الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



حتى لا تتحوّل السلطة الأصلية إلى عبء على الدّولة :

نُوّاب الشّعب منشغلون بتفتيت الكُتل وتوليدها من بعضها


بقلم: محمد بوعود

خلال الشهر الفارط، استقبل رئيس الدولة أكثر من مرّة السيد محمد الناصر، وخلال هذا الشهر استقبله منذ يومين تقريبا، ودائما نفس الإلحاح على أن يسرّع البرلمان إقرار الهيئات الدستورية المنقوصة، وأن ينجز القرارات التي لا تنتظر، وأن يحسم في كثير من الملفات التي تجاوز عددها السبعين مشروع قرار، والتي ترقد كلها في أدراج المجلس، فيها من تجاوز عمره العامين، إضافة الى أكثر من مائة سؤال كتابي وحوالي سبعين سؤالا شفاهيا لأعضاء الحكومة، كلها لم تجد الوقت لانجازها.

وبغضّ النظر عن العُطلة البرلمانية، وحقّ النواّب في التمتّع بشهرين من الرّاحة، فان المنطق يقول أن هذه العطلة أقرّت مع ترك الباب مفتوحا لكل الاحتمالات، وترك المجلس في حالة انعقاد دائم، في صورة حدوث تطورات تستدعي التعجيل بحسم بعض المسائل، لكن ما يحدث يؤكّد مرة أخرى أن البلاد تغلي كالمرجل في وادي، والسادة النواب يتمتعون بعطلتهم في واد آخر.

فرغم كل التطوّرات، ورغم اشتداد حدّة الصراع السياسي في الاسابيع والايام الاخيرة، فإن المجلس لم يبادر الى الانعقاد، ولم يدع الى جلسة استثنائية، يكون محورها على الاقل محاولة رأب الصّدع بين الخصوم في الحكم، خاصة وأن ما يجري من تفاعلات على الساحة الاعلامية، وفي علاقة ببقاء الحكومة او رحيلها، والقادة السياسيين الذين يتصدّرون البلاتوهات التلفزية هذه الايام للدفاع عن الحكومة او لمهاجمتها، كلهم تقريبا بدون استثناء، هم من السادة النوّاب، وكان حريّا بحزبي الحكم على سبيل المثال ان يعودا الى مجلس النواب ويحسمان معركتهما تحت قبّته، وهو الفضاء الارحب، والاكثر قابلية للنقاش، والاجدر باحتضان المعارك السياسية، خاصة اذا كانت تدور حوله وحول أهميته الدستورية، و دوره في حسم كل هذه الخلافات.

ورغم أن البلاد تعيش نظاما سياسيا برلمانيا، ورغم أن مجلس نواب الشعب هو السلطة السياسية الاصلية، ورغم أنه هو المحددّ وهو المحرار لكل صراع سياسي أو تفاعل، وهو قلب الرّحى في العملية السياسية برُمّتها، إلا أنه الى حد الان لم يبرز له دور مرموق في هذا الجدل القائم، منذ انطلاقه في بداية شهر مارس الفارط الى الان، ولا يزال ينتظر ان تفصل المكاتب السياسية، ووسائل الإعلام، في الخلاف، كي يتدخّل، وربما لن يتدخّل اذا لم يلتجئ اليه أحد أطراف النزاع.

صحيح أن مجلس نواب الشعب، يحاول في كل مرّة أن يتدخّل في الشأن العام، وأن يقوم حتى بعمل مواز لعمل الاجهزة التنفيذية، وخاصة في مجال تكوين لجان التحقيق والمتابعة، حتى في المواضيع التي لا تعنيه من قريب ولا من بعيد، وعادة ما تنتهي هذه اللجان الى نتيجة لا شيء فيها، وغير مفهومة، هذا اذا لم تمت اللجنة قبل ان تباشر أشغالها أصلا.

لكنه في المقابل يتخلّى عن دوره الرئيسي والمحوري، وهو التشريع، اذ ان السادة النواب، ورغم حقّهم في التمتّع بعطلتهم كما أسلفنا، الا أنهم لا يهتمّون كثيرا بعشرات مشاريع القوانين التي ترقد في أدراج مكتب المجلس، والتي مضى على بعضها أكثر من سنتين، ولا يهتمون خاصة باستكمال الهيئات والمؤسسات الدستورية، كالمحكمة الدستورية، والمجلس الاعلى للقضاء، وخاصّة هيئة الانتخابات، التي لا تحتاج الى أكثر من التزام أغلبية نوابه، حزبي النهضة والنداء، بالتصويت على المرشّح الوحيد للرئاسة، وبسدّ الثلاث شغورات الموجودة بين أعضائها، حتى تنطلق في التحضير للمواعيد الانتخابية القادمة، التي يعرف النواب أكثر من غيرهم، انها لا يمكن ان تستقيم في آجالها المحددة ما لم يقع استكمال بناء المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها المحكمة الدستورية، والهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات.

كما يعرف السادة النواب، أن كل تأخير في استكمال الهيئات الدستورية، وكل وقت ضائع، لا يمكن الا ان يخلّف فراغا دستوريا، ولا يمكن الا ان يعطّل استكمال بناء الانتقال الديمقراطي، الذي استأمن الدستور، مجلس نواب الشعب على استيفاء شروطه، التي لا تمرّ الا عبر السادة النوّاب.

ويرى الكثير من المراقبين أن ما يحدث داخل مجلس النواب، هو بفعل فاعل، وهو تعطيل متعمّد، يلجأ اليه في غالب الأحيان، نواب الحزبين الحاكمين، اللذين على ما يبدو لا يريدان انجاز الانتخابات في موعدها، ولا يريدان أن يكون استحقاق 2019 هو الحدّ الفاصل في الانتقال الى مرحلة الحياة الديمقراطية السليمة، عبر استكمال كل شروط الانتقال إليها، والخروج من المرحلة المؤقّتة، او الانتقالية.

فما يجري عادة من تراجع عن التفاهمات التي تتم في داخل لجنة التوافقات، وما يفاجئ به نواب بعض الكتل، خصوصا كتلتي الحزبين الحاكمين، المجلس أثناء التصويت، من عكس تماما لما جرى اقراره في لجنة التوافقات، هو الامر الذي بقي غير مفهوم الى حدّ الآن. فأحيانا يكون التوافق بالإجماع تقريبا داخل اللجنة على أحد المترشحين، أو على قانون من القوانين، ويمرّ الى التصويت، والناس كلها أمل في انه سينال على الأقل ثلثي الأصوات في المجلس، واذا بالمراقبين يفاجأون، بغياب أكثر من الثلثين أصلا عن الجلسة العامة، وحتى البقية التي تحظر فإنها عند التصويت، تغيّر رأيها، وتتنصّل من الاتفاق الذي أمضت عليه داخل لجنة التوافقات.

ولعلّ الاكثر اثارة في موضوع السلطة الاصلية، هو أن كثيرا من جلساتها في السنوات الاخيرة، تحولت الى جلسات تهريج، ذات صبغة فولكلورية أكثر منها نيابية، حادة، تشرّع قوانين البلاد، وتراقب أداء الحكومة. وفيها ايضا الكثير من الجلسات التي تتحوّل الى تصفية حسابات، والى مهاترات لا جدوى منها، وعكست في مجملها صورة سيئة لدى الرأي العام الذي يتابع جلسات النواب على المباشر، والذي قد لا يتفهّم أن دولا أكثر عراقة منا في مجال الديمقراطية والاختلاف في الرأي، تجري فيها هذه الممارسات، بل تعوّد بحكم عقليته المحافظة، على صورة نمطية لنواب الشعب الوقورين الذين يحاسبون الحكومة، ويشرّعون القوانين.

وبعيدا عن هذه الصورة غير الجيّدة التي استوطنت لدى عامة الناس ممن يتابعون مداولات المجلس، فإن الصورة التي أضحت أكثر سطوعا، هي صورة الكُتل النيابية التي يفرزها المجلس، والتي تتغيّر باستمرار، وبشكل يكاد يكون أسبوعيا أو في أقصى الحالات شهريا.

فالكتل التي تكوّنت في بداية المدة النيابية الحالية، لم يبق منها تقريبا الا كتلة الجبهة الشعبية، وكتلة حركة النهضة، أما الباقي فكلها عرفت تغيّرات بمستويات مختلفة، وفيها من ذاب أصلا، وفيها من تحوّل من أغلبي الى أقليّ وفيها من أعلن حلّ نفسه، وفيها من لم يعد يحمل صفة كتلة باعتبار انتفاء العدد المطلوب، وفيها من تكوّن حديثا، وفيها حتى من جمع من مختلف الأحزاب، أو كما يقال من «كل زوجين اثنين» من أجل أن يتحصّل على كتلة، قد لا يكون لها دور في التصويت وتغيير موازين القوى، لكنها تكون بالتأكيد حاضرة في لجنة التوافقات، وتكون كلمتها مسموعة في تمرير ما تريد وفي التأثير على ما تريد.

ولجنة التوافقات هذه، بدعة أخرى أيضا من بدع مجلس النواب الموقّر، إذ انه لأول مرة يقع فرض قرارات من قبل لجنة غير منتخبة، على نواب منتخبين، ولأول مرة يكون لرأي الأحزاب السياسية الكلمة الفصل على رأي الكتل النيابية، وهو ربّما هو التمشيّ الذي أسس لولادة وثيقة قرطاج التي تحوّلت الى سلطة أعلى من السلطات الشرعية المنتخبة في يوم من الأيام.

وبعيدا عمّا يطول بعض أعضاء المجلس أحيانا من تهم، لا ندري مدى صحّتها، وطعون في نزاهتهم المالية أو غير ذلك، مما سيتكفّل القضاء بحسمه لا محالة، فان واقع المجلس اليوم، لا يمكن الا أن يحوّله الى عبء على الدولة، اذا ما استمرت حالة اللامبالاة، وحالة تضييع الوقت، وحالة السلبية التي يواجه بها نواب الشعب، الاحتياجات الحقيقية للشعب.