الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



من رسالة النّوايا الى بيان البعثة:

صُندوق النّقد يحشر الحكومة علنا في مُربّع التبعيّة


بقلم: جنات بن عبد الله

لاول مرة منذ موافقته على اتفاق «تسهيل الصندوق الممدّد» والذي بمقتضاه تحصلت تونس على قرض بقيمة 2.9 مليار دولار، يعلن صندوق النقد الدولي في بيانه الأخير الصادر بتاريخ 31 أوت 2018 اثر الزيارة الاخيرة لبعثته الى تونس التي امتدت من 15 الى 31 اوت 2018 عن تبعية الاقتصاد التونسي للتوريد، داعيا في ذات السياق الى ضرورة التحرك نحو تقليص التوريد واتخاذ الاجراءات اللازمة لذلك، واصفا المساعي التي قامت بها حكومة الشاهد الى حد الآن للضغط على عجز الميزان التجاري بالبطيئة.

ومنذ حكومة «الترويكا» اتخذ عجز الميزان التجاري منحى تصاعديا في ظل صمت مريب من قبل جميع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة بما فيها حكومة الوحدة الوطنية تزامن مع دعوات خبراء اقتصاديين مستقلين تنادي بايقاف نزيف التوريد بشقيه المنظم الذي بلغ مستويات تاريخية وقياسية دمرت قدراتنا الانتاجية في جميع المجالات، والعشوائي الذي يقف وراء اتساع التجارة الموازية التي قضت على كل محاولة لانقاذ الاقتصاد الوطني.

لقد جاء البيان الاخير الصادر عن بعثة صندوق النقد الدولي بتاريخ 31 اوت 2018 مخالفا تماما للبيانات السابقة التي كان يركز فيها على عجز ميزانية الدولة والاصلاحات التي اقرها في هذا الاتجاه في اطار رسالة النوايا التي امضاها وزير المالية في حكومة الحبيب الصيد ومحافظ البنك المركزي السابق واللذين توجها بها باسم الدولة التونسية الى المديرة العامة لصندوق النقد الدولي بتاريخ 2 ماي 2016 حيث التزمت الدولة التونسية بتطبيق برنامج الاصلاحات مقابل الحصول على قرض بقيمة 2.9 مليار دولار. وترمي كل هذه الاصلاحات الى الضغط على عجز ميزانية الدولة في اطار التحكم في التوازنات المالية الداخلية من خلال تجميد الانتدابات والاجور في القطاع العمومي، ورفع الدعم عن المحروقات والترفيع في الآداءات والضرائب واصلاح المؤسسات العمومية.

وفي تناوله لمسألة قيمة العملة الوطنية وعجز الميزان التجاري في برنامجه الاصلاحي وفي باب التحكم في التوازنات الخارجية المرتبطة بعجز الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات والعجز الجاري، كان صندوق النقد الدولي وفيا لتوجهاته الليبرالية التي تقوم على تخريب التجارة الخارجية واعتبارها محركا أساسيا للنمو حيث جاءت توصياته في هذا الباب في تناغم مع مبادئه التي تقوم على رفع كل القيود على التوريد دون مراعاة لخصوصية الاقتصاد التونسي فأوصى في هذا السياق بالتخفيض في قيمة الدينار باعتبار ان قيمته، حسب تقييمه، تتجاوز قيمته الحقيقية وداعيا في هذا السياق إلى تشجيع التصدير كآلية للضغط على عجز الميزان التجاري.

ولئن تجد مثل هذه الوصفة ما يبررها في بعض الاقتصاديات، فان اعتمادها في الواقع التونسي من شأنه ان يفتح المجال امام لوبيات التوريد المنظم والعشوائي للتحكم في المشهد الاقتصادي والسيطرة على المشهد السياسي ومفاصل الدولة واستغلال الادارة لخدمة مصالحها وادخال البلاد في حالة فوضى هدامة لا يمكن محاصرتها بل ان كل الاجراءات التي يمكن اقرارها في اطار الاصلاح تؤدي الى نتائج عكسية كما هو الشأن بالنسبة إلى إجراءات البنك المركزي الرامية الى احتواء التضخم والضغط على الطلب الداخلي والتي فشلت نسبيا في السيطرة على ارتفاع الاسعار.

اننا لا نستغرب توجهات صندوق النقد الرامية الى التحكم في التوازنات المالية الخارجية والتعويل على التصدير كآلية لتوفير الاحتياطي من العملة والضغط على عجز الميزان التجاري وتقليص اللجوء الى الاقتراض الخارجي، ولكن نستغرب هرولة الحكومة او الحكومات المتعاقبة وراء وصفة الصندوق دون التفاوض حول شروط نجاحها وشروط نجاعتها في واقع تونسي فيه معطيات وخصوصيات تختلف عما هو موجود في المستوى النظري او في مستوى اقتصاديات اخر.

لقد أكدنا وحللنا وكشفنا منذ نشر رسالة النوايا بتاريخ 2 ماي 2018 ان مثل هذه الوصفة لا تتماشى مع الواقع التونسي وان التعويل على التصدير للضغط على عجز الميزان التجاري لا يمكن اعتماده في هذه المرحلة بالذات لعدة اعتبارات لعل اهمها طبيعة قانون الاستثمار ومجلة الصرف وطريقة احتساب المبادلات التجارية التي تدمج بين الصادرات الخاضعة لنظام التصدير الكلي والتي لا اثر لمداخيلها في الاحتياطي من العملة الصعبة والصادرات الخاضعة للنظام العام والتي تشكل مداخيلها احد مصادر تعبئة الاحتياطي فضلا عن ضعف قدرتنا التفاوضية مع الاتحاد الاوروبي الذي يقف وراء تدمير ٪55 من نسيجنا الصناعي بسبب اتفاقية الشراكة لسنة 1995 ويقف اليوم لنا بالمرصاد من اجل توقيع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق «الاليكا» في غياب تقييم سيادي لاتفاقية 1995 وارادة سياسية قوية تحتكم للمصلحة الوطنية وليس للمصلحة الذاتية والحزبية.

لقد اكدنا ان الضغط على عجز الميزان التجاري لا يمر اليوم الا عبر الحد من التوريد باعتبار ان قدراتنا التصديرة جد ضعيفة بل انها منعدمة باعتبار ان كل الاجراءات التي اتخذتها الحكومات السابقة وحكومة الشاهد في اطار قوانين المالية ترمي كلها الى اضعاف القدرات الانتاجية من خلال اثقال كاهل المؤسسات الاقتصادية بالضرائب والاداءات الى جانب الترفيع الربع سنوي في اسعار المحروقات والترفيع الدوري في نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي وباعتبار القيود الجمركية وغير الجمركية الموظفة في السوق الاوروبية والضغوط التي تمارسها هذه الأخيرة على تونس حتى لا تبحث عن اسواق جديدة أفضل وتتحرر في هيمنة دمرت كل مقومات انتاجنا الوطني في جميع القطاعات حيث كرّست الاتفاقيات الثنائية بين تونس والاتحاد الاوروبي سياسة المناولة التي استفادت من قانون الصرف ومجلة الاستثمارات لنهب ثرواتنا البشرية والطبيعية والانتاجية وهي صيغة قانونية لتهريب الأموال.

لقد فوتت حكومة الشاهد والحكومات السابقة على تونس فرصة حماية اقتصادنا من نزيف التوريد وتداعياته السلبية على الاقتصاد الوطني.

ورغم تعالي اصوات المنادين بذلك فقد فضلت حماية لوبيات التوريد والاختفاء وراء توصيات صندوق النقد الدولي الذي نعتبر انه قام هذه المرة بعملية تصحيح ومراجعة استندت الى واقع الاقتصاد التونسي والنتائج المسجلة، ودعوته اليوم إلى ضرورة التركيز على تقليص التوريد في بيانه الاخير نعتبره خطوة نحو تشخيص احد الاسباب الرئيسية لتدهور الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد ليبقى السؤال مطروحا هل يتجرأ الشاهد على اعلان حرب على لوبيات التوريد في الداخل والخارج ام ان هـؤلاء هم خط أحمر باستطاعتهم التضحية به عكس الطبقة الوسطى التي اعلن عليها الحرب من خلال الاصلاحات الكبرى الرامية الى الضغط على عجز ميزانية الدولة من خلال الترفيع في الاداءات والضرائب والترفيع في اسعار المحروقات ورفع الدعم عن المواد الاساسية وتجميد الاجور وضرب المرفق العمومي والمؤسسات العمومية بما سلب المواطن كل حقوقه في تعليم عمومي وصحة عمومية ونقل عمومي؟.