الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



مهما تكن المبرّرات:

التقشّف إعلان حرب على الشعوب وعلى الحُرّيات والديمقراطية



بقلم: محمد الكيلاني(✳)

كيف برّر الليبراليون التقشف في ما بين الحربين العالميتين والنتائج الوخيمة التي أدى إليها؟ الجديد أن منظري أكبر اقتصاد عالمي يعتبرون أن الركود حالة طبيعية للرأسمالية وطورا في دورتها المنتظمة وحدوثه متوقع. ويكون الركود على أساس ذلك متبوعا بالعودة إلى النشاط فالانتعاشة. وتبعا لذلك لا يمكن اعتباره حادثة في حاجة للمعالجة. وهو ما عبّر عنه أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا ويسلي ميتشل: «إن فترة الركود تنتج بعد بعض الوقت شروطا معينة»...لازدهار الاستثمار، الذي ينتج بدوره ضغوطات تؤدي بدورها «في نهاية المطاف (إلى تقويض) الشروط التي يقوم عليها الازدهار» («دورات الأعمال» 1923).

وبعد انهيار 1929 وبعد الازدهار وانهيار في العديد من القطاعات، أصبحت هذه الفكرة بديهية ثم تحوّلت إلى نظرية. وكان جوزيف شومبيتر أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد هو الذي أعطى أصحاب المشاريع الدور الذي كان أعطاه هيوم وسميث للتجار لدعم الاستثمار، الحسن والسيّئ منها على حد سواء، لأن السوق هي التي تقوم بالدور التعديلي، تزيح السيئ وتدفع الحسن إلى الأمام. بحيث يخفق البعض وينجح البعض الآخر. وينتج الفشل المادة الأولية للنجاح باعتباره يكشف عن مواطن الخلل السابقة ليتجاوزها في دورة الانتاج الموالية. وبطبيعة الحال فإن شومبيتر، كما هيوم وسميث، يرى أن تدخل الدولة، مهما كان نوعه، ينتج عنه ركود حتمي والذي من شأنه أن يجعل الأمور أسوأ وبصورة خاصة لمَا يدخل التقشف على نفس خط التفكير الحتمي الذي أتينا على ذكره آنفا لأن التقشف يلعب دور المطهر للنظام فيخفض الإنفاق ويوفر رأس المال الضروري للاستثمار، ليصبح بذلك عماد الانتعاش. وقد يكون مؤلما لكن لا مهرب منه، باعتباره حتمي الوقوع مثله مثل سائر مكونات الحركة الاقتصادية. ومنظور إليه من هذه الزاوية فهو يمثل جوهر العملية الرأسمالية، لأنه يمثل أداة توفير الرأسمال الضروري للاستثمار. وأضاف الاقتصاديون الأمريكيون للمكونات السابقة لنظريتهم الحاجة إلى «مالية عامة سليمة».

وحاولت حكومات عديدة البحث عن اتباع سياسات تتحقق في إطار «مالية عامة سليمة»، وفي مراحل الركود تبحث أكثر عن بدائل للتقشف، هي في الواقع مجرد تعديلات على التقلبات الدورية، قد تؤدي إلى انهيارات أسوأ وأشد. وعامة فإن الدولة تتبع دائما خط كسب ثقة المستثمرين والدفاع عن اتخاذ إجراءات تدعم الاستثمار والمستثمرين، بما في ذلك تجاهل حجم البطالة وفرض الضرائب حتى في حالات الركود لتحقيق الموازنات المالية، وهي السياسات التقليدية لصندوق النقد الدولي.

إن العمل على عودة الثقة إلى قطاع الأعمال هو حجر الزاوية لسياسات التقشف القديمة والمعاصرة.

أي بوابات فتحها التقشف؟

ما إن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وبدأت الرأسمالية تضمّد جراحها وتعيد بناء ما دمرته الحرب، باتباع سياسة تقشفية صارمة، وشهدت انتعاشة نسبية في مطلع العشرينات، حتى دخلت البلدان الرأسمالية الكبرى من جديد مرحلة ركود طويلة توجت بأزمة 1929.

أزمة 1929 لم تتمكن من إخراج الحكومات من كماشة التقشف

اندلعت الأزمة العامة من أمريكا، البلد الوحيد الذي خرج رابحا من الحرب الأولى، التي شهدت انهيارا ماليا كبيرا، لتشمل سائر قطاعات الاقتصاد ثم طالت أوروبا وبقية العالم. وما إن بدأ العالم يتخلص من وطأتها وشهد إمدادات مالية ضخمة من داخل الاقتصاديات المتضررة بالحرب كانت وراء الازدهار الظرفي الذي أنعش أوروبا بعض الشيء حيث رافقه تضخم كبير وتراجع حاد في بعض الحالات. بدأت العشرينات في العالم الرأسمالي بتعثر في أوروبا وصفارات إنذار في أمريكا في شكل انخفاض في أسعار المنتجات الزراعية وتقلبات في الأسواق المالية وارتفاع في معدلات البطالة وظلت نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي صغيرة الأمر الذي جعل الإنفاق الخاص ينخفض بشكل متسارع مما يعني تضاءل الضرائب.

الصناعة الحربية تزيح التقشف من سياسة حكومات البلدان الرأسمالية المتقدمة

واصل الرئيس الأمريكي هوفر الاعتقاد بأن التقشف هو الطريق الموصلة للرخاء حين قال بأنه «لا يمكننا أن نسرف لنصل إلى الرخاء»، وبأنه هو السبيل الممكن لاستعادة «ثقة» المستثمرين وتشجيعهم على الاستثمار وتحقيق التنمية من خلال تحقيق التوازن في الموازنات المالية. لكن مع ذلك لم يتحقق شيء من هذه الأحلام، إذ بحلول عام 1932 بلغت البطالة في أمريكا ٪23 من القوى العاملة وتراجعت بعض الشيء في 1936 إذ أصبحت ٪17 بينما كانت ٪8 في 1930. ولم تتخل الإدارة الأمريكية عن خياراتها التقشفية إلا في أكتوبر 1937 لما أعلن روزفالت أن سبب الركود الاقتصادي يعود إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطن حين قال:«دعونا نعترف بالاجماع...بأن الدين الفيدرالي، سواء كان 25 مليار دولار أو 40 مليارا، لا يمكن تسديده إلا إذا كانت الأمة تشهد زيادة كبيرة في مدخول المواطن». ولم تخرج أمريكا من أزمتها إلا بالإنفاق الحربي الضخم الذي قلص في نسبة البطالة إلى ٪1،2 منذ عام 1939.

وفي بريطانيا حافظت الحكومات المحافظة والعمالية، فيما بين 1921 ـ 1939، على سياسة التقشف ومرت البطالة من ٪4،10 عام 1929 إلى ٪22،1 في بداية عام 1932. وازدادت الديون من ٪170 عام 1930 من الناتج المحلي الإجمالي إلى ٪190 عام 1933 وتواصل الركود الاقتصادي إلى أن اتبعت سياسة التسلح وهي أعنف أشكال الحفز لتحقيق الانتعاش.

أما في ألمانيا فقد كان التقشف حزمة سياسية وإيديولوجية لسياسة ما بين الحربين قائمة على التضخم، الذي واجهته الحكومات بطباعة الأوراق المالية، لتدمير المال العام لضرب الدائنين وبصورة خاصة فرنسا والذين يطالبونها بتعويضات على الحرب الأولى. وأمام بداية الأزمة العامة انقلب السحر على الساحر وأصبح التضخم عاملا رئيسيا في الأزمة الاقتصادية الألمانية. ومنذ سنة 1930 اتبع حزب الوسط الألماني سياسة تقشفية صريحة لمواجهة الوضع الاقتصادي الصعب لألمانيا بإجراء تخفيضات كبيرة للغاية في الموازنة، ساندها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي كان في السلطة، عن طريق الائتلاف الحاكم. وقد ساعد الغضب الشعبي وعجز الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن التقدم ببديل عن خيارات التقشف ففاز حزب القوميون الاشتراكيون بـ 18 ,٪3 من أصوات الناخبين لأنه كان الحزب الوحيد الذي عارض التقشف بنشاط. وفي انتخابات 1932 حصل الحزب الوطني الاشتراكي (الحزب النازي) على ٪37،3 من أصوات الناخبين وفي 1933 تحصل على ٪43،9 من أصوات الناخبين، خاصة وأن نسبة البطالة ٪30 من القوى العاملة. وفي 1936 تحقق التشغيل الكامل كنتيجة مباشرة لسياسة التسلح ولسياسة الأجور المتدنية التي حافظت عليها السلطة النازية بالقمع المفتوح وبالتعبئة الايديولوجية.

لكن ما حدث في اليابان كان التقشف رديف التوسع العسكري وظل معدل النمو ينخفض باستمرار منذ 1922 إلى 1931 ، حيث تراوح بين ـ ٪9،7 و٪2،7.

وأبقت الدولة الإنفاق العام مقيدا طوال العشرينات وكان الجيش من تحمل عبء هذا الانكماش حيث انخفضت حصته من ٪47،8 إلى ٪28،4 من الموازنة خلال نفس الفترة، وفي خضم الركود الاقتصادي تمَت الزيادة في أسعار الفائدة والتخفيض في الانفاق الحكومي بـ ٪20. وفي نوفمبر 1930 أطلق أحد مناصري الجيش النار على رئيس الوزراء الذي توفي متأثرا بجراحه. وواصلت الحكومة سياستها التقشفية بالتخفيض من موازنتها ومن حصة الجيش، الذي ذاق ذرعا وحاول الإطاحة بالحكومة في أكتوبر وأجبرها على التنحي في ديسمبر 1931 ومع الحكومة الجديدة ازداد الانفاق العام بنسبة ٪34 وارتفعت الأسعار وانخفضت الديون وحقق الاقتصاد الياباني فيما بين 1932 و1936 نسبة نمو بـ ٪4 نتيجة سياسة التسلح، ولما حاولت الحكومات التالية العودة إلى سياسة التقشف تم اغتيال وزير المالية، مهندسها الأول، إلى جانب العديد من الشخصيات الأخرى.

بينما واجهت فرنسا عجز موازنتها جراء عدم وصول التعويضات بالزيادة في أسعار الفائدة لجذب رؤوس الأموال والزيادة في الضرائب فنتج عنهما التضخم. لكن اليمين أراد أن تسلط الزيادة في ضرائب الإنتاج والاستهلاك على الجميع في حين أن اليسار أراد أن تسلط الضرائب على دخل البورجوازية وثروتها. واعتمد اليمين في مقاومة اليسار على المصرف المركزي الذي كان يرفض تجديد سندات الخزانة، مما اضطر السلطات إلى طباعة النقود وبالتالي إذكاء التدخل. وكلما صعد اليسار إلى السلطة سمح البنك المركزي لرؤوس الأموال بمغادرة البلاد. مما دفع بالاقتصاد إلى الانكماش. وانتهى الأمر بحكومة الجبهة الشعبية مثلا إلى الاستقالة. وظلت الحكومات اليمينية تتبع سياسات تقشفية وقلصت من الانفاق العسكري إلى حدود 1940 لما أعلنت عن التعبئة الدفاعية العامة.

اندلعت الحرب العالمية الثانية وكانت أكثر دمارا من الأولى، أدارتها البورجوازية اعتماد على الانفاق العسكري الذي أنعش الاقتصاد لكنها بالمقابل أخضعت الطبقة العاملة والشعوب لاستغلال عبودي وصادرت كل الحقوق والحريات وعلقت العمل بالقوانين المدنية.

كما بينا أعلاه فإن حكومات البلدان الرأسمالية المتقدمة لم تخرج من كماشة السياسة التقشفية وما خلفته من اضطرابات إلا عشية الحرب العالمية الثانية، حين أصبح التسلح محفزا للصناعة الحربية ولاقتصاد توسعي، وحين أصبح الانفاق العمومي في الصناعة الحربية حجر الزاوية في الانتعاشة الاقتصادية حينها تمكنت الكينيزية من أن تصبح النظرية السائدة لأنها قدمت حلولا للمعضلات الأساسية التي كان يواجهها الاقتصاد الرأسمالي العالمي. ومن التناقض العبثي أن يكون الانفاق العسكري والاستعداد المحموم للحرب التجربة الأولى التي أعطت الفرصة للكينيزية لتدلل على صواب خياراتها في مقابل التقشف.

إن الخيارات البديلة التي تدعو لها الكينيزية تتعارض مع سياسة التقشف التي اتبعتها الطبقات الحاكمة في جل البلدان الرأسمالية المتقدمة وقادتها إلى أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبرى، ولدت فرقا شعبوية متطرفة وعنصرية في خدمة رأس المال المالي. وقد تمكنت هذه الفرق من أخذ طريقها إلى السلطة معتمدة على صندوق الاقتراع، مثل النازية والفاشية في كل من ألمانيا وإيطاليا. وظهرت معها نزعات عسكريتارية وضعت يدها على السلطة في العديد من بلدان العالم.

لقد كان صعود اليمين المتطرف إلى السلطة عاملا شدد وتيرة استغلال الطبقة العاملة والشعب الكادح وهمّش فئات واسعة من العمال الذين يعرضون قوة عملهم للبيع ومن الذين خسروا مواقعهم في عملية الانتاج ليعززوا صفوف العاطلين عن العمل. وكان أيضا عاملا شدد الهجوم على حقوق الشغالين والكادحين وجردهم من مكاسبهم وشن حربا على الحريات والديمقراطية وهدد السلم العالمي بإشعال حروب إقليمية وحربين عالميتين وتفجير قنبلتين نوويتين وجعل الصراع من أجل إعادة اقتسام مناطق النفوذ والسيطرة على ثروات بلدان العالم الثالث ونهبها محورا استراتيجيا عالميا وجيوسياسيا.

(✳) الأمين العام للحزب الاشتراكي