الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



معهد صالح عزيز لأمراض السرطان :

بين تردّي الخدمات ونقص التجهيزات ...لماذا تعطّل مشروع التأهيل؟



إعداد :منصف العويساوي

ما إن تطأ قدمك قسم العيادات الخارجية لمعهد صالح عزيز للأمراض السرطانية اليوم حتى تلحظ طوابير طويلة اصطف فيها رجال ونساء وأطفال من كل الأعمار والجهات ، رابط وحيد بينهم هو البحث عن شفاء لمرضهم أو تشخيص دقيق يساعد في ذلك، هؤلاء هم المصابون بالسرطان، وهم يؤلفون مجتمعاً مصّغرا متنوعا ،يؤرقه المرض ويخيفه غياب أطباء الاختصاص وتستنزفه تكاليف العلاج الباهظة، وتجد أغلب هؤلاء في أروقة مستشفى صالح عزيز في العاصمة ، جالسين مكفهري الوجوه، كلّ أتى حاملاً مرضه، آملاً في الشفاء، لكن سرعان ما تتضاعف مخاوف المرضى عند مرور الساعات الأولى من الانتظار ببهو العيادات الخارجية خاصة مع العدد الهائل للمرضى والذي يعد بالمئات يوميا، ويتضاعف قلقهم عند سماعهم عن عطب أو عدم توفر لآلة «السكانار» أو بعض التجهيزات الأخرى الخاصة بكشف وتشخيص مرض السرطان،أو عدم وجود سرير شاغر للإقامة وفقدان قسم الإنعاش والتبنيج.

معهد عريق ، يصبح اليوم مصدر قلق وإزعاج لهؤلاء المرضى خاصة مع عدم قدرتهم المادية على مجابهة مصاريف العلاج بالعيادات الخاصة، هذه الوضعية لمعهد صالح عزيز وصفها أهل الاختصاص بـ «الكارثية».

فما هى الأسباب الحقيقية وراء تردي خدمات معهد صالح عزيز للأمراض السرطانية والذي أصبحت طاقت استيعابه اليوم لا تمثل إلا 10 بالمائة؟ ولماذا تعطّل مشروع تأهيل هذا المعهد؟ وهل يرجع ذلك مثلما أشيع، الى وجود نية لخوصصة هذا القطاع ومزيد تغوّل المصحات الخاصة عبر قوانين مقنّعة؟

في معهد صالح عزيز بالعاصمة الجميع متعب جراء المرض والتنقل وقلة الحيلة، حيرة ممزوجة بخوف رهيب ترتسم على أغلب المرضى وحتى المرافقين لهم من عائلاتهم، فلا مقاعد المستشفى تستوعب هذه الأعداد الهائلة من المرضى يوميا ولا التجهيزات متوفرة للقيام بالفحوصات اللازمة للمرضى الذين اختاروا المستشفى العمومي للعلاج لضعف إمكانياتهم المادية،كما اختار كثيرون افتراش الأرض، في انتظار أدوارهم.

معاناة ومشاكل لا متناهية..

في أحد أركان معهد صالح عزيز وذات خميس، جلست فتحية الزايدي ذات الواحد والعشرين ربيعا على سرير بال قادمة من معتمدية حاجب العيون للقيام بفحوصات على سرطان الثدي الذي تعاني منه منذ السنتين تقريبا،لم تتدّخر اللجنة الطبية بمعهد صالح عزيز جهدا بل قامت بكل ما يلزم من فحوصات وتشخيص للمرض،وتم بعدها إحالتها على المستشفى الجامعي بصفاقس لاستكمال العلاج الكيميائي إلا أنه سرعان ما وافتها المنية أيام قلائل قبل عيد الأضحى المبارك،بسبب التطوّر السريع لمرضها واستحالة القيام بالتدخل الجراحي وفق ما أكده لنا الأطباء المشرفين على حالتها.

فتحية الزايدي مثلها مثل الآلاف الذين يموتون سنويا جرّاء هذا المرض الخبيث الذي لا يستأذن قبل المداهمة والقضاء على «فريسته»،وهو ما يتطلب مجهودات إضافية من الدولة في إطار الإحاطة بالطبقة الفقيرة التي تعاني الأمرين سواء في عدم دراية أغلبهم ان لم نقل «جلهم» بطرق الكشف المبكر واللامبالاة بهذا «المارد،القاتل» نتيجة حالة الأمّية لدى أغلبهم والوضعية الاجتماعية الهشة التي تعيشها هذه الطبقة، واستحالة التجائها عند الحاجات القسوة والحرجة إلى المصّحات الخاصة وذلك لتكاليفها الباهظة إن كان ذلك على مستوى التشخيص والقيام بالفحوصات اللازمة أو عند التدخل الجراحي.

وفي اغلب الأحيان يضطر اليوم كثيرون من المرضى رغم عدم قدرتهم المادية ومحدودية دخلهم إلى إجراء فحوصات أولية في مستشفيات خاصة ،وذلك بسبب الاكتظاظ الذي يشكو منه معهد صالح عزيز للأمراض السرطانية،حيث يؤكد عديد الأطباء الذين التقينا بهم أن المرضى في بلادنا يعانون من مشاكل متابعة العلاج والانتقال إلى تونس العاصمة للعلاج الكيميائي،وحالة فتحية الزايدي التي توفيت أياما قليلة قبل عيد الأضحى لهذه السنة نموذج على ذلك.

مشروع معطّل !!

الوضعية المزرية للأقسام والمراكز الخاصة بمعالجة أمراض السرطان في تونس دفعت الإدارة العامة لمعهد صالح عزيز والإطار الطبي ( اللجنة الطبية) منذ فترة إلى إعداد مشروع جديد لتأهيل المعهد بتكلفة جملية تناهز 10 مليون دينار وتم تقديمه خلال الأشهر الماضية إلى وزارة الإشراف ،وحسب المعلومات التي تحصلت عليها جريدة «الصحافة اليوم» فان هذا المشروع حظي بموافقة الوزارة وهو حاليا على مستوى وزارة المالية ومن المنتظر أن يتم عرضه لاحقا على أنظار لجنة المالية والصحة بمجلس نواب الشعب للمصادقة عليه.

هذا المشروع يمكن أن يمثل متنفسا للمعهد باعتباره مرجعا في معالجة مرضى السرطان ووجهة جميع المرضى من كافة ولايات الجمهورية التونسية رغم مجهودات الدولة في تكريس لامركزية العناية بمرضى السرطان وذلك بانجاز عدة مراكز في كل من ولايات سوسة وجندوبة وصفاقس فضلا عن مركز جديد في ولاية نابل وهو حاليا في طور الانجاز.

إن تعطيل هذا المشروع لا مبرر له اليوم خاصة في ظل ما تعانيه المستشفيات العمومية من نقص في أطباء الاختصاص ونقص في التجهيزات المتطورة المخصصة للتشخيص والكشف المبكر عن هذا المرض الخبيث، بل إن المصادقة على هذا المشروع الجديد من شانه أن يرجع بالنفع أولا على المرضى من خلال تحسين ظروف الرعاية وتوفير الحد الأدنى للمريض و المناخ السليم لعمل الطاقم الطبي وشبه الطبي، خاصة أمام ما يعيشه المعهد من حالة اختناق واكتظاظ غير مسبوقة نتيجة ارتفاع الوافدين عليه من المرضى والذين يعتبرون في وضعية حساسة على المستوى النفسي وحتى على نوعية هذا المرض «القاتل» والذي يتطلب في اغلب الأحيان الدقة في التشخيص والتدخل السريع و الحيني...

وفي سياق متصل أكد الدكتور خالد رحال رئيس قسم جراحة الأمراض السرطانية ورئيس اللجنة الطبية بمعهد صالح عزيز في تصريح خاص لـ “الصحافة اليوم” أن الاكتظاظ الموجود اليوم بمعهد صالح عزيز وارتفاع عدد المرضى من سنة إلى أخرى واستقباله المئات من المرضى يوميا يستوجب التسريع في انجاز مشروع تأهيل معهد صالح عزيز للأمراض السرطانية.

وأبرز رئيس اللجنة الطبية بمعهد صالح عزيز أن الجزء الأول من مشروع تأهيل المعهد يتمثل في “التوسعة” من خلال تحويل قسم العيادات الخارجية لفضاء ملاصق لمكان المعهد الحالي وذلك من أجل تحسين ظروف الإحاطة بالمرضى وعائلاتهم ( المرافقين)،وفي نفس الوقت تحسين ظروف عمل الإطار الطبي وشبه الطبي الذين يعملون في ظروف أقل ما يقال عنها أنها رديئة جدا.

أما الجزء الثاني من المشروع فيتمثل في تهيئة معهد صالح عزيز من خلال تحويل المستشفى النهاري ليأخذ مكان العيادات الحالية وذلك في نطاق تحسين ظروف العناية بالمرضى، فضلا على انجاز قسم التخدير والإنعاش الذي يفتقر إليه المعهد.

وهناك تمش ضمن هذا المشروع لتركيز قسم الإنعاش و التخدير والذي يمثل مشكلة أساسية في الوقت الراهن بمعهد صالح عزيز الذي يشتمل على 200 سرير ويقوم بأكثر من 10 آلاف عملية جراحية في السنة بين قسم الجراحة وقسم الحنجرة والأنف والذي يعمل به إلا طبيب فقط مختص في التخدير والإنعاش، وسيشمل مشروع التأهيل أيضا توفير كافة التجهيزات اللازمة على غرار آلة الكشف بالنووي “البيتا سكان” وتجديد آلات الكشف بالأشعة .

وبالتوازي مع مشروع تأهيل معهد صالح عزيز علمت «الصحافة اليوم» إن هناك مشروع آخر يتمثل في انجاز إقامة مستقلة لمرضى السرطان بالتعاون مع دولة الكويت وتم استكمال كافة الدراسات بخصوصه وسيتم تركيزه في منطقة بن عروس من ولاية تونس العاصمة.

وحسب المعلومات التي تحصلت عليها جريدة «الصحافة اليوم» فان مشروع تأهيل معهد صالح عزيز سيتم على مرحلتين، وستنطلق المرحلة الأولى بانجاز الدراسات مع نهاية 2019 .

كما سيتضمن أيضا مشروع التأهيل وحدة للأرشيف المركزي وذلك بهدف حفظ ملفات المرضى واحترام المعطيات الشخصية وهوية المريض وتسهيل عملية متابعة الملفات وتفادي إتلافها، حيث تمثل هذه المسالة أحد معضلات المعهد،و تقوم إدارة المعهد حاليا - نظرا لضيق المكان- بحفظ الأرشيف عن طريق تسويغ محلاّت ومنازل قريبة من مستشفى صالح عزيز ،هي في الأصل غير مهيأة وتتسبب هذه الوضعية في بعض الحالات في إتلاف ملفات المرضى مما ينتج عنه تشويه صورة المعهد وفق مصدر مسؤول من الإدارة العامة للمعهد.

وعلمت «الصحافة اليوم» أنه بالتوازي مع هذا المشروع الجديد الخاص بتأهيل معهد صالح عزيز انطلقت الإدارة العامة في عملية رقمنة الملفات والتي من شانها حماية المعطيات الشخصية وتسهيل الحصول على المعلومة من قبل الطاقم الطبي.

نية مبيّتة للخوصصة !!

وفي سياق متصل أكد مصدر نقابي مطلّع في قطاع الصحة العمومية أن ما يحدث اليوم في قطاع الصحة من نقص في الخدمات والتجهيزات الضرورية يحول دون قيام الأطباء بواجبهم المهني وضمان التدخل الناجع، والذي يقابله ارتفاع متواصل سنويا في عدد المرضى في إشارة إلى أن هذا الوضع يترجم بما لا يجعل مجالا للشك تراخي الدولة ورفع يدها عن هذا القطاع العام الحسّاس،وهو ما يحدث في جل القطاعات العمومية الأخرى كالتعليم والنقل.

وأوضح مصدرنا النقابي أن من مظاهر رفع يد الدولة عن هذه القطاعات العمومية تردي الخدمات الصحية ونقص التجهيزات والتخفيض في الميزانية المخصصة لقطاع الصحة وهو ما فتح المجال شاسعا إلى القطاع الصحي الخاص لمزيد «التغوّل» وامتداد وانتفاخ القطاع الخاص على حساب القطاع العام تحت غطاء «قانوني».

وأضاف مصدرنا أن غياب طب الاختصاص في المستشفيات العمومية في مختلف الجهات وطول المواعيد المقدمة للمرضى والتي تصل في اغلب الأحيان إلى السنة يؤكد أن هناك خطة ممنهجة لتوجيه المرضى للقطاع الخاص مشيرا الى أن هذه السياسة هي بمثابة الخوصصة «المقنعة» وهناك توجه فعلي لخوصصة قطاع الصحة العمومية يتم تنفيذه على مراحل ووفق خيارات سياسية عامة للدولة قائلا « هناك اليوم مخطط واضح لتدمير القطاع الصحي العمومي ويقف وراءه عدد من رجال الأعمال الذين يريدون الاستثمار في هذا القطاع ».