الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الإضراب العام كجزء من حالة الاشتباك:

فعالية نقابيّة برائحة سياسيّة وطُعم مرارة اجتماعية


بقلم: محمد بوعود

قد لا يستطيع أحد، مهما كانت فصاحته، وتمكّنه من اللغة، أن يقنع الكثيرين في الطبقة السياسية، وحتى في المجتمع المواطني العادي، بأن الاضراب العام الذي أعلن عنه السيد نور الدين الطبوبي، الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، والذي ترك تحديد تاريخه مفتوحا في انتظار قرار الهيئة الادارية الاسبوع القادم، ليس قرارا منعزلا عن الواقع السياسي الذي تعيشه البلاد، حتى وان كان مدفوعا أكثر بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، الذي وصل الى الحدّ الذي لم يعد ممكنا السكوت عليه، مهما كانت التطمينات، ومهما وصلت اليه المفاوضات الاجتماعية من تقدّم او تفاهمات.

فالظرفية السياسية التي تحيط باعلان الاضراب لا تخفى على أحد، وحتى توقيت اعلانه لا ينفصل عن الموقف السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل، بل جاء مباشرة بعد ما يمكن ان نطلق عليه «لقاء الفرصة الاخيرة» حين تقابل في نفس اليوم مع الشيخ راشد الغنوشي، والرئيس الباجي قائد السبسي، كل على حدة، وقد كانا التقيا معا ايضا قبل لقائه.

فهذا اللقاء بالنسبة للطبوبي، ولسائر النقابيين، كان ربما الفرصة الاخيرة التي منحوها لكل من الرئيس الباجي قائد السبسي، كي يحسم أمره، في القصر وفي الحزب، ويعلن رسميا عزل الحكومة، أو يأمرها بالذهاب الى المجلس، أو يسحب منها الثقة بطريقة من الطرق التي يوفرها له الدستور، وكان أيضا لقاء الفرصة الاخيرة لراشد الغنوشي كي يعلن موقفا نهائيا من الحكومة، وان كان سيواصل في نغمة «الاستقرار السياسي» أم سيغير موقفه من الشاهد ويدخل مرحلة الحسم السياسي نهائيا.

لكن كل التسريبات القادمة من قرطاج ومونبليزير والبطحاء، تقول أن الطبوبي فوجئ بموقف جديد لم يحسب له حسابا، حيث تقول التسريبات أن الغنوشي هو الذي طلب لقاءه بعد الكلمة الغامضة التي ألقاها عقب لقائه رئيس الدولة، فاعتقد الطبوبي أن المسألة حُسمت، ليجد رئيس حركة النهضة مازال على موقفه، الداعم لبقاء الشاهد والمتشبّث بالاستقرار السياسي، وأن الجديد عند الغنوشي هو فقط أن الرئيس طمأنه بأنه قد يلزم الحكومة بتطبيق بنود وثيقة قرطاج الثلاثة والستين، وأنه قد يجمع من جديد المشاركين في وثيقة قرطاج2، من أجل البحث والتوافق حول النقطة الرابعة والستين.

اللقاء الثاني لم يكن أكثر ايجابية من الأول، حيث أعاد الرئيس على أسماعه ما اقترحه الغنوشي من ضرورة إعطاء الحكومة فرصة أخرى لتطبيق الاتفاقات والبنود الثلاث والستين الواردة بوثيقة قرطاج2.

وهو ما يفسّر ردّ الفعل والخطاب المتشنّج، الذي ينمّ عن خيبة أمل، بقدر ما ينمّ في نفس الوقت عن استعداد الاتحاد لتحمّل مسؤوليته، لوحده، في المواصلة في طريق سلكه منذ البداية، وهو مقاومة الحكومة الحالية، التي يرى أنها السبب في وصول التردّي الاقتصادي والاجتماعي، الى هذا المستوى غير المسبوق.

وبغضّ النّظر عن التشنّج السياسي تُجاه حكومة الشاهد، والذي لم يعد الاتحاد يبذل جُهدا في اخفائه، فان الوضعين الاجتماعي والاقتصادي، يدفعان بكل قوة، نحو اتخاذ قرار بهذا الحجم، كما يدفعان ايضا القواعد النقابية الى دفع القيادة النقابية الى زاوية التساؤل الذي لم يجد الجواب الى حدّ الان، والذي يحرج بالتأكيد القيادة، وهو سؤال: الى اين وصلنا في معركة كسر العضم مع حكومة ترفض الرحيل، وبالمقابل تواصل تسيير البلاد نحو مزيد من ارتفاع الاسعار ومزيد من تدهور المقدرة الشرائية ومزيدا من الغلاء الفاحش والفشل على كل المستويات، دون أن تفكّر في ايجاد حلول بقدر ما تفكّر في ضمان البقاء أكثر ما يمكن.

ولا شك ان ضغط السّحق الاقتصادي والمعيشي على كل أصناف الأجراء، والفوضى الجنونية للاسعار، والتهاب كل مناحي الحياة بالنسبة للتونسي، تدفع ايضا الاتحاد الى ضرورة البحث عن حلول، خاصة وأن الكثير من منخرطيه ومن قواعده وحتى من الرأي العام يلقي عليه باللائمة، ويحمّله جزءا من المسؤولية، خاصة وأنه من الذين ناصروا التوجّه العام، او العملية السياسية التي جاءت بهذه الحكومة، وكان من الضمانات التي جعلتها تستقرّ وتنجح في بداياتها.

كما لا يخفي آخرون، حتى داخل القيادة النقابية نفسها، مرارة ما يشعرون به من أن نضالهم، أصبح بالنسبة للرأي العام السياسي، وكأنه مجرّد مناورات سياسية يديرها القصر، أو مصلحة نداء تونس، وان العداء مع الشاهد، لا يعدو كونه عداء سياسيا.

وبالتالي فتوقيت الاضراب العام، وحصره في القطاع العمومي تحديدا، في هذه الفترة بالذات، جعل الكثيرين داخليا وخارجيا، يقرؤونه على أساس أنه ضغط سياسي على حكومة الشاهد كي تعجّل بالرحيل.

في حين يرى نقابيون ان آلية الاضراب العام، في حجمها وتكلفتها وانعكاساتها، ورمزيتها التاريخية ايضا، تجعل من غير المنطقي التلويح بها في كل مرة يقع فيها خلاف سياسي مع الحكومة او مع غيرها، وهو ما يجعل من مهمة القيادة النقابية، ليست سهلة، ومعقّدة جدا، في اقناع جمهورها وجمهور التونسيين، بجدوى هذا الاضراب العام، وبالمرتكزات التي انبنى عليها.

فهل تنجح القيادة في هذه المهمة، أم أنها ستدخل في جدال اعلامي حول نجاعة وجدوى الاضراب العام من عدمه، وتضيّع الهدف الاساسي الذي دعت من اجله للاضراب؟.