الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



صيف قائظ مضى ومواسم استنزاف قادمة

حصاد الحكومة سيؤلّب التونسيين


بقلم : منيرة رزقي

مازلت حيا ألف شكر للمصادفة السعيدة ...

لعلها الكلمة التي يستلهمها عموم الشعب التونسي من درويش ويرددونها هذه الايام بعد صيف قائظ ومتقلب المزاج وهم يقفون على اعتاب عودة سياسية.

لازال الشعب التونسي حيا وقلبه نابض رغم كل ما يحاصره من وقائع كفيلة بأن تأتي على اجل اي كائن حي.

عاش التونسيون صيفا ساخنا وعانت جلّ الفئات نقصا فادحا في الماء الذي انقطع في مختلف ارجاء البلاد وعانى الناس من العطش حتى في المناطق التي يفترض انها تاريخيا كانت توسم بالخصب والنماء والرواء.

وليس هذا فحسب بل لعل مجمل التونسيين اكتشفوا لأول مرة ان بلادهم بلا مخزون مائي وانها متعرضة للعطش وهو امر لم يكن ليدور بخلدهم. وهذا ما جعلهم يخافون على قطرة الماء التي تروي ظمأهم لاسيما في ظل تصريحات غرائبية لوزير الفلاحة الذي كان يطل في كل مرة ليبشرنا بالقحط والجفاف.

والخوف على قطرة الماء يوازيه خوف على حبة القمح التي تسد الرمق والتي باتت تأتينا من وراء الحدود وهو ما يجعل رقابنا في يد الغير يتحكم فيها كما يحلو له وقد قال الحكماء لا خير في أمة تأكل من وراء البحار.

إذن مازال التونسي حيا رغم ان قوته مهدد فبعدما باتت اللحوم الحمراء والاسماك من قبل الترف ولحقتها اسعار الدجاج التي ركضت بشكل محموم باتت الغلال والخضر ايضا من الكماليات ويكفي ان نلاحظ اسعار التين هذه الصائفة التي تجاوزت سقف العشر دنانير وسط ذهول المستهلك والفلاح على حد سواء تماما كما لم يستمتع التونسي بالدلاع النكهة الرسمية للصيف والتي لا يعرف عموم التونسيين لذة الصيف دونها والتي عملت شبكات التهريب واغنياء الحرب على حرمانهم منها بعد ان قفزت تسعيرتها بشكل مذهل.

ولم يعد من الغلال شيء متاح ما عدا التين الشوكي الذي يرابط به بعض التجار في مداخل الاحياء.

مازال التونسي يتنفس اذن رغم ان الهواء بات شبه خال من الاكسيجين في ظل تلوث غير مسبوق تعيشه بلادنا.

واختفى وزير البيئة الذي بشرنا بأنه سيحقق لنا جودة الحياة بمجرد ان جعلنا نقتني اكياس البلاستيك من الفضاءات التجارية بدل ان تقدم لنا مجانا.

كما بشرنا بأن جهاز الشرطة البيئية الذي لا نعرف له دورا حتى اللحظة سينقذنا من كمّ الفضلات التي تحاصرنا في كل مكان وهو ما لم يحدث حتى اللحظة وبات وزير البيئة كزميله وزير الفلاحة عنوانا من عناوين حكومة الفشل.

ويكفي ان نتأمل شواطئنا التي باتت مصبات للفضلات ومطارنا الذي لا يختلف في شيء عن اي محطة نقل شعبي في قرية معزولة حتى ندرك عمق الازمة التي تردينا فيها في ظل غياب ارادة سياسية حقيقية لتغيير الاوضاع.

كما عجزت وزارة البيئة لم تفلح المجالس البلدية المنتخبة حديثا والتي علقنا عليها آمالا في ان تحدث امرا ايجابيا في ان تقوم بادوارها وهي التي انخرط بعضها في قضايا جانبية من اهمها الوصاية على الحياة الخاصة للتونسيين وعلى معتقداتهم الدينية ونموذج رئيس بلدية الكرم يغني عن اي تعليق.

عاش التونسيون ايضا على وقع ازمة كبرى في مجال الدواء وترددت صرخة الاطباء المحذرة من تداعيات هذا الامر في وادي غير ذي زرع امام لامبالاة المسؤولين وعجز المؤسسات الاستشفائية على تأمين الدواء للمرضى ولم يجد التونسيون من حل سوى البحث عن رقم هاتف سائق وزير الصحة باعتباره المنقذ والحل السحري للحصول على الادوية المفقودة.

يحدث هذا في ظل تصريحات اقرب الى الفكاهة من قبل الوزير المؤتمن على صحة التونسيين والذي ابان عن عجزه وعجز حكومته عن اداء الادوار الموكولة لهم.

حاول التونسيون ان يتمسكوا بتلابيب فرحة الحياة كما قال الزعيم بورقيبة رغم الازمة المالية الخانقة والاحتقان الاجتماعي.

رغم كل المنغصات تسلوا قليلا ببكيني نرمين صفر الذي اطلت به يوم عيد الجمهورية وهي تتلفع العلم لتعايدهم وتسلوا اكثر بالمهرجانات التي انخرطت في طاحونة الشيء المعتاد وقدمت لعشاق السهر نجوما بالعملة الصعبة اثثوا هذه السهرات للتدليل على نجاح الوزير الدكتور الذي فشل في ارساء دعائم سياسة ثقافية تتسق مع اللحظة الراهنة بكل خصوصياتها وبالتالي انضاف الى قائمة الوزراء الاكثر فشلا في حكومة عنوانها الوحيد هو الفشل وارتهان الارادة الوطنية للخارج.

وفي ظل مقدرة شرائية مهترئة لم يتمكن التونسي من الاقبال على موسم التخفيضات الصيفي الذي اشتكى التجار فيه من الكساد والحقيقة ان عموم التونسيين باتوا معنيين اكثر بتأمين لقمة العيش قبل اي شيء اخر.

مر عيد الاضحى وسط مرارة المتقاعدين الذي بنوا الدولة بعرقهم وكفاحهم ولكن هذه الدولة التي باتت محكومة بالهواة والمغامرين والطامحين تخلت عنهم وتركتهم لوحدهم في شيخوختهم.

كما تعالت الاصوات المنادية ككل سنة بأن يقوم التونسي الراغب في الحج بأعمال خيرية في بلده تخفف وطأة الفقر الذي تنامى بشكل كبير على بعض المحرومين بدل ضخ اموال بالعملة الصعبة على بيت المال السعودي الذي يذهب خراجه الى العم سام.

واثار هذا الامر انقساما كبيرا بين التونسيين تماما كما كان تقرير الحريات الفردية والمساواة مثار جدل وانقسام وصل الى حد التكفير والاتهام بالزندقة ووجد التونسي نفسه محشورا في دوائر قضايا متصلة بالهوية والدين وهو المربع الاول الذي خلنا اننا تجاوزناه وقطعنا معه منذ ان كتبنا الدستور.

مازال التونسيون احياء رغم مرور مواسم استهلاك قاصمة للظهر بدءا بشهر رمضان وعيد الفطر ثم مواسم الاعراس والخلاعة الصيفية وصولا الى عيد الاضحى ومن ثمة العودة المدرسية التي تطرق الابواب.

مازالوا يتنفسون وان بصعوبة رغم الزيادة المشطة في الاسعار لكل المواد تقريبا وآخرها المحروقات وبشكل يفوق كل تصور. وهي الزيادة الوحيدة التي تحدث في تونس في ظل عودة دولة المجبى بكل مقوماتها.

ولأن علي بن غذاهم حي في الذاكرة وايضا في الشخصية القاعدية التونسية فإن الاحتجاج والرفض هو طريقتنا الوحيدة لنقول لا لكل من يحاول ان يقتل رغبتنا في الحياة وان يحاصرنا بكل الأسباب ونظل نردد دوما مع درويش:

مازلت حيا ....