الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



المساعدات الدولية لتونس:

لماذا لا تستثمر البلدان الغنيّة في الديمقراطية النّاشئة؟



إعداد : شكري بن منصور

تتجدد الشكوك حول جدية الالتزامات الدولية تجاه تونس بدعم الاقتصاد مقارنة ببعض البلدان الأخرى التي مرت بفترات انتقالية كالتي تعيشها بلادنا. . فالبلدان الخليجية غير المتحمسة كثيرا للثورة التونسية منذ البداية لم تبادر إلى مساعدة تونس بل على العكس من ذلك قامت بتجميد مشاريع عديدة كانت مبرمجة قبل سنة 2011 حتى أن قطر تبقى مساعدتها محدودة مقارنة بالسخاء الكبير الذي تتعامل به مع بلدان أخرى.

أما البلدان الأوروبية التي تعتبر الشريك الاقتصادي الأهم لتونس فقد قام البرلمان الأوروبي بتصنيف تونس في القائمة السوداء لمخاطر غسل الأموال والتهرب الضريبي قبل أن يتراجع عن هذا التصنيف. أما الإدارة الأمريكية الحالية فقد اقترحت للسنة الثانية على التوالي خفض المساعدات الأمريكية لتونس بأكثر من النصف (من 185 مليون دولار إلى نحو80 مليون دولار) وما بين شد وجذب تبقى تونس رهينة هذه المساعدات التي هي في حاجة ماسة إليها في المرحلة الراهنة بسبب ضعف الأداء الاقتصادي وقلة الموارد المخصصة للاستثمار والتشغيل.

وفيما تحصلت مصر على 10 مليار دولار في شكل دعم مباشر وهبات من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان وكذلك لبنان الذي حصد 10 مليارات دولار في مؤتمر باريس الأخير السنة الماضية من فرنسا ودول الخليج يبقى حصاد مؤتمر الاستثمار الذي عقد في تونس ضعيفا خاصة من حيث طبيعة الأموال التي تحصلت عليها بلادنا وهي 11 مليار دولار أي حوالي 34 مليار دينار أغلبها في شكل قروض ميسرة.

فما هي أسباب ضعف المساعدات الدولية لتونس وهل تتم متابعة ومراقبة طرق التصرف في هذه المساعدات ؟

تتعامل بعض البلدان الغنية بسخاء كبير مع دول بعينها دون دول أخرى بحسب ما ترتبط به مصالحها مع هذه الدول. وفي حال بلادنا رغم أنها كانت المبادرة إلى الحرية والديمقراطية وإشادة أغلب البلدان بما حصل إبان الثورة إلا أن حجم الدعم والمساعدات لا يزال دون المأمول . فما حصل في تركيا أظهر أن تعامل الدول فيما بينها يختلف ويخضع إلى قواعد معلومة حينا وخفية حينا آخر خاصة بعد تعهد أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بتخصيص مبلغ 15 مليار دولار كاستثمارات قطرية مباشرة في تركيا في مسعى لمساعدتها خلال الأزمة التي تعصف بها الأمر الذي أعاد الشكوك حول مدى جدية تعامل البلدان الصديقة لتونس ورغبتها في مساعدتها من جهة وكذلك كيفية تعامل الحكومات المتعاقبة في تونس بعد الثورة مع هذه المساعدات من حيث التوظيف المحكم والشفافية والحوكمة من جهة أخرى.

وفي حين نزلت قطر بثقلها لمساعدة حليفها التركي على مواجهة الأزمة المالية التي تمر بها بلاده كانت المساعدات القطرية لتونس لا تتجاوز مليار دولار منها 500 مليون دولار قيمة وديعة قطرية منذ سنوات في البنك المركزي التونسي تم تحويلها إلى ميزانية الدولة بينما ستخصص 500 مليون دولار أخرى لإعادة تمويل قرض قطري قديم حل أجل استحقاقه. وكان أمير قطر تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني قد تعهد أثناء قمة للاستثمار بتونس بمساعدات مالية تتجاوز المليار دولار لدعم الانتقال الديمقراطي والاقتصادي في تونس.

وضمن هذا السياق يعتبر أستاذ العلوم السياسية عبد اللطيف الحناشي أن المساعدات المالية والهبات الدولية تخضع إلى منطق المصالح أولا وأخيرا. فمنظومة المساعدات التي تتعامل بها الدول فيما بينها تقوم أساسا على تبادل المنافع وعلى سبيل المثال قامت قطر زمن حكم الترويكا بوضع وديعة في البنك المركزي التونسي بقيمة 500 مليون دولار بينما في حال تركيا قامت بتخصيص مبلغ 15 مليار دولار كاستثمارات مباشرة.

غياب الشفافية والحوكمة

ويرجع الحناشي هذا الاختلاف في التعامل إلى كون طبيعة العلاقة بين البلدان والخصوصيات المحلية تختلف من بلد إلى آخر . وضمن هذا السياق يمكن استحضار الموقف من إيران بعد العقوبات الأمريكية الأخيرة حيث كان المد التضامني الدولي معها محدودا جدا أما في حال تركيا فتختلف الأمور نظرا لأنها دولة تنتمي للحلف الغربي. كما أن تركيا تدعم قطر في خلافها مع الدول الخليجية الأخرى ولها موقع استراتيجي وبنية تحتية اقتصادية صلبة.. لذلك تختلف أوجه المقارنة بينها وبين تونس التي لها اقتصاد مختلف وظروف مختلفة. وللإشارة فقد تحصلت تونس خلال السنوات التي تلت الثورة على هبات كبيرة من بلدان عديدة وضمان قروض من الولايات المتحدة لكن الإشكال الأساسي أنه لا أحد يعرف أين ذهبت هذه الأموال منذ فترة حكم الترويكا وإلى غاية الآن. كما أن نقاط الاختلاف تكمن في كون تركيا على خلاف تونس ليس لها ديون مع صندوق النقد الدولي وليس لها نفس مشاكل الاقتصاد التونسي. ومع مسارعة بعض البلدان الأوروبية وخاصة ألمانيا وفرنسا إلى مساعدة التجربة الديمقراطية في تونس بدأت تظهر بعض المشاكل متعلقة بسوء التصرف حيث أن الأموال اندثرت مما ولّد شعورا لدى المانحين بأن هناك سوء تصرف وغياب للحوكمة والشفافية في تونس وهذا الأمر ولّد بدوره غياب الثقة. يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد التونسي لا يقدم ضمانات كبيرة للمانحين وهواقتصاد هش سريع التأثر لذلك عندما حصلت أحداث إرهابية تأثرت السياحة بشكل كبير وشل القطاع تماما بينما في تركيا رغم ضرب الإرهاب لقلب مدينة اسطنبول فان السياحة لم تتأثر.

نسق المساعدات في تراجع

من جانبه أوضح الخبير الاقتصادي إسكندر السلامي أن المساعدات الدولية تتأثر بمدى التزام أي دولة بالسياسات العالمية لمقاومة التهرب الضريبي وتبييض الأموال. فالقروض والمنح التي تحصلت عليها تونس بعد الثورة عديدة لكن الإشكال يتمثل في كيفية التصرف فيها بالشكل الأمثل. فتونس تحتل المرتبة العاشرة في ترتييب المساعدات الأمريكية و حصلت من الإدارة الأمريكية السابقة على 117.4 مليون دينار منها 79 مليون دينار موجهة للدعم العسكري والمتبقي للمجال التنموي. حصل الدعم الأمني تحديدا على 69 مليون وقطاع الحوكمة والمجتمع المدني على 10 ملايين. ويبقى 2012 بالنسبة لتونس العام الأكثر تلقيا للمساعدات الأمريكية بحوالي 155 مليون. بينما يشكل عام 2006 الأقل إذ لم يتجاوز 6.4 مليون دينار.

لكن الإدارة الأمريكية الحالية قررت التقليص من المساعدات والتبرعات المخصصة لتونس والتي تمنح في إطار تمويلات للقوات العسكرية الأجنبية وحددت المساعدات المبرمجة لسنة 2018 بـ54.6 مليون دينار بعد أن كانت في حدود 140,4 مليون دينار. وفي حين تستعد تونس إلى مزيد من التداين الخارجي لتمويل ميزانية السنة القادمة يتوقع محدثنا أن تؤثر الإشكاليات التي حصلت سنة 2018 من تصنيف سلبي لتونس من طرف الدول الأوروبية على فرص جلب الاستثمار الخارجي وتعطل بالتالي إمكانيات تدارك الوضع الاقتصادي. وهوما يجدد مشروعية التساؤل حول إن كان الجانب الأوروبي مقتنعا حقا بجدوى الاستثمار في الديمقراطية الناشئة في تونس . وهذا الأمر لن يتم في تقديره إلا في صورة إحداث آلية لمراقبة كيفية التصرف في المساعدات الاقتصادية التي تحصل عليها تونس قصد تعزيز الشفافية والمساءلة والمتابعة ويجب على الشركاء الدوليين الأساسيين أن يشاركوا في هذا الجهد مع الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني والقطاع الخاص المرتبط به بحسب الحاجة. .وعلاوة على ذلك ستمكن هذه الشراكة من مزيد من الالتزام من طرف شركاء تونس بالعملية الانتقالية في البلاد وتأمين عملية الانتقال الديمقراطي. وتجدر الإشارة إلى أنه تم تخصيص جزء كبير من المساعدة الدولية منذ قيام الثورة لدعم الميزانية وتم توجيهها أساسا لدفع رواتب موظفي الحكومة وتعزيز الاستهلاك، وليس الاستثمار. كما أن العديد من المساعدات الموجهة نحو التنمية تعثرت بسبب البيروقراطية وهيمنة الشأن السياسي على الاقتصاد. ويوصف الجهاز الإداري بأنه إحدى العقبات الرئيسية أمام النموالاقتصادي والتنمية وبأنه يعرقل القدرة الاستيعابية للمساعدات الدولية ويكبح النشاط الاقتصادي.

يبقى نصيب تونس ضعيفا جدا من المساعدات التي تعهدت بها الدول االغربية لدعم بلدان ما سمي بالربيع العربي التي قدرت بحوالي 80 مليار دولار كما أن الهبات والقروض من المؤسسات الدولية في منحى تنازلي مما يجعل من الضروري التعويل أكثر على الموارد الذاتية والرفع من الإنتاجية وخاصة مداخيل كل من قطاعي السياحة والفسفاط وصادرات المواد الفلاحية كزيت الزيتون وغيرها التي تعتبر أكبر مورّد للعملة الصعبة لبلادنا.