الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الزّيادة في أسعار المحروقات:

هل يمتدّ تصاعدها المتواصل إلى قانون المالية القادم؟



إعداد: شكري بن منصور

مثلما كان منتظرا أقدمت الحكومة على الترفيع في أسعار المحروقات للمرة الرابعة هذا العام بنسبة تتجاوز ٪3 مرجعة ذلك إلى الارتفاع المتواصل لأسعار النفط ومشتقاته بالأسواق العالمية حيث تجاوز سعر النفط الخام خلال الفترة الأخيرة عتبة الـ 75 دولارا للبرميل. وتأتي هذه الزيادة في ظل إقالة وزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة خالد قدور وأربعة من كبار المسؤولين في الوزارة من طرف رئيس الحكومة يوسف الشاهد بسبب شبهات فساد في أحد عقود الاستغلال.

وبالتوازي مع ذلك تطرح عودة أسعار النفط إلى الارتفاع في الأسواق العالمية في الأسابيع الأخيرة عديد التساؤلات والتخمينات حول أي زيادات محتملة قد تتضمنها ميزانية الدولة للسنة القادمة في أسعار المحرقات بعد الاربع الزيادات التي تضمنها قانون المالية للسنة الحالية. واستنادا إلى آليّة التعديل الدوري لأسعار المحروقات قامت الحكومة بالترفيع في أسعار المواد البترولية لكن الاشكال يتمثل في أن اعتماد هذه الآلية كان الهدف منه أساسا التفاعل مع الأسعار العالمية عند الزيادة أو الانخفاض وهو ما لم يحصل إلى غاية الآن إلا مرة واحدة عندما تم تخفيض الأسعار بـ 50 مليما . وتتنزل التقلبات في أسواق النفط في ظل الحرب التجارية المعلنة بين أقطاب التجارة العالمية الولايات المتحدة والصين وأوروبا وتبادل فرض الرسوم على السلع ما أدى إلى تراجع الثقة في الدولار والتوجه نحو الاستثمار في الذهب من جهة وعدم استقرار أسعار النفط من جهة أخرى.

فما هو تأثير الارتفاع الأخير في الأسعار وهل سيكون له تأثير على مشروع قانون المالية الذي شرعت الحكومة في إعداده للسنة القادمة ؟

 

اتخذت أسعار النفط منحى تنازليا منذ أسابيع إلى ما دون 70 دولارا للبرميل مع اتجاه الخام الأمريكي نحو سابع تراجع خلال أسبوع واحد وسط زيادة المخاوف بشأن تباطئ النمو الاقتصادي العالمي مما قد يحد من الطلب على النفط في ظل تراكم المخزونات. لكن سرعان ما عادت الأسعار إلى الارتفاع مما زاد الهوة بينها وبين السعر الذي تضمنته ميزانية الدولة لسنة 2018 وهو 54 دولارا للبرميل وهو السعر الذي على أساسه تم إقرار أربعة زيادات في سعر المحروقات هذا العام تم تفعيل ثلاثة منها إلى غاية الآن.

انخفاض ثم عودة إلى الارتفاع

وضمن هذا السياق أكد الخبير الاقتصادي عادل الطويل أن اضطراب أسعار النفط في الأسواق العالمية و عدم وضوح الرؤية على المدى المتوسط حول مآل أسواق النفط في ظل التجاذب بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى قد يحدث لخبطة لدى القائمين على إعداد مشروع الميزانية لسنة 2019 خاصة على مستوى السعر المرجعي لبرميل النفط الذي سيقع اعتماده.

لكنه أشار في المقابل إلى أن الرهان على المدى القصير في أسواق النفط العالمية مازال على انخفاض الأسعار في ظل النزاع والمخاوف من تباطؤ اقتصادي في الأسواق الناشئة. و اعتبر أن عدم استقرار أسعار النفط يعود أساسا إلى ضعف الآفاق الاقتصادية العالمية والتقارير التي أشارت إلى زيادة مخزونات الخام الأمريكية بالرغم من أن العقوبات الأمريكية على إيران تنذر بتقليص إمدادات الخام الإيراني. يضاف إلى ذلك توقف مستوردو النفط في الصين عن شراء الخام الأمريكي خشية أن يكون قرار استثناء النفط من قائمة الرسوم الجمركية في نزاع تجاري بين أكبر اقتصاديين في العالم في الوقت الراهن بعدما علقت شركة «يونيبك» أكبر مستورد للنفط في الصين شحنات الخام من الولايات المتحدة في وقت سابق من الشهر الجاري.

وبما أن الزيادة بدولار واحد في سعر برميل النفط تؤدي إلى زيادة في الميزانية بـ 121 مليون دينار فإن فارق الـ21 نقطة يكلف الدولة عجزا في الميزانية بمبلغ 2700 مليون دينار وهو ما قد يزيد من متاعب الاقتصاد التونسي في ظل ضعف تصدير النفط الخام من 120 ألف برميل إلى 40 ألف برميل لضعف إنتاج الآبار القديمة وعدم التنقيب عن آبار جديدة. لذلك حذر البنك المركزي من مزيد تفاقم عجز الميزان الطاقي خلال الأشهر المقبلة في تونس بفعل ارتفاع سعر النفط على مستوى التداولات في الأسواق العالمية وتجاوز البرميل عتبة 75 دولارا في الأسواق العالمية مقابل تراجع الإنتاج المحلي من النفط.

وعلاوة على ذلك فإن من أهم تداعيات الارتفاع المتواصل لأسعار النفط أن وزارة النقل التونسية وافقت قبل أيام على مراجعة أسعار النقل العمومي غير المنتظم للأشخاص وأقرت زيادة بنسبة 13 % نتيجة الضغوط التي سلطها أصحاب التاكسي الفردي والنقل الجماعي الريفي والتاكسي السياحي وسيارات الأجرة والتاكسي الجماعي كما فتحت أبواب مراجعة الأسعار المعتمدة في عدد من الأنشطة الاقتصادية المعتمدة على أسعار المحروقات على غرار الكهرباء والغاز والنقل العمومي المشترك. وعلاوة على ذلك من المتوقع أن تلاقي أي زيادة جديدة في أسعار المحروقات معارضة شديدة من الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعتبر أن الزيادات فرضتها الدوائر المالية العالمية على الحكومة التونسية وهي زيادات لن تزيد إلاّ في إثقال كاهل الشعب وتعقيد وضع المؤسّسات الاقتصادية التونسية وإدخال البلاد في دوّامة زيادات وستفضي حتمًا إلى انهيار المقدرة الشرائية للشعب وانتشار ظاهرة التهريب والسوق الموازية.

ومن جهته اعتبر الخبير في الطاقة علي الخشناوي أنه في صورة تواصل ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية وبناء على آلية التعديل الآلي أو ما يطلق عليه «السعر عند المضخة» من المرجح أن يتم إقرار زيادات جديدة في أسعار المحروقات ضمن ميزانية الدولة للسنة القادمة . وتعود جسامة تأثير أسعار النفط على الاقتصاد التونسي إلى أن ميزانية 2018 اعتمدت على أسعار تقريبية لا تزيد على 54 دولارا للبرميل الواحد من النفط وهي أسعار بعيدة كل البعد عن الأسعار المتداولة حاليا التي تجاوزت 74 دولارا للبرميل.

نحو الحد من الدعم في المحروقات

وأرجع محدثنا الزيادات المتواصلة في أسعار المحروقات إلى أن الحكومة التزمت مع صندوق النقد الدولي بالتقليص تدريجيا في الدعم الموجه للمحروقات بهدف الحد من العجز في الميزانية وهو ما يبرر إعلان الحكومة عن عزمها تطبيق مراجعة آلية كل 3 أشهر على أسعار المحروقات. كما يطالب صندوق النقد بأن تبلغ الزيادة في أسعار المحروقات خلال 2018 بالكامل حوالي نصف دينار تونسي في اللتر الواحد (أي حوالي 500 مليم) ولكن الحكومة تريد أن يكون التعديل محدودا لكبح التضخم. وبالنسبة إليه فإن الحكومة تستمر في إغراق البلاد بالزيادات المتتالية استجابة لضغوط صندوق النقد الدولي في محاولة منها لإرسال إشارات للخارج بأنها قوية وقادرة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة منها، للتغطية على الدعوات المتصاعدة إلى إقالتها.

وأوضح الخشناوي أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة توقعت أن تراجع أسعار النفط لن يدوم طويلا وستعاود الأسعار الارتفاع بشكل كبير بحلول عام 2021. وقالت في تقاريرها الأخيرة إنها تتوقع تعافي أسعار النفط قبل نهاية هذا العام.

وتشير إلى أن التعافي سيتبعه صعود حاد نتيجة لتناقص المعروض من النفط بسبب تراجع استثمارات المنتجين في هذا القطاع الذين يعانون هبوط الأسعار في الوقت الحالي إذ بلغ سعر خام برنت أدنى مستوياته في 13 سنة الماضية .

وتؤكد الوكالة تعافي سعر الخام بعض الشيء لكنه ما زال أقل بكثير جدا من مستويات شهر جوان لسنة 2014 عندما لامست الأسعار 115 دولارا للبرميل..وفي ظل الظروف الراهنة يصعب توقع مستوى أسعار النفط مع استمرار الصراعات الدولية والمشاكل الداخلية في بعض الدول النفطية مثل ليبيا ونيجيريا والعراق وسوريا. لذلك وللاستفادة من موجة الارتفاعات القادمة في الأسواق العالمية دعا محدثنا الحكومة إلى الاستثمار في ارتفاع أسعار النفط عالميا لحث شركات الطاقة على التنقيب واستغلال الآبار الصغيرة لرفع نسق التصدير.

يعكس مسعى الحكومة للحد من العجز في الميزانية التوجه نحو الزيادة في أسعار البنزين وبعض المواد الأساسية ومن بينها الخبز والماء والشاي والقهوة تدريجيا والذي شرعت فيه هذا العام ومن المتوقع أن يتواصل خلال سنة 2019. و تزيد عودة أسعار النفط العالمية للارتفاع من هذا الاحتمال خاصة وأن الحكومة ستجد نفسها مجبرة على تعديل الأسعار بشكل دوري كل ثلاثة أشهر مما سيزيد حتما من متاعب المواطن البسيط المثقل أصلا بمصاريف الموسم المتتالية.