الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



العنف «العنصري» يتكرّر في تونس

هل يجوز أن تضيق «إفريقية» بأبناء افريقيا؟!


بقلم: مراد علالة

تفاقم العنف وتكاثرت الجريمة في تونس وفق ما تظهره الدراسات الاجتماعية والتقارير الحقوقية وكذلك المتابعات الاعلامية التي اظهرت أيضا ان هذه الآفة منتشرة في كامل ربوع الوطن وبين مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية والقطاعات المهنية.

واجتهد المتابعون والمولعون بالرصد في توثيق الأفعال وتعدادها وتبويبها مع قليل من التفسير والتحذير والتوعية بخطورتها وانعكاساتها على الجميع، لكن دون بدائل فعالة وفعلية ودون رؤى وتصورات وحلول عملية واقعية متكاملة من شأنها فضح ممارسات العنف وشجبها ولجم مقترفيها وردعهم والأهم من ذلك نشر ثقافة بديلة للتسامح واحترام الكرامة المتأصلة في بني البشر بقطع النظر عن الجنس واللون والمعتقد والرأي والانتماء الاجتماعي...

لقد تعرض عدد من الطلبة الافارقة وتحديدا من الكوت ديفوار يوم 22 أوت المنقضي الى اعتداء لا يمكن توصيفه بغير «الاعتداء العنصري» كما جاء في بيان الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، من قبل بعض الاشخاص بنهج المطار في منطقة سكرة بولاية اريانة، وهذه ليست واقعة معزولة بل انها تتكرر بين الفينة والاخرى بكل صلف وبكل استهتار بالقيم الانسانية والاخلاقية التي لا تنبني عليها منظومة حقوق الانسان فقط وانما مختلف الشرائع والحضارات وتعيش على هديها البشرية عبر الازمنة وفي غيابها نتحول الى عنصريين وفاشيين ومنتهكين للحقوق والحريات.

والغريب ايضا ان أعمال العنف العنصري تطال ضيوفا على أرضنا حلّوا بيننا طلبا للعلم والمعرفة وكثير منهم منبهر ببلدنا ويرى فيها الجنة مثلما يرى بعضنا في الضفة الشمالية للمتوسط الجنة الاخرى وهم اليوم يعدّون بعشرات الآلاف مسجلين في الجامعات العمومية والخاصة على حد سواء وفي كل الاختصاصات داخل العاصمة وخارجها، ليس ذلك فحسب إذ تفيد بعض التقارير أيضا ان عشرات الآلاف اختاروا الاستقرار في تونس جزء منهم طبّع مع تونس وتزوج من تونسية وطاب له المقام والعمل القانوني وجزء آخر للأسف في أوضاع غير طبيعية وهم مع ذلك يبلون بلاء حسنا بالعمل في المواقع والمهن التي يرفضها التونسيون. أجل انك تلحظ بسهولة اليوم تواجد الاشقاء الافارقة في بعض الفضاءات والمحلات التجارية ومحطات بيع البنزين وحتى حضائر البناء دون ان ننسى ان اطارات كثيرة تأقلمت مع بعض المجالات المهنية ووقع توظيفها والاستفادة من جديتها ونزاهتها واخلاصها في العمل وخصوصا انتاجيتها.

وللأسف يوجد بين ضيوفنا الافارقة حالمون بـ«الحرقة» ولا يرون في تونس غير نقطة عبور نحو شمال المتوسط وهذا ايضا لا يبرر ممارسة العنف العنصري عليهم.

قد نكون بحاجة الى قوانين وتشريعات اضافية من شأنها حماية الاقليات والضيوف الافارقة والضرب على أيدي العابثين بأمن البلاد كما جاء في بيان رابطة حقوق الانسان، لكننا نحتاج ايضا الى ثقافة تلفظ التعصب والعنف والتمييز العنصري وغيره من ضروب التمييز مثلما نحتاج ايضا الى تفعيل دور المؤسسات الرقابية وتطبيق ما هو متوفر من نصوص قانونية كفيلة الى حد كبير بانصاف ضحايا العنف والجرائم العنصرية ووقف الافلات من العقاب بالخصوص، ولا ننسى ايضا دور المجتمع في تحصين نفسه من غلو المتطرفين والعنصريين وكذلك دور الاعلام في التربية على حقوق الانسان.

وبالاضافة الى جميع ما تقدم لابد من التذكير بأن مسؤولية تاريخية وحضارية دقيقة وراقية ملقاة على عاتق بلادنا التي اعطت اسمها للقارة السمراء فتونس هي في القديم «افريقية» التي تقع شمال هذه القارة وكانت على مرّ الأزمنة همزة الوصل بين شعوب الجنوب وشعوب الشمال. وفي التاريخ الحديث كانت سندا لحركات التحرر الوطني في المستعمرات الافريقية وقبلة المناضلين الافارقة الذين يتقاسمون معنا المبادئ السامية من باتريس لوممبا وليوبول سيدار سنغور وكوامي نكروماوغوفان مبيكي الى نيلس منديلا جميعهم ذوو بشرة سوداء لذلك لا يجوز ان تضيق ارضنا بأبنائها أبناء افريقيا مهما تكن الذرائع والمبررات.