الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بعد الأمن الموازي... والاقتصاد الموازي... والتعليم الموازي :

دولة دينية... مُوازية


بقلم: خليل الرقيق

حين يحل المشايخ محلّ المؤسسات ويبطل المُنَصّب بالبيعة أحكام المنتخب بالصندوق، تتداخل الأشياء حتى لكأنك ترى دولة داخل الدولة، أو أنك ترى ببساطة سطوا على المنظم من الموازي...

ارتأى ما أسمي بمجلس علماء الزيتونة أن يجرّم المساواة في الإرث، وأن يعلن «حربا» على ما أسماه مخالفة النصوص الشرعية القطعية، ولسنا ندري من أين جاء «جهابذة» الفقه بهذه اليقينيّة التي وقف ضدّها أهمّ الأكاديميين والمختصين والحال أن بعضهم اشتهر بعلاقة وطيدة مع التعبيرات الذهنية الأشد تطرّفا في منظومة الإسلام السياسي، أو لعل بعضهم تجاوز الذهني الى العملي حين حثّ «المجاهدين» على السفر لبؤر التوتّر، وهو مقلد آنذاك بتاج وزارة الدين.

لنتساءل أولا ، من له حقّ المبادرة التشريعية في دولة مدنية؟ أهو المؤسسات المنتخبة التي اختارها المواطنون على أساس معيار التمثيلية، أم هو الجماعات والجمعيات والمجالس التي إصْطَفَتْ نفسها على أساس معيار الفئوية؟

وان حصل وعوّضت هيئة إفتاء موازية، هيئة إفتاء رسمية كما نرى هذه الأيام ونسمع، فأي مشروعيّة للحديث أصلا عن الدولة؟

ربما ساهم التشتيت المتعمّد لمراكز القرار في زمن «الغيبوبة الانتقالية» أثناء حكم الاسلاميين للبلاد، في نشر ثقافة الموازي على أوسع نطاق... ولقد ذقنا من الموازي ما تنوء بحمله الجبال: الأمن الموازي والتعليم الموازي، والاقتصاد الموازي، لكن أن يصل الأمر الى اتحاد كلّ هذه الأنواع في دولة موازية، فهذا كثير...

والقول بالدولة الدينية الموازية، يتجاوز حدّ المشايخ والأئمة المعزولين الفاقدين أساسا للصفة الرسمية، ويصل الى هياكل رسمية تتربع في قلب مؤسسة الحكم.

وبالرغم من اختلاف النبرة بين حركة النهضة الحاكمة، الرّافضة لمبدإ المساواة الكاملة بين الجنسين، وبين مجلس المشايخ الذي أسند لنفسه تعسفيّا وظيفة الإفتاء، فإن تواشجا مريبا بين الطرفين صار يشي بتنويع مراكز الضغط حول الدولة، وخنقها بطرق مختلفة لتنصاع الى مشيئة البنى الذهنية المتزمتة، ويتغيّر جلدها قسرا.

وليس غريبا على من حذف من روحية الدين مقولات الشفقة والرحمة والمودّة والتعايش وقبول الآخر، وحوّله الى مجرّد «قانون عقوبات»، أن يكفّر رئيس جمهورية لمجرد أنه استعمل الحق الدستوري في تفعيل مدونة الدولة المدنية باتجاه تطوير مضامين المساواة بين الجنسين.

وسمة التكفير واضحة جلية فيما تضمنه بيان المشايخ بقيادة الوزير السابق نورالدين الخادمي، فالقول أن «ما جاء في كلام السيد رئيس الجمهورية يعد طعنا صريحا في ثوابت الدين»، يعدّ قمة في التحريض، إن لم نقل استباحة الطرف المقابل، بالتّعويل على انفعالية «الجمهور» المغيّب والمشحون ضدّ النخبة المثقفة، وضدّ أي ملمح تجديد أو تحديث للدولة والمجتمع... إنها دعوة صريحة لإخراج المختلف في الرأي من الملّة.

والأكيد أنّ هذه الدعوة رغم اختبائها وراء مقولات تعاليم الإسلام، هي دعوة فئوية ليس إلاّ، ولا تمثل بأي حال موقف رجال الدين التونسيين، ومن ضمنهم المنضوون في نقابة الأيمة التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، والتي لم يصدر منها أيّ موقف تحريضي أو عدائيّ، وكذلك جامعة الزيتونة نفسها كمؤسسة علمية، والتي لم تعارض النقاش فيما يمكن ان يفضي الى تطارح بنّاء للقضايا الخلافية.

أمّا أن يحلّ «مجلس» أسند لنفسه الإفتاء الحصري محلّ سلطة التشريع المؤسساتية، ومحلّ أهل العلم، والنظر والإجتهاد، فهذا هو عين السّطو على صلاحيات واختصاصات الغير.

24 مختصّا في «الشريعة»، هل يمثلون كلّ مسلمي تونس؟ هل يمثلون كلّ علماء الشريعة في تونس؟ وقبل هذا وذاك من الذي أسند لهم مهمّة الإفتاء...

نعود هنا، الى ذلك التوزيع الأخطبوطي لمراكز الضغط، والذي غذته إرادة سياسيّة من الذين حكموا تونس إبّان استحقاق 23 أكتوبر 2011، وهو توزيع يسمح لمجموعات الضغط المنفلتة بالعمل لفائدة جهات رسمية دون تحميلها التبعات السياسية والقانونية للفعل الموازي للدولة.

كل هؤلاء «العلماء» المزعومين اشتغلوا في ماكينة حركة النهضة، وبغير صفة تمّ عزل عدد منهم من الإمامة في الزمن الذي كان فيه المفتي الحالي للجمهورية وزيرا للشؤون الدينيّة. لقد كان ذلك بعنوان إعادة هيكلة المساجد الخارجة عن سلطة الدولة، ولا غرابة أن يكون من بين من شملتهم الإجراءات وزير سابق برتبة محرّض على «الجهاد»...

والحقيقة أن تواصل المعركة الآن لا يُختزل في خصومة بين عثمان بطيخ المفتي الرسمي، و«مجلس العلماء» المفتي بـ«القوة»، بل بتمظهر في صراع بين الدولة كمؤسسة رسمية ذات مرجعية مدنية، وبين نموذج مضادّ لمدنية الدولة.

والمفارقة في تونس، هي أن هذا النموذج المضاد، والمشتق أساسا من مدوّنة «دولة الخلافة»، يرتبط بصلات وثيقة مع تعبيرة رسمية داخل الدولة هي حركة النهضة، بل ويعتبر يدها الطّولى في المعارك المباشرة داخل الشارع التونسي، ولا غرابة إذ تزامنت تلك المظاهرة «التكفيرية» ليوم 11 أوت 2018، مع التغير الكلي في الموقف النهضاوي من مسألة المساواة في المواريث والمعبّر عنه في بيان مجلس شورى الحركة في دورته الـ21. والذي يبدو جليّا من الأجواء الاستعراضية، ومن العدائية المعلنة والمتصاعدة تجاه مبادرة المساواة والمدافعين عنها، هو أن جماعة الإسلام السياسي بدأت تتحسّس تجريبيّا، قابلية الطيف المدني الديمقراطي لمقاومة عودة التطرّف، وتراهن عمليّا على الفراغات التي يعيشها هذا الطيف، وعلى بنيته المنهكة تنظيميا حتى تكتسح المشهد، وتفرض أحكامها.

وخلاصة القول هنا أن الخلايا النائمة للدولة الدينية، بدأت تفصح تباعا عن مكنونها المضادّ لقيم الجمهورية.

ويبدو أن إشهار «سلاح الهوية» في وجه أيّ مبادرة لتحديث المجتمع، سيكون الورقة التي اختارها التيار الديني للملمة «الأصوات الضائعة» من المخزون الدعوي الذي لعب الدور الرئيسي في اكتساح استحقاق 2011. ومعلوم أن ثمن استعادة هذا الجزء المعنون بـ«الإسلام الغاضب» هو تنازلات عينيّة تقدّمها حركة النهضة، باعادة التموقع داخل الجذر الإ خواني المتعصّب...

وهذا يعني أن استحقاق 2019 سيتفاعل بدوره داخل مناخات استقطاب عنيف ستوظف فيه الحركة الإسلامية رصيدها من الاحتياطي السلفي، والذي لا يتحرّك بدوره إلاّ داخل مناخات العداء المطبق لمدنيّة الدولة.

ومثل «مجالس العلماء» التي تنتصب عشوائيا في الفضاء الديني والمسجدي، تعتبر خطرا حقيقيا على الدولة والمجتمع، ويجب أن تجابه باليقظة الكافية، من طرف المؤسسات والفعاليات المدنية، لما تضمره من خطورة على الاستقرار وعلى السلم الاجتماعي... واذا كانت البواكير بتكفير مؤسسة الرئاسة، فإنّ الخواتيم قد تصل الى تكفير المجتمع بأسره والعودة الى ذات المربع المروّع لسنوات العنف والدّم.

انها «ثمار الموازي» المرّة، تتلوّن وتتنوّع وتتوزع أخطبوطيا، لكنها تتواشج وتتناغم عند نقطة صناعة التخلف.