الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



عودة الجدل حول مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح...

...تعديله ضروري... حتى لا يتحوّل إلى «حقّ باطل»



بقلم: لطفي العربي السنوسي

عندما تم تقديمه الى لجنة التشريع العام في شهر أفريل 2015 كمشروع قانون يتعلق بزجر الاعتداء على القوات المسلحة اثارت فصوله جدلا صاخبا شعبيا وحقوقيا وأمنيا وسياسيا واعتبره الاعلاميون ـ خاصة ـ بمثابة الطريق السريعة لعودة «دولة البوليس» بكل ما تعنيه من قمع واستبداد وسلب للحريات وتضييق على «أنفاس» التونسيين باسم القانون.

وقد شهد ـ أيضا ـ اعتراضا وصدا داخل المجلس النيابي عبّر عنه رئيس المجلس بقوله ان لجنة التشريع العام ستنظر في مشروع القانون مع مراعاة تحفظات المجتمع المدني والحقوقي...

الامنيون ـ بدورهم ـ واجهوا هذا الاعتراض على مشروعهم بتوتر كبير واعتبروه «عداوة معلنة» لوجودهم كقوة عامة مسؤولة عن حفظ الأمن العام لذلك لم يترددوا في مقايضة التونسيين بأمنهم وهدّدوا برفع الحماية عن السياسيين والنواب وبعدم تأمين التظاهرات الفنية والثقافية بل شهدت تلك الفترة (نوفمبر 2015) استرخاء أمنيا ممنهجا في شوارع العاصمة والمنافذ المؤدية اليها والتي عرفت غيابا أمنيا كاملا رغم ما كان يتربص بالبلاد من تهديدات ارهابية... وقد استهجن التونسيون ردة فعل الامنيين غير المسؤولة لتمرير قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة بوضع البلاد كرهينة أمام خيارين... فإما تمرير القانون وإما فراغات أمنية برفع الايدي عن أمنهم وسلامتهم.

مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة لم يغادر منذ 13 أفريل 2015 رفوف لجنة التشريع العام وتم ارجاء مناقشته تماما واعتباره غير ذي أولوية... ويطفح المشروع ـ اليوم ـ على السطح ليعيدنا مرة أخرى الى مناقشته وذلك بعد «واقعة بنزرت» حيث اعتدى أحد المنحرفين على عون مرور بالعنف الشديد على الملإ ولم يراع في ذلك... الأمني وزيه النظامي والمخوّل قانونا ودستورا حفظ النظام العام باسم السلطة التنفيذية... كما تكرّرت الواقعة بأكثر حدة صباح أمس بشارع باريس بالعاصمة حيث تم الاعتداء على ملازم أول من الشرطة البلدية بآلة حادة استوجبت نقله على وجه السرعة الى القسم الاستعجالي بمستشفى شارل نيكول.

وقد بادر وزير الداخلية صباح أمس باستقبال عون المرور المعتدى عليه بولاية بنزرت ومنحه شهادة تكريم وفي المقابل دعت الهياكل الأمنية النقابية الى تحركات احتجاجية من أجل الضغط على المجلس النيابي لتمرير قانون زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح...

فما هي أسباب اعتراض المجتمع المدني والحقوقي والاعلامي على هذا القانون...؟

الواقع لا وجود لاعتراض عميق على هذا القانون بل تحفظات على بعض فصوله التي من شأنها أن تطلق يد «البوليس» وأن تمنحه سلطة أمنية ورقابية قد تخنق وتحاصر وتصادر كل المجالات تحت عنوان «الحفاظ على الأمن العام» وهو عنوان فضفاض قد «يأكل» من الجسد الحيّ للمجتمع التونسي... فيمكن تحت هذا العنوان مصادرة الحريات والحقوق المواطنية... حرية التعبير مثلا وحرية التنقل وحق الاضراب والاحتجاج والحق في الحصول على جواز سفر ووثائق هوية وغيرها من الحقوق التي يمكن مصادرتها تحت عنوان «الحفاظ على الأمن العام».

ونحن ـ في الواقع ـ لسنا ضد تمرير قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين وكل القوات المسلحة وهو ما أكدناه سابقا ونعيده اليوم بأكثر وضوح ونحن ندعمه وندعو الى تمريره على أن يتم تعديله بما يضمن حقوق التونسيين وحتى لا يشرّع لما يجيز كل اشكال العنف غير المبرر ضد المواطنين فيتم التنكيل بهم في احتجاجاتهم السلمية وفي مطالبهم المشروعة وان يتم الانصات الى كل التحفظات الحقوقية والاعلامية حول بعض فصوله... فمن العبث اطلاق «يد الأمنيين» دون ان تكون هناك اقرارات قانونية صريحة لمساءلتهم ومحاسبتهم عن كل اشكال العنف المفرط غير المبرر على المواطنين السلميين وبالتالي فان المطلوب توزيع نصوص القانون «توزيعا عادلا» بين المواطنين والأمنيين بحيث يلتزم كل طرف بالسلوك والصلاحيات الممنوحة فلا المواطن يتجاوز حدود سلوكه السلمي ولا الأمني يتجاوز حدود وطبيعة تدخلاته لفرض الأمن العام...

من حق الأمنيين ان يحصّنوا أنفسهم وعائلاتهم بالقانون وبالدستور ومن حقهم ان «يناضلوا» من أجل تمرير مشروع قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة «خاصة» مع الانفلات المجتمعي وتراخي الدولة التي فرطت في هيبتها وفي هيبة أعوانها التنفيذيين وهذا لا يمكن تحقيقه بمقايضة التونسيين بأمنهم ولا بالتراخي في أداء الواجب ولا بالتهديد بفرضه بـ «القوة العامة» ولا بإرباك السير الطبيعي للمؤسسة الأمنية وانما بالنقاش المدني وبالانصات الى تحفظات الحقوقيين والاعلاميين من أجل تعديل بعض فصوله التي منحت للامنيين حقوقا وصلاحيات من شأنها ان تسلب التونسيين ما تحقق لهم من مكاسب مواطنية تتعلق بحقهم في التظاهر وفي التعبير والتنقل والاحتجاج وغيرها من الحريات الشخصية...

الامنيون هم جزء عميق من هذه البلاد وأبناء أبانوا في كل المعارك التي خاضتها تونس ضد الارهاب عن روح وطنية عالية ومحبّة للأرض وللشعب وقد دفعوا الثمن باهظا ونعتقد ان حمايتهم الحقيقية انما تبدأ بدعم تجهيزاتهم الدفاعية بما يحمي ارواحهم ويطور اداءهم فالقانون لوحده لا يحمي الأمنيين من غدر الارهابيين والمنحرفين و«واقعة» بنزرت تؤكد ذلك فالعون المعتدى عليه لم يكن بين «يديه» غير «يديه» الضعيفتين للدفاع عن نفسه في مواجهته لمنحرف يعتقد في ضعف الدولة وفي عجزها وفي انهيار مؤسساتها وقيمها... دولة بلا «راع» فاستباحها ـ تماما ـ كما استباحها من قبله الارهابيون وكما استباحتها مافيا الفساد واللصوص وكما استباحها الاخوان والسلفيون وكما استباحها الانتهازيون من السياسيين حكاما ومعارضة...

نحن ـ بالفعل ـ في دولة مستباحة لا خير يرجى من رعاتها...!؟