الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في الواقع وفي الفضاء الافتراضي

لماذا «يلاحق» النهضويون قيس سعيّد.. ؟!


بقلم: مراد علالة

من يستحضر الدور الثاني للانتخابات الرئاسية في تونس 2019 يتساءل عن سر تزكية النهضة للمترشح “المستقل” قيس سعيد بدل باعث حزب قلب تونس نبيل القروي بعد سقوط مرشح الحركة عبد الفتاح مورو في الدور الاول وتلميحه الى أنه كان ضحية إخوته الذين لم يكونوا حاسمين في ترشيحه في وقت مبكر ودعمه خلال الحملة الانتخابية الأمر الذي شجعه على إعلان “التقاعد” السياسي في هذه المرحلة وهو قرار قد يكون قابلا للمراجعة مثلما تعودنا في سلوك الاسلاميين رغم التاكيد الصارم والتمسك هذه المرة باللاعودة.

 

والتزكية في المطلق تعكس تقاربا وتوافقا في المصالح أو القناعات أو الحسابات الخاصة وتفرض حدا أدنى من الانسجام ومن الالتزام بالعلاقة "التشاركية" ان جاز القول والانضباط في احترام مقتضياتها وهو ما لم نلمسه صراحة في علاقة النهضة والفائز برئاسة الجمهورية قيس سعيد منذ اليوم الأول لولوجه قصر قرطاج.

ويتذكر الجميع كيف شق رئيس النهضة الذي أصر على رئاسة البرلمان وبالتالي الجمع المثير للجدل بين الرئاستين، وأعلن على الملإ أنه يمسك بالسلطة الأصلية وسيكون "رئيس كل التونسيين" وهذا تصريح مجانب للصواب لان رئيس التونسيين وفق الدستور هو رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب.

وبمرور الأيام "تمرد" رئيس مجلس نواب الشعب واستولى على حيز من صلاحيات رئيس الجمهورية مما كلفه جلسة مساءلة تحت قبة البرلمان اعتذر في نهايتها المشوقة وتعهد بلزوم ما يلزم في المستقبل.

ونتذكر ايضا انه بعد فشل حكومة حركة النهضة بقيادة الحبيب الجملي في نيل الثقة وتزكية رئيس الجمهورية لشخصية لم تخترها النهضة وهي الياس الفخفاخ لتشكيل حكومة ثانية حرصت أحزاب بعينها على وصمها بحكومة الرئيس وهو توصيف ايضا مجانب للصواب، دخلت معه الحركة في ما يمكن ان نسميه لي ذراع مع قرطاج.

وتسارعت الأحداث بنفس سرعة اتساع الفجوة بين قرطاج ومونبليزير وبلغت الأمور ذروتها مع استقالة حكومة الفخفاخ وإقالة وزراء النهضة من الحكومة المستقيلة ووصول عريضة سحب الثقة من راشد الغنوشي على رأس البرلمان.

في غضون ذلك استماتت الحركة عبر هياكلها وخصوصا مكتبها التنفيذي ومجلس الشورى في "ملاحقة" الرئيس فأملت شروطها في البداية وروجت للائحة سحب الثقة من الحكومة وتمسكت بعرضها على الجلسة العامة ثم جنحت للتهدئة وسلمت بالامر الواقع وقدمت مواصفات رئيس الحكومة الذي تبتغيه واقترحت في اطار ذلك اسمين أحدهما سبق وان اعترضت هي نفسها على توزيره زمن الترويكا والثاني أقيل في الحكومة التي كانت تسيطر عليها قبل انتخابات 2019 كما سقط من خيارات رئيس الجمهورية في المرة السابقة فما الذي تغير؟

لم تقف الامور عند هذا الحد في الواقع، فقد تحول الفضاء الافتراضي الى ميدان مواجهة افتراضية مع ساكن قرطاج ولا نقصد هنا ما يعبّر عنه بالذباب الأزرق وبالصفحات المحسوبة على الحركة وإنما التصريحات الإعلامية وتدوينات قادة النهضة في صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

بالامس مثلا وقبل ساعات من كشف رئيس الجمهورية لاسم الشخصية التي اختارها لتشكيل الحكومة، تواترت تصريحات النهضويين لتحديد مربع خيارات رئيس الجمهورية فالغنوشي مثلا تكلم بـ«عفوية» عن وزير العدل السابق محمد صالح بن عيسى وقال انه وقع استبعاده سابقا في 2014 «ورُفض». !

في المقابل، روج الغنوشي للخصال الاقتصادية الواجب توفرها في ساكن القصبة قائلا إنه مع رجل الاقتصاد الذي يحظى بموافقة أغلب الأحزاب، ليس ذلك فحسب ذكّر ساكن قرطاج باهمية احترام ما أفرزته الانتخابات.

هذه الفكرة عبرت عنها ايضا القيادية يمينة الزغلامي التي تمنت أن يختار رئيس الدولة شخصية عليها توافق برلماني واسع حسب قولها. · 

الأغرب من كل هذا ما أتاه القيادي علي العريض أمس الذي، بدل طرح الأمر داخل التنظيم واتخاذ الموقف المناسب في الاطر المناسبة، فجر على صفحته الخاصة موضوعا له ابعاد وقراءات وتداعيات ودلالات جمة حيث كشف ما لم يكشفه رئيس الحركة الذي هو رئيس مجلس نواب الشعب أو رئيس كتلة حركة النهضة أو من يمثل النهضة في مكتب المجلس علاوة على "ديوان الرئيس"، كشف أن رئيس الجمهورية قيس سعيد اعتذر عن الحضور في الاحتفال بعيد الجمهورية في رحاب المجلس.

والاهم من ذلك في تقديرنا أن علي العريّض النائب الاول لرئيس النهضة دعا رئاسة الجمهورية  لتوضيح أسباب اعتذار الرئيس قيس سعيد عن حضور الاحتفال بالذكرى 63 لعيد الجمهورية بمقر مجلس نواب الشعب حتى لا يتجه التأويل إلى اعتبار ذلك موقفا من المجلس وخلطا بين ضرورة احترام الأعراف والمواقف الخاصة من أشخاص أو مؤسسات.

هكذا دخل علي العريض وبشكل غير مسبوق في "الملاحقة" الجارية بين النهضة والرئيس قيس سعيد ويبدو ان هذه الملاحقة ستزداد تشويقا وتعقيدا بمرور الايام وتداخل المسارات الحكومية والبرلمانية وكما يقال إذا عُرف السبب بطل العجب.