الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



دفع فاتورة دم مزدوجة زمن الحرية وزمن الاستبداد:

اليسار كاد أن يكون البديل ...لولا ...


بقلم: منيرة رزقي

مشهدية جنازة الشهيد شكري بلعيد التي كانت مليونية مشى فيها عموم التونسيين الذي بكوه بقلوب دامية سواء أولئك الذين اشتركوا معه في القناعات والنضالات وحتى أولئك الذين كان يربطهم به خيط رافع من نوع آخر وهو الذي شاركهم في همومهم وأشواقهم إلى الحرية والكرامة. والمشهد ذاته مع تغيير في التفاصيل تكرر في جنازة الشهيد محمد البراهمي.

 

 

 

في تلك اللحظات التاريخية الملتبسة بالحزن والغضب خيّل إلى بعض المتفائلين أن اليسار التونسي سيكون هو الورقة الرابحة بل هيئ لبعض الحالمين أن التونسيين سيصبح مجملهم يساريين يلتقون حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا التيار السياسي.

فوحده اليسار دفع فاتورة الدم مزدوجة زمن الحرية تماما مثل زمن الاستبداد وهو الذي قدم قربانا للثورة زهرة شبابه وعنفوان رجاله ووحده كان يمكن أن يكون البلسم لجراح الفقراء والمستضعفين في الأرض.

كان الرهان كبيرا وكانت الأحلام شاهقة ولاحقا كانت الصدمة كبيرة بحجم كل الإنتظارات والأحلام المؤجلة وأدرك الجميع أن للفعل السياسي حسابات أخرى..

واليوم وبعد ما يربو عن عقد من الزمن من عمر الثورة التونسية التي كان اليسار أحد أعمدتها وأحد أبرز الذين مهدوا لها ولم تكن شعاراتها العفوية سوى شعارات اليسار ذاته الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية أي أثر لليسار وأي تأثير له؟

الحصيلة كرسي يتيم في البرلمان لا يؤثر في التوازنات حتى وان كان صاحبه النائب المنجي الرحوي قويا وواضحا ولا يساوم عن المبادئ. والمشهد تتصدره أحزاب أخرى تتعارض جوهريا مع اليسار اختار التونسيون أن يصوّتوا لها ولهم تبريراتهم في ذلك أما الزعيم التاريخي لحزب العمال وأحد أبرز رموز اليسار فبقدر ما كانت نتائجه في الانتخابات الرئاسية لعام 2014 مبشّرة بقدر ما كان السقوط مدويا في انتخابات 2019 التي خاضها اليساريون مشتّتين حد التناحر بعد أن تشظّت الجبهة الشعبية.

فلماذا خسر اليسار معركته وهو الذي كان يمكن أن يكون الطريق الثالث وقد كانت الكثير من المؤشرات تقول ذلك لخلق توازن في مواجهة الإسلاميين والدساترة ؟

وهل أن فشل اليسار في القيام بالمراجعات الكبرى اللازمة في الوقت المناسب قد حال دون تبوئه المكانة التي يستحقها والتي تنتظرها البلاد منه؟وهل مرض الزعامات وتورّم «الأنا» كما يقول بعض الدارسين قد قاد إلى الانهيار العظيم؟

يبدو أن اليسار حتى اللحظة لم يدخل زمن العقلنة والبراغماتية التي تجعله يستفيد من المناخات المتاحة له ويوظف الوقائع لفائدته ولذلك يكتفي رموزه بتقديم آراء انطباعية موغلة في طوباويتها حول ما يحدث دون أن يكون له تأثير يذكر في صناعة المشهد أو حتى التأثير فيه ولذلك يفوّت على نفسه وعلى تونس فرصة تاريخية يمكن القبض عليها وتوظيفها.

وهذا قطعا يعود إلى ان القوقعة التي وضع نفسه فيها حالت دونه ودون القيام بالمراجعات الكبرى المؤسسة ويكفي أن ننظر إلى التجارب المقارنة لندرك عمق المأزق الذي تردى فيه. والحقيقة أن الزعامات التاريخية لهذا التيار السياسي تتحمل المسؤولية كاملة لكل المآلات فهي التي استحوذت على القيادة ولم تترك المجال لأفكار ورؤى الشباب الصاعد وخنقت أحلامه في التغيير، هذا الجيل الذي غادر الإيديولوجيا إلى المنطق.ورفضت كل أشكال المراجعة والنقد حتى باتت ممجوجة سواء داخل هذا التيار الفكري نفسه أو لدى الفئات المتعاطفة معه والمؤمنة باليسار كفكرة قادرة على التغيير والفعل.

وصفوة القول إن المشهد التونسي اليوم الذي يبدو خاليا من اليسار تقريبا ولا يظهر فيه إلا على شكل أصوات متناثرة هنا وهناك هو ما جعله «ظاهرة صوتية» لا غير وقاد إلى الخسارات الكبرى التي كانت ثقيلة عليه وعلى المتعاطفين معه وخاصة على تونس التي كان يمكن أن يكون البديل القادر على انتشالها من أزمتها ولكن هيهات...