الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



معضلة الطاقة تدخل منعرجا خطيرا:

تونس تستورد الفسفاط لأول مرة ..والنفط مهدّد بالتوقف أيضا..!


بقلم: محمد بوعود

عرفت تونس يوم الاربعاء الفارط نقلة نوعية في علاقتها بالفسفاط، حيث استقبل المجمع الكيمياوي بقابس اول شحنة فسفاط مستوردة من الخارج، بالعملة الصعبة، وذلك بعد عجز تام لشركة فسفاط قفصة عن الايفاء بالتزاماتها تجاه المجمع، وتوفير المادة الاولية التي يقع استغلالها في المجمع للصناعات الكيمياوية والبلاستيكية وكل ما يتعلق بالأسمدة الفلاحية والمواد التابعة لها.

 

الشركة، ونتيجة الاضرابات المتواصلة والتذبذب في الانتاج وفي النقل، سواء بالقطار او بالشاحنات، ونتيجة الاعتصامات المتواصلة، والارهاق المالي الذي تسببه عشرات الاف المرتبات والاجور الشهرية التي تُدفع من خزينة الشركة لأناس يشتغلون في أماكن أخرى او لا يشتغلون اصلا، ونتيجة ايضا لارتفاع كلفة انتاج الطن الواحد من الفسفاط من ستة واربعين دينارا عام 2010 الى مائتي دينار في الوقت الحالي، أصبحت عاجزة تماما عن الايفاء بتعهداتها والتزاماتها، في الوقت الذي لم يعد بإمكان المجمع الكيمياوي ان يبقى معطلا أكثر، فالتجأت الدولة الى الاستيراد، لأول مرة في تاريخ تونس منذ انتصاب الحماية الفرنسية تقريبا.

فقد كانت تونس تصنف من الدول المتقدمة عالميا في انتاج الفسفاط، بل كانت تنافس حتى على المرتبة الاولى أحيانا، وكان انتاجها يُعرف بجودته وبقلة تكلفته وانخفاض اسعاره، لكن اليوم خسرت الشركة تقريبا كل أسواقها الخارجية، ويقال انه لم يبق لها الا حريف واحد في دولة بنغلاديش وغير قادر هو ايضا على التسديد ويهدد بفسخ العقد لان البضاعة لا تصله في الاوقات المتفق عليها، وبالتالي لم يبق من مجال لتسويق الانتاج الا محليا عبر بيعه للمجمع الكيمياوي بقابس، وهي خدمة قد توقفت مؤخرا ايضا باعتبار أن الشركة أصبحت شبه عاجزة تقريبا عن الانتاج نتيجة الاعتصامات المتواصلة والتي تصاعدت الى غلق مواقع الانتاج والمغاسل وطرق النقل كليا في الايام الاخيرة.

ولا يتوقف الامر على الفسفاط فقط، بل وصل هذه المرة الى حقول النفط، حيث تصاعدت الاحتجاجات مؤخرا في ولاية تطاوين، وهدد الحراك الشبابي هناك مرة أخرى بغلق محطة الضخّ الوحيدة في الجهة، بعد ان منعوا التنقل من والى حقل نوارة.

واذا تواصلت العملية الاحتجاجية وأغلقت «الفانة» كما وقع سابقا، فان تونس ستدخل عصرا جديدا من الفقر الطاقي لا يمكن تخيل تبعاته الاقتصادية والاجتماعية.

فقد كانت تونس تنتج حوالي ثلاثة وثلاثين الف برميل يوميا، ومعدل استهلاكها نحو سبعين ألف برميل يوميا وكانت تفرز بعض المشتقات رفيعة الجودة، وتصدرها مقابل استيراد النفط من الاسواق العالمية بالسعر اليومي، واستيراد الغاز بكلفة اقل من الشقيقة الجزائر، واليوم قد تجد نفسها عاجزة تماما عن توفير نصف الاحتياجات النفطية المحلية، وعاجزة ايضا عن الاستيراد باعتبار الضخ المهول ساعتها الذي ستلجأ اليه من النقد الاجنبي، اذا توقفت عن تصدير كمية المشتقات الرفيعة التي كانت توفرها وتعوض بها البعض من الخسائر الناجمة عن الدعم الذي توفره الدولة للتخفيض من السعر الحقيقي للمشتقات المستهلكة من قبل المواطنين والمؤسسات.

وهذا العجز الطاقي لا يمكن التغافل عنه، ولا يمكن ايضا التعاطي معه بالحل الاسهل الذي تمارسه الحكومات المتعاقبة منذ 2011 الى اليوم، والذي يتمثل في غضّ الطرف عن ايقاف الانتاج، والذهاب للتفاوض مع المحتجين واسكاتهم عن طريق مزيد الانتدابات ومزيد اغراق الشركات المنتجة بآلاف الوظائف الوهمية الجديدة، والصمت على تحكم بعض المافيات الجهوية والوطنية في ثروة البلاد ومصير العباد.

والحل اليوم يجب ان يكون جذريا، ونتاجا لحوار وطني، علني ومكشوف، حتى يعرف الجميع من هي الاطراف التي لا تريد لقطاع الطاقة ان يشتغل في تونس، وتريد جر البلاد الى الافلاس، وحتى يلتزم الجميع بكل مقررات الحوار الوطني، ويكون مرفقا بمادة جنائية تقتضي تطبيق القانون فورا ودون تردد على كل من يخالف الالتزامات التي تنبثق عن هذا المؤتمر، مع حصر استعمال القوة القانونية الشرعية في يد الدولة، وحقها المطلق في استعمالها كلما رأت ان هناك خطرا يهدد مصادر الطاقة، على اعتباره خطرا يهدد الامن القومي للبلاد.

ولا شك ان حلا كهذا لا يتطلب معجزة، بقدر ما يتطلب حرصا فعليا من السلطات الحاكمة، بمختلف مستوياتها، على مصلحة البلاد وعلى ضرورة منع الانهيار السريع والركض الحتمي نحو هاوية الافلاس.