الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



ثرواتنا السمكية في خطر

هل فشلت الحكومة في مقاومة التلوّث الصناعي وأخطاره ؟



إعداد: لطيفة بن عمارة

لطالما اعتبر موضوع البيئة من الشواغل الأساسية في توجهات الدولة خاصة وأن تونس قد أمضت اتفاقيات وبروتوكولات دولية كاتفاقية لندن سنة 1973 واتفاقية برشلونة لسنة 1976 وغيرهما من الاتفاقيات التي تنص على ضرورة حماية مياه البحر الأبيض المتوسط من التلوث بأنواعه والتعاون للتصدي للتلوث الزيتي. ولكن رغم هذا فإن التلوث الصناعي أثر بصفة مباشرة على صحة المواطنين ومس عديد القطاعات الحيوية ومن بين أبرز القطاعات التي طالها ضرر التلوث الصناعي في بلادنا قطاع الأسماك. فلقد أجمع أهل الاختصاص على أن ظاهرة النفوق الجماعي لأسماك المياه العذبة والمالحة تعتبر من الظواهر المدمرة للثروة السمكية ولكل القطاعات المستفيدة منها، لا سيما مع تكرار حالات النفوق وامتداد الضرر إلى كائنات بحرية أخرى غير الأسماك. حيث أكدت عديد الجهات المعنية بالموارد البحرية والصيد البحري أن معدلات تكرار حالات النفوق الجماعي للأسماك ارتفعت في البحار والأنهار والمسطحات المائية العربية بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة، حيث يمكن القول إنه لا توجد منطقة ساحلية واحدة نجت من الإصابة بهذه الظاهرة خلال الفترة الماضية. ويُرجع أهل القطاع أسباب هذه الظاهرة إلى كثرة التلوث وما يقع إلقاؤه في البحار في سياسة ممنهجة لضرب القطاع، في حين تفند الجهات المسؤولة هذه الفرضية معللة ذلك بوجود عوامل مناخية وطبيعية هي السبب الرئيسي في تواتر ظاهرة نفوق الأسماك في بلادنا.

فما هي ملابسات نفوق الأسماك في بلادنا؟ وهل هناك عجز عن مقاومة ظاهرة تلويث البحار ببقايا المواد الصناعية؟

تعتبر الأسماك والثروة السمكية بشكل عام من أهم مصادر الغذاء وعنصرا هاما في تحقيق مفهوم الأمن الغذائي، فضلا عن كونها مصدرا هاما للدخل القومي وأحد سبل دعم الاقتصاد المحلي والوطني في عدد كبير من الدول، وبالتالي فإن أي عامل يؤثر سلبا على حجم الثروة السمكية المتاحة ويهددها بأي شكل، سيمثل أمرا بالغ الخطورة، وهذا قياسا بحجم الأضرار والتداعيات السلبية الوخيمة الواقعة على البيئة البحرية والصحة العامة والدخل القومي وفي هذا الإطار أكد صالح غومة ممثل الغرفة الوطنية للصيد البحري أن ظاهرة نفوق الأسماك أصبحت تتكرر بشكل كبير وملفت للانتباه حيث لم تعد مرتبطة بموسم أو فصل باعتبار أن السواحل التونسية وخاصة خليج قابس تشهد خروج كميات كبيرة من الأسماك.وأرجع محدثنا تزايد هذه الظاهرة إلى سبب مباشر ورئيسي على حد تعبيره وهو ما يلقيه المجمع الكيميائي بالمنطقة من كميات مهولة من الفضلات الصناعية والمواد السامة التي أضرت بالثروة السمكية.

مواد خطرة قضت على ثروتنا

السمكية

ما يقارب الواحد والأربعين سنة والمجمع الكيميائي يضخ الفضلات الكيميائية السامة في البحر،آلاف الأطنان تُلقى يوميا دون حسيب ولا رقيب،هذا ما أكده صالح غومة مشيرا إلى أن ما يفوق 34 ألف طن من مادة الأمونياك يلقيها المجمع الكيميائي يوميا في البحر. وأوضح غومة أنه تم تركيز العديد من المعامل على طول الشريط الساحلي لخليج قابس ومن أبرزها المجمع الكيميائي بغنوش وقد لقيت عملية تصنيع الجهة في البداية ترحيبا واسعا بما أنها كانت سببا في تشغيل أبناء المنطقة فقضت على البطالة المنتشرة آنذاك ومع مرور الزمن بدأت تظهر مشاكل بيئية معقدة ناتجة خاصة على إفرازات المصانع وخاصة مصنع معالجة الفسفاط الذي استمر على امتداد العقود الماضية في إلقاء كميات هائلة من الفوسفوجيبس في الخليج تصل يوميا إلى حدود 15 ألف طن تسببت في تكون رقعة من الفوسفوجيبس تمتد على 60 كم مربعا على شكل غلاف سميك أثر على شفافية مياه الخليج وتحركها فقتل الكائنات الحية البحرية نباتية كانت أو حيوانية وفي أفضل الحالات تسبب في هجرة أنواع كثيرة من الأسماك كانت تأتيه لتتكاثر في شعبه المرجانية ونباتاته الكثيفة قبل أن يتصحر البحر ويتقلص التنوع البيولوجي بشكل كبير بحسب تعبيره، مبينا أنه لم يبق إلا عدد قليل من أنواع الأسماك القادرة على التكيف مع التلوث وأدى كل ذلك إلى القضاء على الصيد الساحلي الذي تقتات منه عديد العائلات متوسطة الدخل وفق قوله.

مغالطة وضحك على الذقون

ظاهرة نفوق الأسماك ليست جديدة في الواقع على المجتمع البشري، إذ توضح الآثار والمخطوطات التاريخية القديمة ظهورها منذ زمن بعيد، حيث تشير مثلا النقوش القديمة إلى رصد الفراعنة والقدماء المصريين لظاهرة المد الأحمر المعروفة قديما باسم «حيض البحر»، والتي تعد من أهم أسباب النفوق الجماعي للأسماك. لكن نفوق الأسماك بشكل متواتر في منطقة بعينها على الشريط الساحلي التونسي يطرح العديد من التساؤلات. وفي هذا السياق اعتبر صالح غومة أن سبب نفوق الأسماك الرئيسي هو التلوث الصناعي وكل الأسباب الأخرى التي تتحدث عنها الجهات الرسمية ماهي إلا ضرب من المغالطة وضحك على الذقون لإخفاء المتسبب الرئيسي في ظاهرة تلوث البحر ونفوق الأسماك بشكل ملفت وخطير.

وحول البيان الصادر عن وزارة الفلاحة بخصوص هذه الظاهرة واعتبار وجود ما يسمى بالطحالب المجهرية السامة وارتفاع درجات الحرارة هي الأسباب الحقيقية في تفاقم ظاهرة نفوق الأسماء،اعتبر غومة أن ما تضمنه بيان وزارة الفلاحة هومغالطة للرأي العام وتزييف للحقائق مبينا أن التلوث الصناعي وما يضخه المجمع الكيميائي يوميا من مواد سامة كان كفيلا بالقضاء على الثروة السمكية في البلاد في غياب تام للجهات المختصة وتجاهل متواصل من قبل وزارة الإشراف متعجبا من عدم إدراك وزير الفلاحة الحالي مدى خطورة هذه الوضعية وتداعياتها على الثروة السمكية وعلى أوضاع البحارة وعلى كل القطاعات المرتبطة بالصيد البحري.وأبرز عضوالغرفة الوطنية للصيد البحري صالح غومة أن نتائج تحليل التربة التي قامت بها وزارة الفلاحة كانت متوقعة كما هوالحال طيلة السنوات الماضية وتصب كلها في إطار سياسة تزييف الحقائق خاصة أمام غياب كلي لمختصين قادرين على إيجاد الحلول العملية لهذه الإشكالية التي أضرت ولا تزال بالثروة السمكية وساهمت في تدهور وضعية مئات البحارة الذين يعانون يوميا.

صيحة فزع

تشير بعض الدراسات الى أن عدد أنواع الأسماك يصل إلى حوالي 3400 نوع باعتبار أن خليج قابس بيئة ملائمة للتكاثر وذلك لانتشار أنواع كثيرة من النباتات والأعشاب ومساهمة العيون الجارية في التخفيف من حدة ملوحة البحر.ولكن التلوث أدى إلى اختلال التوازن البيئي هذا ما بينه الشيباني جدايدة بحار من جهة صفاقس مضيفا أن الأسماك كانت تتواجد بكثرة في بحر تكسوه أنواع من الأعشاب وتلونه بخضرتها أما الآن فتكسوالأعماق طبقة كثيفة من الأوحال تتجاوز المترين وتبعث روائح كريهة وتزداد عفونة مع اشتداد الحرارة فتقتل الأسماك أوتدفعها إلى الابتعاد في الأعماق وقد انقرضت أنواع كثيرة منها كنا نصطادها بكل يسر من الشواطئ كالغزال والمرجان والمناني وكان «القراض» من أهم أنواع السمك في بحر قابس بدايات التسعينات وبعدها اختفى وانقرض بفعل تأثير التلوث البحري ولا يمكن اصطياده إلا في الأعماق وهوما يعجز عنه البحارة خوفا من مصادرة مراكبهم.وأضاف محدثنا في ذات السياق أن البحر دُمر بشكل تام نتيجة التلوث البيئي من جهة والصيد المحجر من جهة أخرى معتبرا أن الدولة تستعمل سلطتها في هذا الاتجاه بمنع الصيد المحجر لكن في المقابل لا وجود لحلول بديلة ودعم البحارة لوجيستيا وماديا.وبين أن البحارة يعيشون ظروفا قاسية ويهددهم شبح الإفلاس ودخول السجن بسبب الديون لدى البنك الفلاحي التي لم يتمكنوا من تسديدها بسبب انهيار عملية الصيد وتراجع المردودية والمداخيل.وقد أطلق البحارة في عديد المناسبات صيحة فزع تنبه من خطورة ما وصل إليه حالهم لكن في المقابل لا وجود لأي خطوة إيجابية من طرف سلطة الإشراف لحلحلة الإشكال بحسب تصريح محدثنا.

سياسة ممنهجة

وعلقت إدارة المجمع الكيميائي التونسي بقابس على ما تم تداوله في صفوف البحارة عن نفوق كمية كبيرة من الأسماك بجهة قابس بسبب تسريب مادة الأمونيا السامة إلى البحر مفندة هذه الأخبار لأن أغلبية وحدات الإنتاج بالمجمع متوقفة عن العمل بسبب نقص مادة الفسفاط وقد أشارت الإدارة الى أن ظاهرة نفوق الأسماك سجلت بعديد السواحل التونسية وتعود الى ظهور الطحالب المجهرية بسبب العوامل المناخية.

مقابل هذه التصريحات يؤكد عديد البحارة وأهل الاختصاص أن هناك سياسة ممنهجة لضرب قطاع الصيد البحري ما يؤكده وجود ما يسمى السلطعون الأزرق وهو نوع من العقارب البحرية التي تم جلبها من قبل فريق ياباني بالتعاون مع جمعية من غنوش والذي أتى على الأخضر واليابس في سواحل قابس وساهم في القضاء على نوع كبير من الأسماك وهجرة أنواع أخرى حتى أن البحارة يطلقون عليه اسم داعش لأنه قضى على الثروة السمكية في جهة قابس. وهنا طالب البحارة بضرورة فتح تحقيق في هذا الملف وضرورة البحث عن حلول عملية تنقذ البحارة والقطاع بشكل عام.