الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الرئيس وضعه في أعلى المراتب والشّيخ أَسَرَهُ في تصريف الأعمال:

هل جنى الشاهد على نفسه؟


بقلم: مراد علالة

«ذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين»... هكذا فعلت حركة النهضة أول أمس مع أحد أبرز المؤمنين «المؤمنين» بها وشدّدت في البيان الصادر عن اجتماع المكتب التنفيذي للحركة بتاريخ 6 سبتمبر 2018 والموقع من قبل الرئيس المؤسس راشد الغنوشي على «تجديد التأكيد على الاستقرار الحكومي والتزام الحكومة بالإنفاذ السريع للاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وعدم الترشح في استحقاقات 2019» وهو شرط مخالف للدستور وللحقوق والحريات بشكل عام.

وهذا الموقف ليس بالجديد فقد أعلنه الشيخ راشد منذ وصول يوسف الشاهد الي القصبة او بالاحرى منذ اليوم الذي أوصله فيه رئيس الجمهورية ومؤسس نداء تونس الى القصبة فنبهته الى ضرورة التفرّغ لتصريف أعمال الحكم والامتناع عن الترشح في الانتخابات.

هكذا أسرت الحركة الاسلامية جوادها الرابح للبقاء في الحكم والحكومة والأهم من ذلك الحفاظ على ان تظل حكومة «مضمونة» تتواجد فيها النهضة في المفاصل وليس بالضرورة في الصورة والالتزام بكل التعهدات والاملاءات الخارجية للدوائر والمؤسسات المالية التي سطّرت للأسف خط سير تجربة الانتقال الديمقراطي ببلادنا وأجبرتها على الخروج من سكة تحقيق اهداف الثورة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية الى طريق التأزم السياسي والاحتقان الاجتماعي وغلاء الاسعار وتدهور القدرة الشرائية وفقدان الأمل وانعدام الثقة في الحكم وفي الطبقة السياسية وللأسف في المستقبل أيضا مثلما تظهره استطلاعات الرأي.

وبعيدا عن القراءات والتأويلات والتكهنات حول السيناريوهات الممكنة والمطروحة بخصوص تطور أزمة الحكم في تونس وانفرجاها من عدمه وبأي كلفة ومن سيدفع هذه الكلفة ـ وهو الشعب في نهاية المطاف ـ فان التوقف عند تجربة رئيس الحكومة يوسف الشاهد والتعليق على مسيرته ـ على قصرهاـ ومآلها اليوم يثير الاهتمام وربما الاعجاب لدى البعض والاستهجان لدى البعض الاخر فهو صعد بطريقة سريعة جنونية الى أعلى المراتب وتربّع على رأس السلطة التنفيذية عملا بأحكام دستور تونس الجديد، وبنفس السرعة التي تذكرنا بلحظة سقوط برجي التجارة العالميين في نيويورك ذات يوم ها هو يجد نفسه في مفترق طرق تقود كل فروعه الى نهاية نفق وتعطل مسيرة «رجل مهم» كان بالامكان ان تكون له خيارات اخرى أكثر واقعية وأكثر مكاسب على المستوى الشخصي أولا وعلى المستوى الحزبي ثانيا وعلى مستوى تجربة الانتقال الديمقراطي برمتها ثالثا.

ومهم في هذا الاطار ان نتوقف عند سرّ الصعود وسرّ النزول أو «الأسر» ان جاز القول، ففي المرحلة الاولى صعد نجم يوسف الشاهد المنحدر من عائلة عريقة بالعاصمة وهو من مواليد 1975، نكرة درس وبدأ تجربته المهنية بفرنسا وعاد الى تونس سنة 2011 وشارك في تأسيس الحزب الجمهوري ثم سرعان ما انضم الى حركة نداء تونس وعمل في الخفاء الى ان ظهر اسمه في حكومة الحبيب الصيد بعد انتخابات 2014 ككاتب دولة لدى وزير الفلاحة في 6 فيفري 2015 ثم وزيرا للشؤون المحلية في نفس الحكومة يوم 6 جانفي 2016.

في غضون ذلك، سطع نجم الشاهد يوم زكاه الرئيس المؤسس رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي دون سابق انذار لرئاسة ما سمي بلجنة الـ13 «لرأب الصدع» بين شقوق النداء وكان مهندس مؤتمر الحزب في سوسة يوم 3 جانفي 2016 الذي عبّد الطريق للقيادة الحالية التي اعلنت الحرب عليه!

لم تقف الأمور عند هذا الحد، أسهم الشاهد ارتفعت في قصر قرطاج واصطفاه رئيس الجمهورية ثانية ليعوض رئيس الحكومة المستقل وتصبح بذلك الرئاسات الثلاث بيد النداء بشكل صريح وعلني برضاء جميع الاطراف السياسية والاجتماعية التي وقعت وثيقة قرطاج و دعمت الحكومة دون قيد أوشرط الى ان تسارعت الاحداث وتفاقمت الازمة الاقتصادية والاجتماعية وانعكست على الحكم وصار مطروحا تحوير أو تعديل او تغيير الفريق الحكومي جزئيا أو كليا وهنا دخلت النهضة على الخط بكل قوة وحزم واتقنت ادارة اللعبة صراحة لتغذية ازمة الشاهد مع حزبه وتشجيعه على الصمود في وجه الانتقادات والاصوات المطالبة برحيله او تحوير فريقه في العمق على مقاس مصلحة الحزب الاسلامي الذي تهمه أكثر حسابات المستقبل من الحاضر وهو ما يفسر جهاده واجتهاده لتحديد مربع تحرك ساكن القصبة واشتراط استمرار بقائه على «الكرسي» بعدم الاهتمام بالاستحقاق الانتخابي للعام 2019 وتحديدا في شقه الرئاسي.

وهنا، لا يمكن اعفاء الشاهد من المسؤولية فهو يتحمل قسطا كبيرا منها من منطلق انه انطلق في ممارسة الحكم والاضطلاع بأعبائه وكأنه مستقل لا علاقة له بنداء تونس وبمؤسسه الذي اوصله الى أعلى المراتب كما أسلفنا، ويتذكر الجميع ان رأس السلطة التنفيذية كان ينأى بنفسه عن الحزب ولا يذكره ولو عرضا في تصريحاته وحتى في خطبه أمام نواب الشعب وهو ما لا يفعله عادة رؤساء الحكومات الذين ينتمون الى احزاب في تونس او العالم.

واكتفى الرجل بشكل متأخر بالاشارة الى رئيس الجمهورية عرضا في خطابه ونفس الشيء حصل مع الحزب بمناسبة الانتخابات البلدية، وبمجرد ظهور النتائج وفي يوم كان فيه رئيس الجمهورية خارج حدود الوطن خاطب يوسف الشاهد التونسيين عبر الوطنية الاولى وصب جام غضبه على حزبه وعلى المتنفّذين فيه وتحديدا نجل الرئيس المؤسس حافظ قايد السبسي. ومنذ تلك اللحظة بدأ الصراع في العلن أو ما يمكن ان نعتبره فك ارتباط بين الحزب وتحديدا من يمسك بدواليبه وابنه «الضال» ووصل الأمر الى درجة من الغرابة ومن هزال الفعل السياسي في جلسة منح الثقة لوزير الداخلية التي فاجأ فيها ما تبقى من النداء بعمق أزمة الحزب وازمة الحكم.

وقد يكون خطأ يوسف الشاهد القاتل سياسيا هو اللهفة او التسرع أو النية في الوصول الى قصر قرطاج قبل ان تنضج الظروف وتجهز المرحلة وصمته المتكرر ازاء السؤال الصريح حول رغبته من عدمها في الترشح للانتخابات الرئاسية 2019، فهو كان يتهرب بذكاء اما بالحديث عن الاولويات والحروب التي اعلنها على الفساد والفقر او رمي الكرة في ملعب رئيس الجمهورية الحالي والقول أنه سيدعمه بطبيعة الحال في حال ترشحه والحال ان المتضلّعين في السياسة قادرون على الاتيان باجابات أكثر تأثير واقناع وحتى تهرب ذكي من القطعيات. وهنا بحكم ضعف التجربة السياسية أيضا ترك ساكن القصبة الباب مفتوحا ولم يعلق البتة على كل «الاتهامات» المباشرة الموجهة اليه بكونه يعد العدة للرهان الكبير.

وطبيعي ان تفعل النهضة ما بوسعها لتهرئة كل خصومها وحتى أصدقائها او المراهنين عليها لاعتبارين على الاقل أولهما ان الحركة من المستحيل ان تفكر في غير ابنائها «الحقيقيين» المضمونين المتكونين في مدارس الاسلام السياسي عندما يتعلق الأمر بالمناصب العليا في الدولة فما بالك بأهم وأعلى منصب وهو رئاسة الجمهورية، وثانيهما هو أن رئيس النهضة يحتفظ بحقه في خوض التجربة وقد شرع بعد في البروفة على الظهور المدني بالبدلة الافرنجية وربطة العنق وهو يستقوي بالفصل 32 في النظام الاساسي للحركة الذي يخول له الترشح باسم الحركة او تفويض من يحق له ذلك.

ولا يفوتنا هنا أن نحيل على التجربة التركية وحزب العدالة والتنمية الاسلامي فيها والذي يمثل نموذجا تقتدي به نهضة تونس، ووصول اردوغان للرئاسة فيها يغري الغنوشي ويعطي صورة عمّا يسمى «الاسلام الديمقراطي المعتدل» المقبول غربا وخصوصا في أمريكا بعد فشل تجارب الاسلام السياسي الاخرى بالمنطقة الأمر الذي يغذي «التدافع» نحو أنقرة التي لا تتردد في حفاوة استقبال من يحجّ اليها ويزورها واخرهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد في طريق عودته الطويل من الصين وما عليه اليوم سوى ان يتذكر انه تمّ استقبال مؤسس النهضة بشكل يكاد يكون منتظما عديد المرات قبله!.