الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في بيان «الاسطوانة» المكرّرة

النّهضة تُلاعب حكومتها


بقلم: خليل الرقيق

تماما كمجلس شوراها الذي تنفخ فيه أبواق الدعاية ثمّ يخرج على الناس شاهرا الموقف وضدّه، لم يحمل المكتب التنفيذي لحركة النهضة جديدا، غير تلك المداعبة المألوفة لحكومته الحالية، الاستقرار وعدم الترشح لـ 2019 ... غير أنّ في الأمر على ما يبدو إصرارا هذه المرّة، وفي شكل إعلان صريح عن الصبغة النهضاوية للحكومة الرهينة.

فإذا كانت حكاية عدم الترشح لـ 2019 إخلاءً للمضمار لترشيح شيخ مونبليزير، الراغب في ذلك على الارجح، فإنّ المساومة بورقة قصر القصبة تظلّ مفتوحة، مع الشاهد أو مع غيره ... ويبدو أنّ «الأفضلية» قد أسندت لهذا الأخير، ليس حبّا فيه وولعا بانجازاته «الخارقة»، بل اتجاها الى مزيد الاستفادة مما قدّمه ويقدمه للحركة من امتيازات حصرية للتغوّل الاداري والمؤسساتي.

قال عماد الخميري الناطق الرسمي لحركة النهضة أمس الجمعة في تصريح لإذاعة اكسبريس اف. ام، ان النهضة شدّدت في بيان مكتبها التنفيذي على ثلاث نقاط : الاستقرار الحكومي والتزام الحكومة بتنفيذ الاصلاحات وعدم ترشح يوسف الشاهد لانتخابات 2019 ... ولنا أن نقرأ الآن وبيقينية لا يرقى اليها الشكّ أنّ ما تبقى للمساومة في نصّ الصفقة، هو القصبة فقط لا غير، والقصبة كما نعلم تهمّ فريق الشاهد، بل دفع من أجلها الثمن الأكثر كلفة حيث تصنّف في موضع لا يحسد عليه، موضع المفرّط في انتمائه الحزبي والمفرّط في مفاتيح سلطته لوصي حزبي حصري، يفرض شروطه «المهينة» متى شاء ...

إنّ مدار المساومة الجديد، هو إخلاء مضمار قرطاج لترشح الاسلاميين، مقابل استعمال القصبة فخّا لاصطياد أصحاب النفوس الضعيفة، الجاهزين للعمل بالوكالة عن الحركة، وضرب منافسيها، وترتيب أوضاعها مع الخارج، وتبييض صورتها، والإيهام بمدنيتها الطافحة ...

لا يمكن أن نقرأ أكثر من هذا في بيان حزب عرف كيف يلاعب حكومته، يطمئنها على البقاء حتى يقضي منها وطرا، ثمّ يحدد لها وباستعلاء ظاهر مربّع التحرّك والمنطقة «الحرام» ... تلك هي العاقبة، أو ذلك هو القدر الاصطناعي الذي حشر فيه البلد بأكمله ... شيخ النهضة يصدر كلّ المواقف ثم يوزعها بـ «العدل والقسطاس» على صقوره وحمائمه، والكلّ يلتقي عند كذبة «مواصلة التوافق»، وحقيقة الغلبة والاستئثار، وضرب الأحزاب بأيدي «أبنائها»، وضرب الخصوم بأيدي الآخرين .. ويبدو أنّه لم توجد حكومة في تونس طعنت الأحزاب التقدمية لفائدة حركة النهضة مثل هذه الحكومة ...

وقد تكون الجائزة هي هذا البقاء الرجراج، أو وعدا باعادة الاصطفاف بعد الاعداد لانتخابات عرجاء، على أرض سياسية محروقة ..

من السهل أن تلقي حركة النهضة بالمسؤولية على حزب «نداء تونس»، وقد يكون هو الذي وضع نفسه في هذا الموضع بالإيغال في الانقسام، لكنّ المسألة أبعد من هذا بكثير، إنّ الذي يقوم به الحزب الاسلامي الآن هو «إعدام رمزيّ» للخصوم ولمشاريع الخصوم، وبأيدي أخرى ونيران «صديقة» ...

يخرج الغنوشي من قصر قرطاج فيوحي بحل لأزمة الحكومة، ثم يخرج المكتب التنفيذي وبإمرة نفس الشخص ليؤبّدها، وتستمر المتاهة، فتربح الحركة الوقت، وتمطّط الآجال، وتنوّع أساليب المقايضة والمساومة، وصولا الى الاكتساح. وعلى قدر معرفتنا بأن الاكتساح المحلي هو الورقة الأخيرة في يد حركة ضاق بها الاقليم حتى لفظها سياسيا وذهنيا، ندرك أيضا أن استباحة تونس تمّت بأياد تدعي المدنية، بل وتوظف شعارها لخدمة أجندة إخوانية صارت أكبر من مكشوفة ... هل الشاهد يحكم تونس أم يحكم به الإخوان تونس ؟

تكفي نظرة على البساط الأحمر الذي فرشته حكومته لتعليمات مونبليزير حتى نفهم الاجابة ... ويكفي أن نفهم الاجابة حتى ندرك ان البلاد حاليا هي في الدرجة الصفر من المعنى السياسي الحكومي، وفي الدرجة الأعلى من التأزم ..

والأزمة في النهاية أكبر من شخص اصطفته الحركة لتضرب به حزبه، انها ازمة جنوح خطير الى افتكاك الدولة، وتغيير صبغتها السياسية والثقافية والمجتمعية.

وعلينا أن ندرك الآن الحقيقة ونعمل وفقها دونما استسهال ولا تشنج : البلاد محكومة بفريق نهضاوي، جزء منه بالانتماء، وجزء منه بالوكالة، ولا «ضير» على حركة النهضة التي ترى أنّ من «حقها» ملاعبة حكومتها، لتروّح عن نفسها ساعة بعد ساعة.