الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في تداخل السّياسي بالنّقابي والاقتصادي:

الاتّحاد مجدّدا في مرمى النّيران


بقلم: محمد بوعود

كان للإضراب الأخير الذي شنّه أعوان السكك الحديدية، وقبلها بقليل ما جرى في الباخرة قرطاج، الأثر المباشر على الاتحاد العام التونسي للشغل، وتحرّكت فجأة كل فيالق الصّفحات القريبة من الحكومة ومن الأحزاب التوافقية، لتصبّ جامّ غضبها على القيادة النقابية، وعلى الأمين العام وأعضاء المكتب التنفيذي، في سيناريو شبيه جدّا بالحملة الإعلامية التي سبقت الاعتداء المادي على مقرّات المنظمة الشغيلة وفروعها في موفّى 2012.

صحيح أن تحرّك الحديديين وجماعة باخرة قرطاج وما يجري في داخل المطار وفي غيره من القطاعات، يجلب الكثير من النقمة على بعض من نقابيي الصّدفة وثوّار ما بعد 14 جانفي، لكنه لا يبرّر مطلقا الهجوم العنيف الذي يتعرّض له الاتحاد، والذي يصبّ في خانة واحدة، هي محاولة عزل الاتحاد، وتحجيمه، وابعاده عن الدور الوطني الذي يلعبه منذ تأسيسه.

ويرى مراقبون ان اللهجة العالية التي يتكلم بها الاتحاد في الاسابيع الاخيرة، قد أعادته إلى مرمى النيران، وأن تهديد الطبوبي بالإضراب العام، في انتظار إقراره، هو الذي جعل الجميع يتحرّكون لمهاجمة الاتحاد، واعتباره يتدخّل في الشأن السياسي، رغم أنهم في كل أزمة، يسارعون للاستنجاد به، وطلب المعونة والمشورة وأحيانا الحماية منه.

ولا شكّ أن كل المتابعين للشأن الوطني يدركون اتساع هوّة الخلاف بين المنظمة الشغيلة وحكومة الشاهد، ويدركون أيضا أن قنوات الاتصال تكاد تُقطع بين الطرفين، خاصة وان الاتحاد على ما يبدو لم يجد الاستجابة الكافية من الحكومة في ملفات حساسة وهامة، كمحاولات التفريط في مؤسسات القطاع العام، ومسألة الصناديق الاجتماعية، والتشغيل، والمفروزين، والزيادات، والأسعار وغيرها من متطلّبات المعيشة، التي تحوّلت الى جحيم بالنسبة للطبقات الضعيفة والشغالين، خاصة مع تتالي مواسم الصّرف كالعطلة الصيفية والأعياد والعودة المدرسية.

هذه الملفات الحارقة، التي ينظر الاتحاد بعين الريّبة الى مسارات الحكومة في التجاوب معها، رغم انطلاق المفاوضات الاجتماعية، ورغم بقاء بعض القنوات مفتوحة للتواصل بين قيادة الاتحاد ورئاسة الحكومة، الا ان ذلك لم يحقق أي تقدّم ملموس، وهو ما دفع النقابيين الى التصعيد اللفظي، وتعدّاه حتى الى التصعيد العملي من خلال انطلاق بعض التحركات في بعض القطاعات.

وهو ما يعني عمليا أن المعركة قد تطوّرت، وقد تصل الى درجة الصّدام، اذا ما أقرّت الهيئة الادارية للاتحاد التي ستنعقد الاسبوع القادم، مبدأ الاضراب، وحددت تاريخه وترتيباته.

كثيرون ذهبوا في اتجاهات سياسية بحتة، دون الالتفات إلى هذه الملفات المتكدّسة في رفوف الحكومة، واعتبروا مواقف الاتحاد التصعيدية، هي فقط نوع ممّا يسمونه «انخراط قويّ من الاتحاد في مساعي الرئيس ونجله لإسقاط يوسف الشاهد».

وهي رؤية يعتبر النقابيون أنها لا تعدو أن تكون محاولة يائسة لتشويه الاتحاد، وهي المقولة التي غذّت الحملة الإعلامية والالكترونية التي طالت كل النقابيين بلا استثناء، وطالت بالخصوص الاتحاد العام التونسي للشغل، وتاريخه ودوره، وتحاول شيطنته من خلال اختلاق الملفات وفبركة القضايا وتشويه المناضلين.

فلماذا وصلت الخلافات إلى هذا الحدّ؟ نقابيون كُثر اتّصلت بهم «الصحافة اليوم» أكّدوا أن هذه الفيالق الإعلامية التي عادت مؤخرا إلى حفلة تشويه الاتحاد، معروفة، ومعروف من يقف وراءها، وأنها لن تنجح في مسعاها، لان الشعب التونسي يعرف جيدا مواقف الاتحاد وتاريخه ودوره الوطني والنقابي.

وعودة الاتحاد الى مرمى النيران في هذه الفترة هو بالتأكيد تحضير لمحاولة عزله عن أن يكون له دور في الخروج من الازمة الحالية، كما كانت له أدوار في الخروج من كثير من الازمات السابقة.

وهي حملة اعلامية تشويهية، حتى ان لم تستطع ان تمسّ من مصداقية الاتحاد، فإنها بالتأكيد، ستؤثّر في مواقف الرأي العام الوطني، خاصة في القطاعات الشعبية التي تنتظر الخلاص، والتي يستطيع الاعلام المناهض لاتحاد الشغل وخاصة الالكتروني، أن يربك من خلالها مواقف الناس ونظرتهم للاتحاد، خاصة وانه يعزف على نفس نغمة تعطيل الانتاج والاضرابات العشوائية، وغلق الطرقات وغيرها من التّهم التي توجّه دائما الى الاتحاد، والتي تساهم بعض النقابات المنفلتة في تغذيتها وتكريسها.

فهل ينجح الاتحاد في تجنّب ما يريد البعض جرّه اليه من مواجهة مفتوحة، تسيء الى صورته، وينجز مهامه النقابية بعيدا عن كلّ تورّط سياسي في معارك قد لا تعنيه كثيرا؟