الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



ارتدادات 2013 ... بشهادة لطفي زيتون

مَنْ صَنَعَ أزمة النظام السياسي ؟


بقلم: خليل الرقيق

بقطع النظر عن وجود خطابين غير متناغمين في التصريحات الأخيرة لرموز حركة النهضة، وبقطع النظر عن «التّفجّرات» التي أحدثتها مبادرة المساواة في الإرث داخل البنية الذهنية لعموم الإسلاميين، يعدّ النظر في إحالات شخصيات معروفة بالإنضواء ضمن الدائرة المقرّبة من الشيخ راشد محرارا مهمّا، لفهم المأزق الذي وقعت فيه الحركة، إزاء إرث سلطوي تراكمت في داخله الإخفاقات.

ويمكن القول أنّ تصريحات السيد لطفي زيتون الأخيرة لقناة نسمة قد سلّطت الضوء على شيء من الإعتراف بخطورة المفترق. فهو يعتبر أنّ «تونس في مرحلة خطيرة وفي أزمة شبيهة بأزمة سنة 2013» ويقرّ من جهة أخرى أنّ «المشكل الرئيسي في تونس هو النظام السياسي» في الجانب الأوّل، يقرّ لطفي زيتون بعودة الصّراعات الإيديولوجية التي «رافقتها حتّى خلافات حول تعريف الدولة بين من يقول أنّه يريد تطبيق الفصل 1 ومن يريد تعريفها استنادا الى الفصل الثاني من الدستور» وفي الحقيقة يحتاج نقاش الأمر هنا الى ملكة فرز بين سياقين : سياق الدستور الأول للجمهورية التونسية والذي لم يمنع فيه التنصيص على دين الدولة من أيّ تحديث لركائزها وهياكلها وتمشياتها، فظلت دولة عصرية عنوانها المساواة والحريات الشخصيّة، والسياق الثاني أي «دستور الجمهورية الثانية» والذي بنيت صياغته فعلا على تجميع للمتضادّات الذهنية تحت عنوان «الدستور التوافقي» ...

في الحالة الأولى كان هناك فهم موحّد ومنسجم لفكرة مدنية الدولة بالشكل الذي لا يتصادم مع عقيدة المجتمع، وفي الحالة الثانية كان هناك فهم متعدّد أو ربّما ثنائي لطبيعة الدولة، ثمّة من ينتقي كلمة «الإسلام دينها» ليرسّخ مفهوم الخلافة المبطّنة، وثمّة من يبني على «الجمهورية نظامها» تصوّرا كاملا للدولة المدنية القائمة على التشريعات الوضعية المواكبة للتحوّلات التاريخية والإجتماعية.

ويبدو أنّ الإشكال لم يَعُدْ، مثلما أشار إلى ذلك السيد لطفي زيتون، بل ظلّ قائما منذ لحظة الصياغة، إنّما الذي تغيّر هو نسق طرحه ودرجة التصادميّة فيه. والذي تغيّر فعلا هو مرور حركة النهضة حسب تحوّلات الظرف وموازين القوى من الانفتاح الظاهر على مقولة مدنية الدولة، الى الانغلاق الشديد داخل منطقة النص المقدّس و«الأحكام القطعيّة» وما شابه ذلك.

وبالتالي فإنّ ارتدادات 2013 التي اعترف بها لطفي زيتون لا تعكس محض صراع إيديولوجي تعوّدت عليه الساحة، بل تعكس صراع خيار سياسي ومجتمعي مصيري. فمدنية الدّولة كانت من الثوابت في دستور الجمهورية الأولى، لكنّها صارت مثار جدل بعد العمل بدستور الجمهورية الثانية، لأنّها لم تعكس اتفاقا وطنيا فعليّا، بل تلفيقا للمتناقضات لتجاوز مشكلات ظرفية ذات علاقة بترتيب شأن السلطة. وهكذا ظلت التصدّعات الذهنية مكبوتة في زمن الهدوء، صارخة بقوّة في زمن الأزمة.

عندما أزف وقت الترجمة الحقيقية للمصطلح المساواتي داخل ميزان قوّة اعتقدت النهضة أنّه في صالحها، انقلبت الأمور، فالحزب الذي قبل نظام المناصفة بين الرجل والمرأة في الهياكل المنتخبة دون أن تنص عليه الأحكام الدينية «القطعية»، رفض مبدأ المساواة في المواريث الذي يتناسب معه من حيث المبدإ والروحية بداعي هذه الأحكام.

وهذا التناقض لا يردّ الى الشعب التونسي متعدّد الآراء، ولا الى أطياف سياسية أخرى، بقدر ما هو ساكن في حركة النهضة، كحركة التبس عليها الشكل المدني بالمضمون الإخواني، فالأزمة أزمتها في النهاية، وليست أزمة خيار مجتمعي ترسخ منذ لحظة الاستقلال في بنية الدولة الحديثة ومرتكزاتها الفكرية.

النظام السياسي : مسؤولية من ؟

لسنا ندري إن كان حديث السيد لطفي زيتون عن النظام السياسي في باب مجرّد التوصيف، أم في باب النقد الذاتي للتجربة النهضاوية في السلطة.

فالقول بأنّ «المشكل الرئيسي في تونس هو النظام السياسي» يعني موضوعيا، وضع الخيار المجلسي ثمّ البرلماني الذي فرضته حركة النهضة وتعبيراتها الرديفة على المشهد، في موضع المساءلة.

والكلّ يعرف أنّ الحركة كانت جدّ منتشية بخيار تذرّر الصلاحيات داخل سلطة بثلاثة رؤوس، خاصة وأنّها ومنذ قيام المجلس التأسيسي، جرّدت الرأس الواجهة أي الرئيس المؤقت من كل سلطة فعلية، وأفردت الرأس الثاني أي رئيس الحكومة بصلاحيات شبه ربانية، فيما وضعت الرأس الثالث أي رئيس المجلس التأسيسي تحت رحمة أغلبيتها النيابية. كانت هذه بداية أزمة تونس الرهيبة. وفي الواقع، ورغم كلّ التعديلات التي حصلت لإضافة مزيد من الصلاحيات لرئيس الجمهورية في الدستور الجديد، فإنّ هيكلة النظام السياسي بنيت على شاكلة هيكلة التأسيس فحافظت على ميزة التشظي الصلاحياتي، كما زرعت بذرة التغوّل في العمل الحكومي من خلال إفرادها رئيس الحكومة بصلاحيات تجعله متصرّفا حصريا في دواليب الدولة ومؤسساتها الحيوية ...

إنّ إشكال النظام السياسي بني مع سعي حركة النهضة لبناء واجهات وهميّة لسلطتها الفعليّة، بحيث تستطيع أن تحكم مفردة عبر الاختباء في ثوب تعدّدي إيهامي.

واللعبة انكشفت، وصارت ممجوجة من فرط ما أطْبَقت حركة النهضة تقنية «الضرب بأيادي الغير» للتنصل من المسؤولية المباشرة، وخير دليل على ذلك هو امعانها في استغلال الحكومة الحالية بورقة ميزان القوة النيابية، ووضعها تحت رحمتها وتصرفها وأحكامها ... وهذا يعني أن ثمّة قصدا مسبقا لإنتاج نظام سياسي يسهل فيه ابتزاز مراكز القوى وتوجيهها.

انه ذات النظام السياسي الذي احتضن تغوّل لحظة 2013، ثم أعاد التمظهر في 2018 بمجرّد استشعار القوة الذي أحست به حركة النهضة، بعد أن أحدثت فراغات مميتة في المشهد عبر هتك الأنسجة الحزبية لمن توافق معها وشاركها السلطة.

والقول بإشكال في النظام السياسي هنا، يظلّ مردودا على حركة النهضة التي صنعته وعملت وفقه على الإمساك بمفاصل القرار. فمن الطبيعي ان تحكم بلادا بمثل هذا النظام الصلاحياتي المتشظي من خارج مؤسساتها الدستورية والسيادية.

سؤال آخر مهمّ، هل يعني كلام السيد لطفي زيتون استعداد حركة النهضة لمراجعة النظام السياسي وإقرار نظام آخر بديل ؟ وفي هذه الحالة، هل لها استعداد لعودة النظام الرئاسي الذي تستبطن حياله عقدة تاريخية ؟ هل تريد نظاما سياسيا ديمقراطيا تتوطّد فيه مركزية السلطة التنفيذية، أم تريد نظاما آخر قد يكون قياسا لمواقفها الراهنة من مسألة الحريات الشخصية والمساواة أكبر بؤسا من النظام الحالي ؟ المسألة مردودة للإرادة، رغم علمنا بأن مجرّد توفرها لدى أفراد في النهضة دون الكلّ، لن يضيف شيئا الى الواقع القائم، الموسوم بالتلاعب والإزدواجية، لا غير.