة ذلك أنّ الجهة الحكومية بقدر ما ركّزت على ملاحقة وحتى قمع خصوم بقائها في الفضاء المدني بقدر ما تساهلت في التعاطي مع التعبيرات الجمعياتية والالكترونية للعناصر المتطرّفة دينيا هذا إن لم نقل أنّها استفادت منها في إطارات حملاتها على من يخالفها الرأي في النطاقات السياسية والإعلامية والنقابية.

ويضاف الى ذلك وجود تمظهرات ممأسسة للنواة الذهنية للإرهاب التكفيري عبر وجود عديد الوسائط التعليمية الموازية المتمركزة في تونس ومنها فرع «اتحاد العلماء المسلمين» المصنّف إرهابيا في أغلب الدول العربية والذي ينشط بشكل «مريح جدّا» في كنف رعاية السلطات دون أيّ محاولة للحدّ من نشاطه أو مراقبة محتوياته «التعليمية».

أمّا إذا توغلنا قليلا في عمق أحزمة الفقر والأحياء الشعبية المحيطة بالمدن فسنجد حواضن تطرّف ذهني تبدأ حتى قبل بلوغ الطفل سنّ التمدرس في شكل كتاتيب ورياض أطفال عشوائية.

وهذا يعني أنّ خطر التكوّن الحالي لنواتات الإرهاب في الداخل التونسي، لا يعزى فقط الى تلك المسببات التقليدية المتعارفة ولا يتمركز فقط في المرتفعات الحدودية بل ينتعش داخل مناخ من التواطئ... فهناك غباء سياسي مستفحل زيّن لمن يحكمون غضّ النظر عن الخروقات الجسيمة في حقّ الاستقرار والأمن القومي لما اعتقدوا أنّه استرضاء للتيار الديني الذي يسندهم للبقاء في الحكم.

ولا غرابة أن يكون منتوج هذا الغباء فاتورة ثقيلة ستدفعها البلاد من أمنها وسمعتها الخارجية حيث لم يتردد أحد كبار المحللين التونسيين في مجموعة الأزمات الدولية بشير العياري في القول لـ«واشنطن بوست» بأنّ «تونس هي أرض التجنيد»...

وفيما تتوالى التحذيرات وصيحات الفزع في الداخل والخارج مازال البيت الحكومي التونسي نائما متعاميّا على الحقيقة صائما عن الكلام المباح!!.