الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بعدما استحوذ عليها الانتهازيون...

تونس التي لا نعرفها...!


بقلم: لطفي العربي السنوسي

يبدو اننا نحن معشر الاعلاميين (لم يسبق لي ان استعملت هذا التعبير السقيم) الموزعين فرادى وجماعات على مختلف المحامل الاعلامية تلفزة وراديو وصحف والمصنّفة ـ بدورها ـ بين خاص وعمومي قد أصابتنا لوثة هجينة حوّلتنا الى شبه معميين... العمى بما هو لا مبالاة ونسيان واستخفاف وعدم اكتراث بقضايا الناس ومشاغلهم ومعاناتهم اليومية في هذا البلد المتعب وقد انهكته سياسات فاشلة ومرتجلة وسياسيون انتهازيون متهافتون مدفوعون بطموحات أكبر من امكانياتهم على سلطة الحكم المستباحة... ونقابات قطاعية تحولت الى «دويلات» لا تنقصها غير «الرايات» وقد بدأت في شحذ منظوريها ـ بعد استرخاء صيفي ـ لاطلاق سلسلة اضراباتها فاتحة السنة الجديدة...

نحن كاعلاميين ـ بعضنا ـ لم نعد نرى من تونس غير عناوينها السياسية والحقوقية وما يدفع به أهل السياسة حكاما ومعارضة من افتعالات وقضايا لتلهية الرأي العام ـ بما في ذلك الاعلام الوطني ـ عمّا هو أساسي ومركزي والذي يهم الناس في يومهم وفي أرزاقهم وفي كرامتهم وسلامتهم وأمنهم وفي غذائهم وفي مستقبل ابنائهم...

وتكفي اطلالة سريعة على عناوين الصحافة التونسية لنكتشف أننا ـ كاعلاميين ـ في «واد» منشغلين بقضايا سياسية وفكرية من المفترض أن تتم مناقشها في فضاءات وعلى منابر مخصوصة ضمن دائرة تفكير مخصوص بما أنها قضايا لا تنتمي الى الشأن العام وانما هي شأن أو هي مشغل أكاديمي فكري وفقهي ـ أيضا ـ يهمّ نخبة بذاتها كرّست جهدها ووقتها للبحوث والدراسات في هذه الشؤون المعرفية الخاصة...

فالأفكار والمبادرات والمقترحات السياسية والاصلاحية والحقوقية والمعرفية من شأنها أن تبتذل كلما خرجت عن مدارها المخصوص وعن مجالها الحيوي النخبوي المؤهل لمجادلتها وبالتالي تطويرها وتجديدها وكلما تحولت الى شأن عام مستباح وكلما اتسع مجال المتدخلين فيها فإنما تتحول ـ بالضرورة ـ الى شكل من أشكال «الهرف» فتتحلل ـ تماما ـ كما يتحلل الجسد المتعفن...

فالمعرفة ـ عامة ـ لا يمكن استباحتها تحت عنوان «حق التعبير» أو بدعوى أننا مجتمعا ديمقراطيا فالمعرفة ـ بطبيعتها ـ غير ديمقراطية... فلا ديمقراطية في المعرفة لغير أهلها فهي ليست شأنا عاما وانما هي فعل مخصوص بل هي «صناعة ذهنية» لا يخوضها غير من توغلوا في مختلف أبواب واجناس واختصاصات هذه «الصناعة الذهنية» الفريدة...

لقد نجح أهل السياسة يمينا ويسارا في استدراج الاعلام الوطني ـ برمته ـ وفي الهائه بقضايا فكرية وفقهية من المفترض ان تخاض في مراكز البحث العلمي والأكاديمي والحقوقي ونجحوا في استدراجه الى معارك لا تعتبر أولوية بالنسبة للتونسيين بل هي في اخر ترتيب أولوياتهم وأجزم أنهم غير معنيين بها أصلا. من ذلك قضايا الهوية أو ما يسمى بصراع الهويات وهو صراع افتعله «اخوان تونس» بغرض الاشتباك مع هوية الدولة المدنية وكذلك مبادرة المساواة في الميراث ولئن كانت في عمقها مبادرة اصلاحية تهم المجتمع ومستقبل ابنائنا فإن في تحويلها الى «مذبحة» على طاولة الشأن العام من شأنه ان يبتذلها وان يحولها الى موضوع مستباح مفتوح أمام «النطيحة والعرجاء» في ساحات التكفير والقذف والتشهير في استباحة للأعراض والدماء...

لقد فشل «اليمين» الحاكم في تونس وهو يمين مختلط «مرهون» لدى يمين ديني متشدد في تقديم بدائل حكم حقيقية لانقاذ تونس وأهلها من الاختناق الاقتصادي والاجتماعي لقد فشل في ادارة شؤون «الشعب» ولم يقدم له غير الخذلان فتوسعت دائرة الفقر والاحباط وأصبح «التونسي» يتسول رزقه وقوته اليومي اضافة الى الانفلات الأمني وتعدد اشكال الجريمة والانحراف والفساد الذي صنع له دولة وقد تغوّلت زائد انفلات غذائي وصحي وشحّ الماء الصالح للشراب وفساده وخراب المنظومة الصحية والتداعي الكامل للمنظومة التربوية والثقافية وفشل المشاريع التنموية في الآفاق التونسية البعيدة التي لم تشهد تفقيرا وتدهورا كالذي تشهده في هذه الفترة اضافة الى تداعي البنية التحتية وتهرّؤها وهروب شبابنا على زوارق الموت وقد فقدوا الأمل والحلم في بلد على رأسه «حكام» فشلوا حتى في ترويج الكذب ونجحوا في «التوزيع العادل للفقر والاحباط» على أهل تونس المحروسة...

فما الذي قدمناه نحن كاعلاميين لاهلنا المنسيين ـ لا شيء ـ في الواقع ـ غير هذا الانسياق الاعمى وراء «الانتهازيات» السياسية التي تخفي فشلها «وراء مبادرات» ومعارك وهمية بعدما عجزت عن ادارة شؤون البلد...» نفس الشيء بالنسبة للمجتمع المدني احزابا ومنظمات وقد انخرطت كلها في «معارك بيزنطية» حول مبادرة أو «مبادرات اصلاحية» توزع فيها «الجماعة» الى فريقين أو معسكرين مع أو ضد مقابل «موت سريري» لهذا الذي نسميه «شعبا»... وقد «حولوه» الى «قطيع صامت» قد ينهض يوما من أجل نفسه وقد لا ينهض أبدا من استرخائه الذليل؟

هنا تونس التي لا نعرفها وقد استحوذ عليها الانتهازيون وسقط المتاع من «اليمينيين»...!؟ لقد آن الأوان لاستفاقة جماعية من هذه الغيبوبة وهذا دورنا كاعلاميين وهو أيضا دور المجتمع المدني احزابا ومنطقات لاشاعة الوعي بما نحن عليه وما نحن مقدمون عليه من هلاك اذا ما استمر هذا «الاسترخاء الذليل»...