الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الغنوشي ألقى به «عاريا» في حقل ألغام ولكن:

هل سيقلب مورو المعادلات في السباق الرئاسي؟!



بقلم: محمد بوعود

يعرف السيد راشد الغنوشي أن رفيق دربه منذ التأسيس، عبد الفتاح مورو لن يصبح رئيسا، بل يعرف أيضا أنه حتى قد لا يمرّ الى الدور الثاني، ويعرف بالخصوص أن حظوظ الرجل ضئيلة حتى داخل «الحقل الاسلامي»، لكنه دفع به الى أتون معركة، وهو عار تماما من كل سلاح، وليس ذلك شماتة به ولا تصفية حساب قديم، بل فقط لان الغنوشي لم يكن أمامه من خيار آخر غير القبول بذلك الترشيح الذي ابتلعه كالعلقم رغما عنه.

فالشيخ راشد فاوض بصبر طيلة اسابيع، وطرق جميع الابواب، وجلس مع جميع المرشحين المحتملين، والرؤساء المفترضين، وقدم التنازلات، وناور، وطرح شروطا ثم سحبها، وقدم مقترحات ثمّ خفّف منها، لكنه لم يجد مع من يتّفق، ولم يعثر على العصفور النادر الذي طالما حلم به ونظّر له.

فالغنوشي وحركة النهضة لم يبحثا ابدا عن رئيس، ولا أرادا أبدا أن يسكنا قرطاج، بل كل ما هنالك ان الحركة كانت تبحث عن شريك حُكم، عن توافق في اقتسام السلطة، عن شخص يعطيها ضمانات تطلبها وتعنيها وتخشى أن لا تتوفّر لها.

وعبد الفتاح مورو يعرف جيدا أن النهضة لو كانت تريد رئاسة الجمهورية لرشّحت لها راشد الغنوشي ولحشدت له كل الإمكانات والطاقات وكل التوافقات الممكنة والتحالفات المحتملة، لكنها كانت تريد رئيسا من خارجها يضمن لها مصالحها في الحُكم، ويستمر على نهج الباجي قائد السبسي في حمايتها من الخارج، وعلى نهج الشاهد في تدليلها في الداخل، وعلى نهج المرزوقي في وضع كل البيض في سلّتها التي لا تشبع ولا تمتلئ.

ولا خلاف داخل شورى الحركة الذي انعقد أمس الأول مساء بالحمامات، بل الجميع وجد في ترشيح عبد الفتاح مورو كإزاحة حمل ثقيل عن كاهلهم وكحسم لنزاع استمر أسابيع بين أخذ وردّ وبين فرز وإعادة فرز للعصافير النادرة، والحلفاء «المضمونين»، وكاد أن يعصف بمجلس الشورى نفسه، وأدخل ارباكا على كامل مؤسسات الحركة، مضافا الى الخلافات العميقة حول التشريعيات، مما جعل القيادة تبحث عن اي حلّ يخلّصها من كابوس الرئاسة الذي جثم على صدرها رغم أنها غير معنية به مباشرة، وتعمل دائما على ان تكون السلطة الاولى في البرلمان والثانية في القصبة.

لكن الاكيد أيضا أن الغنوشي يعرف جيدا أن رفيق دربه لن يجد ذلك الغطاء الذي كان يمكن ان يجده هو لو ترشّح، فشباب النهضة «الذين يذكّرونه بشبابه» قد يندفعون وراء سيف الدين مخلوف، وكهولها الغاضبين من سياساته قد يعاقبونه بالتصويت لحمادي الجبالي، ومخزونها البشري من الانصار والاحزمة غير المتحزّبة، خاصة في الجنوب سيصوّتون للمرزوقي، والبقية الباقية من «شعب النهضة» كما يُقال قد تصوّت للرجل من باب رفع العتب ليس الا.

لكن السؤال الاهم هو لماذا اندفع عبد الفتاح مورو الى الرئاسة وهو يعرف كل ذلك وأكثر، ويعرف أن حظوظه ليست وافرة في بلوغ الدور الثاني، ولماذا أصرّ على الرغبة في الترشّح حتى بعد ان انسحب من السباق كل من الغنوشي الذي اختار تونس واحد، وعلي العريض وعبد اللطيف المكي، وسمير ديلو؟ كلها أسئلة يعرف مورو اجابتها، ويقدّر أنها في غير صالحه، لكنه بالمقابل يعوّل على قدرته وبلاغته وظرافته وعلى انه رمز الاعتدال ربما وعلى أنه أيضا ينتمي إلى طبقة «البلدية» وقد يجد منهم مساندة، وأنه بالخصوص يريد أن تكون مكافأة نهاية خدمته للنهضة، ومسيرته الطويلة معها، من حجم الترشح للرئاسة، ومن حجم قرطاج، ان استطاع الى ذلك سبيلا.

لكن الأهم في ترشيح مورو ليس وصوله الى الرئاسة أو سكنه في قرطاج، بل هو خلط كل الاوراق، فلا عصافير نادرة بعد اليوم، ولا متواكلين يعوّلون على دعم النهضة لهم سرّا أو علنا، بل الجميع سيكون أمام خيار وحيد هو التعويل على امكانياته وحساباته وتحالفاته، وأن على كل مترشّح أن ينسى في خضم المعركة ان له حلفاء في مونبليزير قد يسندونه وقت الحاجة، وقد يمدونه بجنود خفاء.

فترشّح عبد الفتاح مورو سيكون بمثابة فرز حقيقي تتضح فيه الصورة بين النهضة وخصومها، ولن يترك مجالا لتداخل بين القناعات والحسابات، ولا لتحالف بين المتناقضات، بل سيكون على أساس من مع مشروع النهضة ممثلا في رئيس المجلس بالنيابة والرجل القوي في باردو، وبين من ستختاره «ماكينة» الحداثيين والوسطيين والديمقراطيين.

وجماعات «الحساب يجمع» الذين نشطوا كثيرا في الاونة الاخيرة لعرض خدماتهم وتقديم تنازلاتهم للحركة، سقطت كل حساباتهم في الماء، تماما كما سقطت حسابات الشيخ راشد الذي كان يريد رئيسا يقول له حركتي تدعمك وانت تضمن لنا مصالحنا في الحكم الفترة القادمة، ولم يبق أمامه الا ان يدعم مرشّحه بكل قوة او ان يركّز فقط كل جُهده وامكاناته لتحصيل أكبر نسبة مقاعد في البرلمان القادم، فيصبح صاحب حقّ في السلطة الاصلية، ولا يخشى ساعتها ان صعد الى القصر مورو أو شورو.

كما أن ترشيح عبد الفتاح مورو سيخلق نوعا من وحدة الصف بين الحداثيين، وبين أنصار الدولة والسيادة والهيبة والادارة، الذين سيجدون أنفسهم يدا واحدة مع أحزاب الحكم التي تخلت عنهم وتحالفت لزمن مع حركة النهضة ظنا منها انها ستقف معها في الانتخابات.

وبالتالي فان الحلف سيكبر ضدّ مورو وضد الحركة، وستكون نتائجه وبالا حتى على التشريعية ان سقط مورو من الدور الاول بأصوات قليلة، ذلك ان الاختبار صحيح في التشريعية لكن تقديم الرئاسية لأمر طارئ، جعل منها ذات تأثير كبير على التشريعية وليس العكس، والرئيس الذي سيفوز او على الاقل المرشح الذي سيمر الى الدور الثاني سيكون ذا فائدة كبيرة على حزبه وعلى نتائجه في السباق البرلماني.

ومهما حاول الغنوشي الظهور بمظهر من أكرم صديقه وابن حركته وكافأه بترشيحه، الا أن الواقع يقول عكس ذلك، ويؤكّد ان الرجل لم يكن راغبا في ترشيحه، ولا ترغب حركته في رئاسة الجمهورية، لكن ما حصل قد حصل، ولم يبق أمام الحركة الا أن تختبر قوتها وحجمها الحقيقي الذي بقي من رصيدها الذي تأثر كثيرا بالانقسامات الاخيرة في أسبوع فرز القائمات التشريعية وبعد ان كانت تقدر رصيدها بمن وقفوا مع المرزوقي في 2014 او من صوتوا لها ولقائماتها في البلديات الاخيرة السنة الفارطة.

أما عبد الفتاح مورو فهو يعرف أنهم لم يرشّحوه لانهم يريدونه رئيسا، بل فقط لانهم لم يجدوا شريكا حقيقيا يضمن مصالحهم، وعليه فهو يعرف أيضا ان حظوظه لن تكون أوفر من حظوظ المرزوقي في الدورة الفارطة.