الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



لا يستقيم حالُه إلاّ في الأنظمة الاستبدادية :

الحُكمُ بالإشَاعَةِ !



بقلم: الهاشمي نويرة

بَدْءًا، واستنادا إلى مصدر لا يرقى إليه أيّ شكّ تأكّد لدينا أن لا وجود لاتّفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الدّولة مع شيخ النّهضة بخصوص إستمرار يوسف الشّاهد في القصبة وأكّد لنا مصدر كلّ المصادر في قرطاج أنّ ما تناقلته بعض وسائل الاعلام حول هذا الموضوع هو خبر وهمي لا أساس له مِنَ الصّحة ...

وبالطّبع فإنّ العوامل الموضوعيّة التي دفعت رئيس الدّولة إلى لَمِّ شَمْلِ الأطراف الاجتماعية والحزبية لبحث سُبُل الخروج مِنَ الأزمة الاقتصادية والسياسية ما تزال قائمة ولا يُفْهَمُ معها والحالة هذه كيف يُمكن للرئيس أن يتراجع عن مواقفه المُعلنة مِنْ رئيس الحكومة الذي تنصّل منه حِزْبُه وأغلب الأطراف الاجتماعية والحزبية الموقّعة على اتفاقية قرطاج الأولى التي وفّرت له الغطاء السّياسي الذي مكّنه من حيازة ثقة مجلس نواب الشّعب .. وذات رئيس الحكومة دخل في مواجهة مفتوحة مع الاتحاد العام التونسي للشّغل الذي يُعتبر إحدى الضمانات الرئيسية لاستقرار منظومة الحُكْمِ والسياسة في البلد ..

إنّ الثّابت لدينا أنّ قضيّة استمرار يوسف الشّاهد في الحُكْمِ لَمْ تَعُدْ تعني أي طرف آخر غَيْر حركة النّهضة وقَدْ أُجَازفُ بالقول أنّها إهتمامٌ حَصْرِي لشيخها راشد الغنّوشي لإرتباطها باحتمال ما انفكَّ يتأكّدُ وهو ترشّحه للإستحقاقات الانتخابية الرئاسيّة لسنة 2019 ... وقد سَهُلَ على الشّيخ التّسويق لبقاء الشاهد على رأس الحكومة، داخل حركته بحُكْمِ الكَمّ الهائل مِنَ الخدمات التي قدّمها ويقدّمها رئيس الحكومة الى حركة «النهضة».

ولا نريد الخَوْضَ في مدى حَجْمِ المعارضة التي يلقاها الشيخ داخل حزبه جرّاء سياساته ولكن مِنَ المُهمّ توضيح أنّ مواقف الغنّوشي ليست دوما محلّ إجماع وستبيّن الأيام ما سَعَتْ «النهضة» الى اخفائه على مدى الأعوام ..

.. إنّ قضية يوسف الشّاهد هي بالأساس إذن قضيّة راشد الغنوشي الذي لا يريد للشّاهد أن يستمرّ في الحُكْمِ وفي نيّته الترشّح لرئاسيات 2019 وذلك لِعِلْمِ الشّيخ بأنّ التّونسي تستهويه السّلطة وقد تكون عاملا حاسما في ترجيح كَفَّةِ مِنْ هو مُمْسكٌ بها.

.. وشيخ النّهضة هو الى ذلك مُطالَبٌ أيضا بالمحافظة على موقع «النهضة» في الحُكْم وتدعيمه وترسيخه لاعتبارات شخصية وحزبية وهو أمر بات مؤكّدا ولكن أيضا لاعتبارات متعلقة بحركة الاخوان الدولية واستراتيجيتها الاقليميّة..

إذْ في ضوء انحسار مساحة الحركة لدى حركة «الاخوان» إقليميا ودوليّا واقتصارها على تركيا وتونس وبعض الجيوب الأخرى فإنّ أنصار الاسلام السياسي في ربوعنا واعون بأهميّة ما تقوم به «النهضة» للمحافظة على قاعدة خلفية في تونس لحركة «الاخوان»...

هذه هي اذن اعتبارات الشيخ راشد الغنّوشي الشخصية والحزبية وفي علاقة بحركة «الاخوان» الدولية .. ولا نعتقد أنّ قاعدة الإلتقاء مع الشاهد هي مبدئية بَلْ إنّ أسَاسَها هو الإلتقاء الانتهازي، هو ينظر الى «النهضة» كداعِمٍ وقتي بحُكْمِ موقعها المتميّز في مؤسّسات الدّولة والحُكْمِ، وهي ـ أيْ «النهضة» ـ تنظر اليه كواحد مِنَ «الدّواب التي سخّرها لَهُمْ فركبوها» على معنى ما قاله ذات يوم أحَدُهُم واسمه «أبو حمزة المصري».

وأمّا عَنْ اعتبارات رئيس الجمهورية ورئيس الدولة فهي أُخرى وذات علاقة وثيقة بمهامه الدستوريّة، فهو وبحُكْمِ موقعه ومكانته الرّمزية ـ بالمعنى الاعتباري ـ التقى جلّ الأطراف الحزبية والجمعياتية وعلى رأسها إتّحاد الشغل والشخصيات الوطنية والخبراء في الاقتصاد وعاين فَشَلَ الحُكومة في تنفيد بنود اتفاقية قرطاج الأولى ورعى على مدى اشهر اجتماعات اتفاقية قرطاج الثانية فكانت البنود الـ 63 المتفق عليها وحتى البند 64 الذي ينصّ على أنّ أعضاء الحكومة غير معنيين بالاستحقاق الانتخابي فقد تمّ الاتفاق بخصوصه وكان الخلاف فقط يهمّ النقطة الـ 64 مكرّر التي نصّت على ضرورة تغيير رئيس الحكومة، فقد أصرّت حركة «النهضة» على رفضها وذلك بتعلّة ضرورة توفّر «الاستقرار الحكومي» واعتباره شرطا لوجود الاستقرار السياسي في حين انّ كلّ الأطراف وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشّغل تعتبر أن استقرار الحكومة هو سبب رئيسي ومباشر في عدم الاستقرار السياسي الذي تتخبّط فيه تونس منذ أشهر.

ولكل ما تقدّم فانّ رئيس الجمهورية ورئيس الدولة وبمقتضى مهامه الدستورية في تحقيق وتأمين استقرار المجتمع والدولة قَدَّر أنّ هذه الحكومة أصبحت عِبْءًا ثقيلا على الوطن والمواطن ووجب لذلك تغييرها ..

وقد يكون الرئيس وقف على حقيقة أخرى وهي أنّ حركة «النهضة» وشيخها متشبثون بأجندة حزبية لا تعبّر عن مصلحة الوطن والمواطن وهي الى ذلك قد تكون مرتبطة بأجندات أخرى إقليمية ودولية .. وهو الأمر الذي دفع ويدفع الرئيس الى مدّ يديه الى كلّ القوى السياسية والحزبية والجمعياتية التي قرّرت أن مصلحة الوطن والمواطن هي الأولى وهي هدف السياسات أوّلا وأخيرا ..

وتقديرنا أنّ علاقة الرئيس بمعتنقي هذه السياسات في «النهضة» قد تكون بلغت مرحلة غير مسبوقة من الأزمة.

إنّ مراهنة الرئيس على عودة الرشد المدني الى حركة «النهضة» في طريقها الى الفشل .. وهي مُراهنةٌ ضيّعت عليه وقْتًا ثمينا كان سيكون مُجْديًا أكثر لو خصّصه «للأَعْمَى» بالقياس مع ما ورد في سورة «عَبَسَ وتولّى ..»..

لا جَدِيدَ اذن باستثناء أن علاقة الرئيس بالذين اختاروا توزيع «ولاءاتهم» بين الداخل والخارج سائرة نحو توتُّرٍ أكبر..

إنّ الإشاعة والأخبار الزائفة لا تصنع أَمْرًا واقِعًا يَرْقَى الى مرتبة الحقيقة .. فهذا مبدأ مُتَقَادم في عِلْم الاتصال وقد يكون جُرّب فَصُحَّ في عَهْدِ جوزيف غوبلز مهندس الدعاية النازيّة ولكنّه الآن يصطدم بمبدإ الحرية وتعدّد وسائط الاتصال وبلوغ حريّة وتعدّد وسائط الاتصال وبلوغ حريّة الفكر والتعبير مراتب لن تصمد أمامها الدعاية على النمط النازي .. وفي كلّ الحالات فانّ أنظمة الحُكْمِ اذا قدّرت أنّها سَتحكم باعتماد نظام الإشاعة فانها فاشلة لا محالة لأنّ منظومة الإشاعة تفترض وجود حُكْمٍ اطلاقي واستبدادي تنعدم فيه الحريّة وينتفي الإختلاف ..

ونحن ننبه الى خطورة بعض ما يجري في ربوعنا مِنْ سَعْي محموم لتكميم الأفواه وتسميم مناخ الحرية بالزّيف والوَهْمِ والتدرّج نحو نظام الرأي الواحد الذي يوافق هوى ايديولوجي عند «النهضة» ..

إنّ الحيلة في تَرْكِ الحِيَلِ وإنّ أعْتَى «السّاسة» الذين دخلوا الحُكْمَ مِنْ باب الصّدفة أو المِنَّةِ أو المغامرة أو الانتهازية والطّمع، هُمْ أغبياء إن هُمْ تصوّروا أنّ أيّ مخطّط مُعَادٍ لموروث هذا البلد الحضاري والانساني يمكن أن يَمُرَّ بسَلاَمٍ ومُتَخَفٍّ بالاشاعة والمكاسب الوهميّة .. انّ التونسي نكاد نقول أنّه ذكيّ وفَطِنٌ بالفطرة.