الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



السياسة النقدية والتقشف

نشأة المدرسة النقديّة



بقلم: محمد الكيلاني(✳)

ما إن انتهت أحداث الدمار الذي أنتجته الخيارات الجشعة التقشفية للفئات الرأسمالية الليبيرالية المتطرفة حتى أصبحت الكاينزية، النظرية الليبيرالية الاجتماعية، سائدة في العالم الرأسمالي وقادت ثلاثية الرخاء ووضعت الأسس التي قامت عليها دولة الرفاه. لكن الأطروحات النمساوية والأوردوليبيرالية الألمانية تمكنت هي أيضا من تحقيق نجاحات ذات شأن في مواجهة الأزمة في هذين البلدين وإلى حد معين في أمريكا. وعلى أساس هذه النجاحات ظهرت مجموعة من الأفكار تتعلق بالموازنات المالية شكلت بصورة إجمالية النظرية النقدية لميلتون فريدمان باعتبارها تبريرا جديدا إضافيا للخيارات التقشفية. عارض فريدمان كاينز بشأن أسباب الكساد العظيم، حيث اعتبر أن السبب الأصلي لا يعود إلى نقص الاستهلاك وتراجع المدخول النقدي كما يعتقد كاينز بل إلى محاولة الحكومات تحقيق التشغيل الكامل الذي يعني حفز الاستهلاك وتوسيع مستوى المعروض النقدي لزيادة فرص العمل، وهي سياسة تؤدي من وجهة نظره إلى التضخم. إن المشكل عند فريدمان يتمثل في أن البطالة ليست نتيجة مباشرة للتقشف، بما يعني تقليص الانفاق الحكومي وبالتالي إحالة أعداد غفيرة من الشغالين على البطالة، بل هي متأتية من خيارات فردية لأناس قرروا بإرادتهم الحرة الترفيه بدل العمل. وهو «ميل طبيعي» يحدث تماما كما يحدث «الميل الطبيعي» إلى العمل، ليستقر سوق العمل في «معدله الطبيعي» الذي يحقق في إطاره توازنه.

كانت النظرية النقدية لفريدمان في أساسها إعادة صياغة للنظرية النقدية الكمية التي أسسها هيوم. إن إضافة فريدمان على هيوم تتمثل في أنه وضع المال في مركز «العملية الرأسمالية». ممَا سمح له بأن يقدم فهما حديثا للتقشف لما أضاف إليها أفكار كفاءة الأسواق في إدارة الانتاج والتوزيع والعمل ورأس المال، والتوقعات العقلانية القادرة على تحديد حاجيات السوق وتلبيتها بشكل لا يمكن معه أن يظهر فائض في الانتاج أو نقص في البضاعة أو تضخم، لتأكيد فاعلية السوق دائما وطفيلية الدولة وإنتاج الاضطراب دائما على الأسواق وعلى الحياة الاقتصادية بصورة عامة وكأننا بفريدمان يحيي موقف هيوم من الدولة التي «لا يمكن التعايش معها».

دور النظرية النقدية في الإطاحة برأسمالية الدولة

لقد تمكنت أفكار فريدمان من شق طريقها في العالم الرأسمالي في سبعينات القرن الماضي، خاصة بعد أن تضخم دور الدولة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في مرحلة إعادة الاعمار ومخطط مارشال الخاص بأوروبا إلى حدود أواخر سبعينات القرن الماضي، حيث أصبحت مالكة لوسائل الانتاج ومعدل للأسواق بما في ذلك السوق المالية، أي أنها كانت مالكة لشركات ومنشآت عمومية وبنوك ومصارف تأمين وعقارات وأراض زراعية. وتبعا لذلك نشأت شريحة بورجوازية جديدة من داخل الدولة أطلق عليها، البورجوازية البيروقراطية للدولة، التي دخلت في صراع مع بقية مكونات طبقة رأس المال باعتبار توظيف الدولة لتوجيه المخططات في الانتاج والتوزيع والمال الوجهة التي تخدمها ويعرقل مصالح غيرها. ومنذ مطلع الثمانينات قاد ريغن وتاتشر ومعهما صندوق النقد الدولي والبنك العالمي عملية العودة إلى النيوليبرالية ودحر الدولة من دائرة التملك والإنتاج والتوزيع والمال والعودة إلى قانون السوق وحقيقة الأسعار ومنح الثقة للمستثمرين وتحرير العملة والتجارة وإعادة هيكلة الإدارة والمؤسسات وتنحيفها وخوصصة المؤسسات العمومية...إلخ. وتواصل هذا الصراع إلى انتهى في أواخر الثمانينات بنمذجة الاقتصاد العالمي بدخول الرأسمالية إلى مرحلة العولمة.

توافق واشنطن ونمط التنمية لصندوق

النقد الدولي

وضع جون وليامسون سنة 1989، المختص في الاقتصاد التنموي، النقاط العشر لاتفاق واشنطن المتمثلة في : ـ الانضباط في المالية العامة، ـ إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، ـ الإصلاح الضريبي، ـ تحرير أسعار الفائدة، ـ «الحفاظ» على سعر صرف تنافسي، ـ تحرير التجارة، ـ تحرير الاستثمار الأجنبي المباشر، ـ خوصصة المؤسسات والمنشآت العمومية، ـ حق الملكية. كانت النقاط العشر هي الصيغة الحديثة للتقشف. ورغم أن فرنسا والبلدان الإسكاندينافية لم تنخرط في برنامج برنامج النقاط العشر فإن البلدان «النامية» وتلك التي خرجت من إطار منظومة «الكوميكون» خضعت لإملاءات صندوق النقد الدولي ولاتفاق واشنطن. وهكذا ومنذ تسعينات القرن الماضي أصبحت النقاط العشر لاتفاق واشنطن ورقة تعليمات صندوق النقد الدولي للبلدان النامية ولتلك التي خرجت لتوّها من المنظومة الشيوعية.

تشكل صندوق النقد الدولي في أواخر الأربعينات لإقراض البلدان التي تعاني موازناتها من اضطراب جراء انخرام ميزان الدفوعات بتقديم قروض قصيرة الأجل لتغليب الصادرات على الواردات وحماية ائتمانها المصرفي واحتياطاتها من العملة الأجنبية وهي ورقة التعليمات التي وضعها الصندوق للبلدان النامية. فكانت النتيجة أن بدت ورقة التعليمات بمثابة ميل إلى التقشف بدلا من الإنعاش، منذ تسعينات القرن العشرين. وفي 2005 أصدر البنك الدولي تقريرا كشف على فشل «الإصلاحات» التي وضعها صندوق النقد الدولي واتفاق واشنطن. لكن رغم هذه المعارضة فقد تمكن التقشف من الخيارات التنموية على النطاق العالمي بإدخال تعديل جزئي على ورقة عمله بحيث أعطى لخيارته بعدا توسعيا على الصيغة الإيطالية تحت شعار: «إليك غداء مجاني إن تخليت عن العشاء». وهذا يعني أن الحكومة يمكنها أن تشق طريقها إلى النمو إذا خفضت من ديونها. وكان أستاذ الاقتصاد في جامعة ميلانو لويجي إينودي أنتج نظرية اقتصادية مزيجا بين الأوردوليبرالية الألمانية وبين اقتصاد الخيار العام. ترنكز هذه النظرية على «الميل الطبيعي للإنسان للعمل والادخار والمنافسة»معتبرا أن الاجراءات التي تتخذها الدولة طبقا للكينزية تنتج التضحم لأنها «تضعف الدوافع الطبيعية»، لذلك ينبغي تجنبها. وعلى هذا الأساس يرى إينودي أنه لا بد من دولة قوية بشكل يمكنها من توسيع السوق وتسهيل المنافسة.

أي موقع للبنك المركزي في الخيارات الاقتصادية لليبيرالية الجديدة والليبيرالية الاجتماعية؟

كانت البنوك المركزية في المرحلة الكينزية تابعة للحكومات والمتصرفة باسمها الخزينة العامة وكان البنك المركزي الوحيد الذي نجح في تحقيق استقرار في الأسعار، لأنه بلد متقدم حديثا، كانت بضاعته جيدة وأسعارها تساعدها على المنافسة، لذلك تمكن من التحكم في البطالة والتضخم. بينما غالبا ما يراجع السياسيون خياراتهم أمام كل هزة اقتصادية أو عند اقتراب المواعيد الانتخابية باتخاذ إجراءات قريبة الأجل. لقد وجدوا الحل في استقلالية البنك المركزي عن الحكومات كي يتمكن من العناية بمقاومة التضخم والمحافظة على استقرار الأسعار. وهو إجراء بإمكانه إنتاج التجربة الألمانية كما التجربة الفرنسية التي أفشل البنك المركزي عمل حكومة الجبهة الشعبية في سنة 1936 بالسماح لرأس المال بمغادرة البلاد وإفشال كل المشاريع التنموية وأجبرها على تقديم استقالتها.

(يتبع)

(✳) الأمين العام للحزب الاشتراكي