الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الباجي إنتصر حيّا... وانتصر ميّتا

نهاية الغنوشي أم نهاية «الإسلام السياسي»؟



بقلم: الهاشمي نويرة

.. وأخيرا «حسمت» النهضة أمرها وقرّرت أنْ ترشّح شخصيّة من داخلها لخوض سباق الإنتخابات الرئاسية بعد طول تجاذب وصراع لَمْ تتمكّن الحركة الإسلامية من حجب الضوء عنه. وأدّعي أنّ هذا الحدث يمثّل ضربة البداية الحقيقية لمرحلة إنهاء سطوة رئيس الحركة راشد الغنّوشي على تنظيم حركة «النهضة».

وقد تابعنا على مدى الأشهر والأيّام الأخيرة الحراك الداخلي لهذا الحزب باعتبار أهمّية تبعات ذلك على «المستقبل المدني» لهذا التنظيم الذي كثيرا ما لَفَظَ كلّ من تجرّأ على الإختلاف مع «الشيخ» ناهيك أولئك الذين أجهروا نزوعهم وميولاتهم المدنية ورغبتهم الحقيقية في الإنصهار في النسيج المجتمعي التونسي والقطع النهائي مع الأدبيات والأجندات الإخوانية .

واكبنا هذه التطوّرات كذلك لتأثيراتها المباشرة على المشهدين الحزبي والسياسي وعلى الإستقرار الأمني في تونس لجهة أنّ حَسْمَ الأمر مع سطوة «الشيخ»وسياساته بما في ذلك إلتزاماته مع حركة «الإخوان» وبعض القوى الإقليمية قد يُزيلُ بعض المخاوف في علاقة باستقرار البلاد، وقد يُساعد كذلك على كَشْفِ ماخَفِيَ من حقائق مثّلت وتمثّل أهمّ العوائق التي تحول دون «النهضة» والقبول المجتمعي لها واحتضانها كجزء لا يتجزّأ من النسيج المجتمعي التونسي.

قطعت «النهضة» إذن ليل أول أمس خطوة هامّة نحو القطع مع «نظام البيعة» واقِعًا في انتظار تنقية النّظم الأساسية المعلنة وغير المعلنة التي تَحْكُمُ نشاطها ومواقفها وسياساتها من كلّ رواسب ونواميس العمل في تنظيمات «الإسلام السياسي» عموما وفِي تنظيم «الإخوان»بخاصّة.

ويبقى من المهمّ أن لا تكون هذه التطوّرات مجرّد حراك فوقي معزول عن قواعد عاشت طوال العشريات الماضية تحت تأثير فتاوى «شيوخ» الفتنة في ضوء غياب التأطير الفكري والسياسي للحركة نتيجة منعها من العمل القانوني والعلني وكذلك نتيجة خياراتها الفكرية والسياسية المعادية للنموذج المجتمعي التونسي المتفرّد في محيطه الحضاري.

إنّ عدوى هذا الحراك يجب أن تطال هذه القواعد حتّى لا تكون المصالحة مع آليات العمل السياسي والمدني والديمقراطي مجرّد تكتيك سياسي أو هي على سبيل المناورة وحتّى تكتسب مناعة أكبر تجعل منها مصالحة غير قابلة للإرتداد في المستقبل.

إنّ ترشيح مجلس الشورى لعبد الفتاح مورو لتمثيل «النهضة» في الإستحقاق الرئاسي هو من حيث المبدإ ضربة موجعة لِمَنْ في «النهضة» آثر مصلحة «الشيخ» على مصلحة الحركة ولكنّ «رضوخ» الغنّوشي لإرادة الأغلبية لا ينبغي أخذه على أنّه قبولٌ بقواعد اللعبة الديمقراطية ونسوق كلامنا هذا على سبيل الإحتياط لأنّ «الشّيخ» ليس لاعبا سهلا وقد يكون قَبِلَ بالأمر الواقع إتّقاءً للعاصفة في انتظار غد أفضل.

وإنّ ما يدعم هذا الرأي ما رصدناه من مواقف شخصيات قريبة من رئيس الحركة ،تشكّك في جدوى ترشيح مورو وتعتبره لا يستجيب لمقتضيات المرحلة واعتبر أحدهم أنّ أمّة مجلس الشورى «توحّدت على خطإ (وهي لذلك) وحدة مزيّفة ومغشوشة» وهو ما يعني أنّ الأمة قد تجتمع على ضلالة.

وتقديرنا للأمر أنّ الأغلبية داخل شورى النهضة كسرت حاجزا نفسيا في علاقة بـ«الشيخ» ولكنّها ماتزال في بداية المعركة من أجل مدنية الحزب وفرض الديمقراطية داخله فضلا عن إقناع القواعد بذلك.

الجانب الآخر في علاقة بترشيح «الشيخ» عبد الفتّاح مورو للإستحقاق الرئاسي يهمّ المواصفات الشخصية لهذا المترشّح والتي قد تكون وراء قبول «الشيخ الأكبر» به مرشّحا ومن ذلك عدم تمتّع مورو بسندٍ قويّ داخل النهضة يمكّنه من التأثير في الحركة، إضافة إلى كونه لَعُوبًا في مواقفه التي تُراوحُ بين السلفية المفرطة والمواقف السياسية الليبرالية الموغلة في «قُصْوَوِيَتِها».

المعركة إذن هي في بدايتها وهي وإن شهدت تطوّرا كمّيا مهمّا فإنّه لايرقى إلى درجة التطوّر النوعي الذي يؤشّر لإعادة التأسيس على قواعد مدنية صرفة، ولكنّ ذلك لا يمنعني من القول بأنّه ثمّة شيء بداخلي يدفعني إلى الاعتقاد بأنّ نهاية «الإسلام السياسي» كنمط حُكْمٍ وشيكة جدّا وتونس ستكون المثال الساطع على ذلك.

معركة مدنيّة حركة «النهضة»هي بالتأكيد معركة داخلية ولكن من المهمّ التذكير بأنّها كانت كذلك معركة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الذي كان شديد الوثوق بشيخ النهضة راشد الغنّوشي وكنت أعارضه وأنبّهه دائما الى خطورة الرجل لكنّه كان دائما يردّ بأنّ «ما يمكن أنْ يقدّمه لهم، حماية وإدماجًا في المجتمع التونسي لا يمكن لأيّ رئيس آخر أن يقدّمه لهم» وبخصوص الغنّوشي كان يقول بأنّه ليس مثلهم (في علاقة بالمتشدّدين في النهضة) فأقول له: نعم، هو ليس مثلهم بل هو «أخطر من أيّ واحد فيهم»، وقد وقف الرّاحل على هذه الحقيقة في توقيت متأخّر وبعد أن سُحِبَتْ منه عديد الورقات الرابحة وذلك بدعم خفيّ ومُعلن من راشد الغنوشي، ما أثار حفيظة حتّى مقرّبين جدّا من رئيس «النهضة» وتترجم ذلك بالخصوص في تلك الرسالة الشهيرة التي انتقدت سياسات وتحالفات الشيخ وشهّرت بها ولكنّه وقع الإلتفاف عليها وتمّ وَأْدُها «حفاظا على وحدة الحركة».

الرئيس الراحل منحه القدر فرصة الإقتصاص من الذين خانوا ثقته وغدروا به وكان عدم ختمه للقانون الإنتخابي إضافة الى النواحي المبدئية، في جزء منه عقابا لشيخ النهضة الذي تصوّر أنّه حقّق انتصارا بالضربة القاضية على الرئيس الراحل وبدأ يهيّئ النفس لوراثته في المجتمع والدولة وبرفض الباجي قايد السبسي خَتْمَ القانون حَرَمَ «النهضة» من الإستفراد بالمشهد البرلماني القادم في ضوء تشرذم المشهد الحزبي الذي أضحى لافتا، وأضعف أيضا حظوظ آخرين في الوصول إلى قرطاج.

هذا إنجاز الباجي وهو حيّ وأمّا إنجازه وهو في ذمّة الله فهو أنّ التوقيت الذي اختاره المولى عزّ وجلّ لاسترداد أمانته خَلَطَ جميع الأوراق وقَلَبَ خُطَطَ «النهضة» وحلفاءها رأْسا على عَقِبٍ لتجد نفسها في وَضْع مجبرة فيه على التقدّم إلى امتحان الإنتخابات الرئاسية الذي سيكشف حجمها الحقيقي في المجتمع بعيدا عن الظواهر الكلامية والأرقام التي لا قِبَلَ لأيّ كان بالتثبّت منها.

ويُحْسَبُ للراحل أنّه ساهم في إصابة الجسم النهضاوي بعدوى الديمقراطية لاعتقاده الراسخ أنّ الحرية والممارسة السياسية العلنية كفيلة بجرّ الجماعة إلى خانة المدنية وقد كان موته رحمه الله مناسبة رجّت الداخل النهضاوي وألقت بأطيافه المختلفة في معمعان السياسة بما غيّب المبادئ التي استندت إليها جماعات «الإسلام السياسي» وبما قد يؤسّس إلى نهاية «الإسلام السياسي» كنمط حُكْم بعد أنْ تصدّى له المجتمع التونسي كنمط عَيْش.

هناك من سيُطِلُّ علينا برأي مفاده أنّ «النهضة» قد تكون تُخفي أوراقا رابحة ستظهرها في الوقت المناسب وأنّ الشيخ لن يُهزم بهذه السهولة، نقول يا جماعة لقد قُضِيَ الأمْرُ وانتهت اللعبة وما قد يحدث من تبعات وردود فِعْلٍ سيكون بعيدا عن مجال نفوذ السياسيين ، ونسأل الله حُسْنَ العاقبة.