الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تركيا مركز صفقات «النهضة» وانقلابها على الديمقراطية

عقيدة الإخوان ضد عقيدة الأوطان



بقلم: خليل الرقيق

«الإسلام دين ودولة، وسيف وقرآن، والوطنية حدودها أرض الإسلام...» هذه التعريفات الموجهة الواردة في رسائل حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين، هي بالأمس واليوم وغدا، نقطة ارتكاز الأحزاب الإسلامية ومنها طبعا حركة النهضة في تونس ذلك أن أفق النشاط السياسي لهذه الحركة ظل مشدودا في مستوياته المحلية لذلك التعريف المعوّم والمسطح للمسألة الوطنية.

ومن الطبيعي لمن يعرّف الوطنية على أساس أنها أيّ مكان ترتفع فيه راية الدين، أن ينسلخ من فضائه الوطني المحدد وفق المعايير الموضوعية والعلمية، ويبحث لنفسه عن مرجعية أو قبلة خارج دائرة انتمائه القومي.

وحتى لا يكون الحديث تعميما فضفاضا، يكفي أن نرصد السلوك السياسي لجماعة مونبليزير على ضوء مواقفهم الأخيرة من الأزمة الحكومية الحالية، والتي صارت تتعدل فعليا وميدانيا على توقيت أنقرة لا على توقيت تونس.

لنبدأ بقصة قصيرة:

بعد المرونة و«الرطوبة التوافقية» التي أبداها الشيخ راشد الغنوشي بعد لقائه منذ أيام برئيس الجمهورية، وبعد إيمائه بالاستعداد لحلّ المسألة الحكومية وفق المخارج التي أفضت إليها تفاهمات وثيقة قرطاج 2... حصلت وقائع أخرى غيرت المسار، وأعادت الموقف الى حربائيته الأولى المتأصلة في الطبع...

حطت طائرة رئيس الحكومة في مطار أنقرة التركي، لسبب تقول الرواية أنه متعلق بالتزود بالكيروزين... ودون مقدمات رسمية ولا إجراءات ديبلوماسية مسبقة، ولا تأطير متعارف لاستقبالات رجالات الدولة، يدخل رئيس الحكومة الى قاعة الاستقبالات الشرفية، ثم تطفح الأخبار بما مفاده أن المقابلة بين الشاهد وصهر أوردوغان المعيّن كوزير مالية بتركيا، أفضت الى بحث في إعادة الروح الى هيكل توقف قلبه عن الخفقان منذ زمن الترويكا، وهو «المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين تونس وتركيا» وهو مجلس تكوّن خلال فترة المجلس التأسيسي أيام حكم حمادي الجبالي ليسند لتركيا تسهيلات استثمار واسعة وربما «خرافية» في الفضاء التونسي...

الى هنا تنتهي القصة القصيرة المعلنة، وتبدأ قصة الأصابع الخفية التي تحرك بيادق رقعة الشطرنج...

الشاهد في تركيا للمساهمة في إحيائية ترسيخ نفوذ «آل عثمان» في تونس، هذا يكفي ليتغير موقف حركة النهضة بمائة وثمانين درجة، وتعود الى أغنية الاستقرار الحكومي، وتطعن من جديد تفاهمات الساحة السياسية والمنظماتية بخصوص تغيير الحكومة...

تكفي لفتة من «الباب العالي» لتدير رقبة حركة النهضة من تونس الى أنقرة، وتكفي لنفهم أننا أمام حكّام من النوع الذي لا يملك بوصلة وطنية... إن الوطن عندهم هو كل رقعة يحكمها الاسلاميون أو هو تحديدا كل ما وقع تحت سلطة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وليت هذه «الأممية الطافحة» تترجم في بعدها النظري الصحيح، إن هي إلا «أممية تمذهب وتعصب» تعصف بمفهوم وحدة الأوطان وسيادة الدولة...

لقد خرجت حركة النهضة من كل الإختبارات بملاحظة انحياز فاضخ أو انتماء لا يقبل الشك للحركة الإخوانية، ومثلما مكنت «آل عثمان» من المفاتيح الاستراتيجية للاستثمار في تونس مثلما تمكنهم اليوم من قبول مراسم «بيعة الحكام» وتزكية رؤساء الحكومات، دونما حاجة الى المرور للإجراءات الرسمية التي تسبق استقبال الشخصيات ورجال الدولة...

لقد تأكد بجلاء أن كل التقلبات والمواقف الرجراجة في الداخل التونسي، هي بمثابة إذعان فرع للمركز، وإذعان حزب محلي لتنظيم عالمي... وإذا كان «مفروضا» على السيد الشاهد بحكم البراغماتية السلطوية أن يجمع «شهادات الاستحسان» من مطارات الخارج، فإن وقوعه في الداخل رهينة لمزاج حركة النهضة، يزيد من تهافته وتهافت فريقه على تغطية الإخفاق المحلي بتزكيات خارجية...

والمهم أكثر هنا، هو فهم هذا الإنزلاق النهضاوي الى فضاءات «قرار» هي في عمقها ضرب للتوجه الوطني والديمقراطي معا، فعلاوة على الاستهانة بسيادية الدولة التي تملك حق التسيير الذاتي لشأنها الحكومي الداخلي، يعتبر اقتطاف «التزكيات الحكومية» من الخارج، ومن المركز الإخواني تحديدا ضربا للديمقراطية ذاتها. إن مسألة التفاهمات حول تغيير الحكومة بعد المعاينة التشاركية لحصيلة إخفاقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هي في النهاية قرار ديمقراطي ناجم عن نقاش مستفيض بين أطراف سياسية ومنظماتية وطنية، وإذا كان تجسيم المفهوم الديمقراطي ينهض على فكرة الأغلبية، فإن حركة النهضة وحكومتها توجدان في موقع أقلي قياسا الى المجموعة الوطنية الواسعة التي توصلت الى ضرورة تغيير شامل لإنقاذ البلاد من الأزمة... وهنا يعد البحث عن فرض الموقف من خارج الصبغة التشاركية الوطنية انقلابا صريحا على أحكام الديمقراطية وشروطها وأخلاقياتها المتعارفة. إن كل زوايا الحركة النهضاوية تذهب الى حيث «الجماعة» وإذا لم تبق الأحداث المتلاحقة والمسارات الفضائحية للسلطات الإخوانية غير تركيا نقطة ارتكاز لهم، فإن المواقف صارت تتشكل فعليا على مزاج آل عثمان...

نحن على حد قول محمد مسعد العربي في كتابه «الإخوان بين الوطنية والأممية» أمام نموذج «لحركة فكرية سياسية تستبطن نموذج الجماعة الأم لتكوين جماعة أممية تقود الأمة الإسلامية، ويعتبر «المشروع الإسلامي» هو الرابط الأساسي في إيديولوجيا هذه الحركة، وهو مصطلح مطاطي ودعوي بالأساس، ويستند تأسيسه الى مؤسسي الحركة الاسلامية الأوائل» ومن ضمن الاستدلالات التي ذهب إليها الكاتب ارتكاز مشروع الإخوان على «تأسيس دول وحكومات إسلامية، وأسلمة السلوك والنشاط الاجتماعي بإقامة الشريعة، وأسلمة العلوم الاجتماعية... وأسلمة الاقتصاد وصولا الى إقامة أممية إسلامية تستعيد دولة الخلافة»، والمهم في ما قاله هذا الباحث هو الاستنتاج الإجمالي الذي أكد فيه على حقيقة تكاد تنطق في فضائنا التونسي عبر مسارات حركة النهضة الإيهامية، يقول «لم تشهد الحركات الإسلامية مراجعات فكرية جامعة على النحو اليسير بما جعلها حبيسة كلاسيكيتها التي وضعها حسن البنا، وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي، وبالتالي نرى أن مفهوم الشبكة هو الأسلم في التعامل مع الوجود الدولي لجماعة الإخوان».

مفهوم الشبكة، ذلك هو طرف الخيط الذي يمكن أن نمسك منه جوهر التعاطي السياسي النهضاوي مع الشأن المحلي، فالشأن التونسي يصبح عند الجماعة شأنا قطريا عندما تتمركز نشاطات الإخوان وتمويلاتهم في الدوحة، ويصبح تركيا حينما تتمركز هذه النشاطات في أنقرة، وكل شيء، التوريد العشوائي للسلع، والأفكار وحتى «العاهات الذهنية» يتم من المراكز التي تؤوي التنظيم العالمي أو تؤمن به أو تقوده... كل شيء وصولا الى إسناد جرعة تقوية اصطناعية من الخارج لحكومة منهكة في الداخل... ولا غرابة لأن عقيدة الإخوان هي غير عقيدة الأوطان.