الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الفخفاخ في مهبّ المزايدات والحسابات الداخلية للنهضة:

الغنوشي يطمئن والهاروني يصعّد


بقلم: محمد بوعود

لا يمكن فهم تصريح السيد عبد الكريم الهاروني رئيس مجلس الشورى بحركة النهضة، والذي قال فيه انه على الفخفاخ أن يرحل ولم يبق أمامه إلا أن يستقيل، إلا في سياقات الحسابات الداخلية لحركة النهضة، والتي لا علاقة لها حقيقة بالحكومة ولا بمصير الفخفاخ.

 

فالحركة جاءتها فرصة على طبق من ذهب، وفّرها لها رئيس الحكومة برغبته الجامحة في جمع الثروة، وعند الانكشاف، كان أمام خيارين: إما أن يستقيل ويعفي نفسه من الإحراج ويترك مجالا لرئيس الجمهورية كي يعيّن بديلا عنه، وإما أن يرضخ ويبقى تحت رحمة من سيدعمه، ووجد ضالته في الشيخ راشد الغنوشي، وهذا ما يجري الآن.

لكن تصريح الهاروني مخالف تماما لهذا الواقع، فهو يطلب منه الاستقالة وهو أمر غير منطقي، باعتبار أن استقالته ستحرم رئيس الحركة من مجال واسع للتحكم بالقصبة وإعادة صياغة تركيبتها وفق ما يريد وما يتماشى مع رغبته في أن يرى حكما مستقرا تلعب فيه النهضة دور الحاكم الفعلي ويلعب غيرها دور الكومبارس، وسيعطي هذا التصريح فرصة لرئيس الجمهورية، الخصم المباشر، لرئيسه، كي يستغل الفرصة لتقوية مكانته في الحكم عن طريق تعيين شخصية أخرى لا تكون بالضرورة مقرّبة من النهضة أو موالية لها، وهو أيضا يتناقض تماما مع الوعود التي أعطاها رئيس الحركة للفخفاخ ولرئيس الجمهورية أيضا بأنه لن يتخلى عن رئيس الحكومة مهما كانت شبهة تضارب المصالح، وانه سيبقي على دعمه له بشرط التوسيع، أي بشرط أن يتحكم هو لا في التركيبة فقط وفي أسماء الوزراء والمناصب فقط، بل في تركيبة التحالف السياسي الذي يشكّل الحكومة كلها، اي أن يتمكن مثلا من ازاحة حركة الشعب وتحجيم حزب التيار، وادخال قلب تونس بمنحه حقائب، أي أن يفصّل هو الحكومة وظائفيا وسياسيا، ويتحول الى الماسك الفعلي بزمام القصبة.

وحين يدلي السيد عبد الكريم الهاروني بهكذا تصريح فانه لا يمكن اعتباره إلا تصعيدا خطابيا موجّها للداخل النهضاوي، أي للاستهلاك المحلي، خاصة والرجل معروف انه ظلّ للشيخ راشد ولا يمكن أن يقول كلمة خارج السياقات التي يرسمها الشيخ والسيد نور الدين البحيري، وهو مقدم غدا على اجتماع يبدو انه ساخن نوعا ما، لمجلس شورى الحركة الذي يترأسه، والذي تقول تسريبات كثيرة أن به تململا كبيرا، بدأ يظهر جليا من تصريح السيد علي العريض الأخير، والهاروني يعرف جيدا ثقل الرجل الثاني في الحركة داخل مجلس الشورى وما قد يترتب على ذلك من صعوبات داخلية لا تريد الحركة ان تواجهها الان، خصوصا انها بذلت في الايام الاخيرة جهودا جبارة لاقناع أنصارها وهياكلها بالابقاء على الياس الفخفاخ، واستيعابه بدل محاسبته واقصائه كما يريد ائتلاف الكرامة، والذي يعرف الهاروني والشيخ ايضا انه ينطق باسم جناح كامل داخل الحركة وداخل مجلس الشورى نفسه، يريد الحسم في الفخفاخ، ويريد الحسم ايضا في التحالف الحاكم، ويريد الذهاب الى الامام حد الاقصى، وتصدّر الحكم ان لزم الامر، مادامت الاحزاب التي عوّل عليها الشيخ وتحالف معها لا تريد الدفاع عنه، بل أحيانا تصطف مع خصومه، ومادام الفخفاخ قد وفّر الفرصة الذهبية «لذبحه» سياسيا دون ملامة من أحد، اذن فِلمَ لا يكون الحسم نهائيا مع هذا الشكل الفضفاض من التحالف، ومع هذا النسق الضعيف من الحكم، ومع هذا اللغط الكبير حول الفساد وشبهات تضارب المصالح، وايضا مع هذا الجدل واللغط الذي تثيره تصريحات رئيس الجمهورية، الذي لا يبدو حسب هؤلاء انه يريد أن يبقي «البساط أحمدي» مع الشيخ، وانه مازال مصمما على لعب دور رئيسي في عديد الملفات.

هذا التيار يجد له رواجا كبيرا داخل القاعدة النهضاوية ومحيطها، والسيد عبد الكريم الهاروني يعرف ذلك جيدا، ويعرف ان كل كلمة في هذا الوقت لها معان ودلالات كثيرة، لذلك اختار ان يصعّد ويطلب من الفخفاخ أو بالأحرى ينصحه بالاستقالة، كي يتجنب حرج المساءلة في مجلس الشورى، وكي يجد ما يواجه به التيار الرافض لبقاء الفخفاخ في السلطة، وكي يخفف الضغط أيضا عن رئيسه، الذي باتت أطراف كثيرة داخل الحركة لا تتحرج في اتهامه مباشرة بانه يحمي الفاسدين ويشجع على الفساد من خلال دعمه للفخفاخ، وانه يهادن الخصوم المتربصين من خلال سكوته على حركة الشعب والتيار الديمقراطي ويوسف الشاهد إلى حد الآن.

ولهذه الاعتبارات كلها يقتسم الشيخ راشد وعبد الكريم الهاروني الأدوار، الأول يطالب ويصر على توسيع الحكومة، وقواعده تعرف ان معنى التوسيع هو إخراج الشعب والتيار أو احدهما وإدخال نبيل القروي، والثاني ينصح رئيس الحكومة بالاستقالة، كي لا تغضب جماهيره في الداخل النهضاوي، وتذهب في اتجاه تحليل ان النهضة تريد رحيله لكن الرجل لا يريد ان يرحل ورئيس الجمهورية هو الذي يدعمه، وخصوم الشيخ هم الذين يتشبثون به. وهو المنطق الذي تستطيع في كل مرة قيادة النهضة ان تقنع به قواعدها وتحديدا مجلس شوراها، وتخرج منه بقرارات داعمة لها رغم أن تصريحات قياداته عادة قبل اجتماع الشورى تكون متناقضة وغير منطقية اصلا.