الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



المساواة، الحكومة وانتخابات 2019 تضعها تحت الضغط العالي:

خطوط متوازية تقترب ولن تلتقي داخل النهضة


بقلم: مراد علالة

«أظن ان البعض يتمنى ان تكون هناك صراعات صلب حركة النهضة، نحن في حركة حية فيها حيوية ونقاشات حرة وثرية تترجم مبدأ الديمقراطية بين اعضائها وليس في الحركة أي انشقاق... ومن الطبيعي ان يكون هناك بعض الاختلاف في الاراء من خلال فتح باب النقاش أمام كل الاعضاء... ثم يكون الاحتكام دائما الى رأي الاغلبية في موقف موحد وواضح»، هذا ما قاله النائب الأول لرئيس حركة النهضة علي العريض في حوار خاص بجريدة «الصحافة اليوم» منتصف الاسبوع الجاري وهو موقف رصين وديبلوماسي الى أبعد الحدود من سياسي وحزبي ومسؤول وصفه البعض بكونه رجل دولة بيد أن وقائع الأيام الموالية دحضت كلامه وكشفت أننا ازاء تنظيم شقوقه أو خطوطه كثيرة ومتوازية تقترب بين الفينة والأخرى لكن يبدو أنها لم ولن تلتقي.

وكما هو معلوم، فقد حصلت جهود كثيرة خلال المؤتمر العاشر للحركة في 2016 لاستعراض القوة وبيان الانسجام والتوافق وخصوصا إظهار جنوح مختلف مكونات الحركة الى العمل السياسي المدني والقطع مع العمل الدعوي الذي لم يحرّم ولم يجرّم ولم يمنع وكل ما في الأمر أنه أوكل الى الجمعيات التي لطالما مثّلت رافدا واحتياطيا استراتيجيا لتغذية جماعات الاسلام السياسي بشكل عام.

وقد عشنا صراحة فترة تجريبية انخفض فيها منسوب الاختلاف العلني بين شقوق الحركة أو ربما ساعدت انشقاقات وأزمات الاحزاب الأخرى وعلى رأسها نداء تونس في تحويل وجهة الاهتمام فتأكد بالمقارنة والقياس أن الانسجام والانضباط هو أشد وأهم في الحزب الاسلامي العقائدي الثري من بقية الاحزاب دون ان ننسى اكراهات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الداخل واشتراطات وتطورات الأوضاع الاقليمية والدولية التي فرضت على النهضة ابراز وجه مدني مقابل حجب الوجه الدعوي وقد ساعد على ذلك حينها انتداب وجوه نشطت في الحقل الحقوقي المدني والسياسي التقدمي مثال بلقاسم حسن ومحمد القوماني...

عرّاب المرحلة

ثانيا، لقد سمحت الانتخابات البلدية التي تأجلت من 2017 الى 2018 بتأجيل بروز الشقوق الى الواجهة مجددا في حركة النهضة التي انهمكت في اعداد ما استطاعت من قوة ومن رباطة جأش للظفر بخراج ما أسمته حينها العرس الانتخابي على قاعدة أن كل استحقاق انتخابي هو بمثابة معركة وجود بل معركة وجود في الصدارة لكيان كبير كابد أتباعه الويلات ولم يعودوا يرغبون في مجرد استحضار صور عذابات الماضي ومآسي السجون والايقافات والمحاكمات والتعذيب...

والحقيقة انه ثمة رقم في النهضة يحمل اسم راشد الغنوشي، الأب المؤسس أو كما قال عنه عبد اللطيف المكي الأخ الكبير، عراب هذه المرحلة في حياة وتجربة الحركة الاسلامية التي انتقلت من معاداة الدولة ونفيها والجهاد في سبيل الاطاحة بها الى الاعتراف بالدولة والجهاد في ادارتها والاستمرار في حكمها والحكم على حد قول الشيخ «يهرّي» وله متطلباته والاخطر من ذلك انه يفتح الشهية ويغذّي الطموحات الشخصية وخصوصا عندما تكون للأشخاص رؤى وقراءات متناظرة وحتى متضاربة ومتناقضة في بعض الحالات وهو ما يحصل بوضوح ونرصده بجلاء هذه الأيام في أداء النهضويين.

ان الامثلة أو الادلة أو البراهين على كثرة الخطوط والشقوق داخل النهضة عديدة ويكفي على سبيل الذكر لا الحصر، التوقف عند الاختلافات الجوهرية والجذرية التي برزت بين النهضويين بسبب لجنة الحقوق والحريات وتقريرها المثير للجدل وخصوصا نقطة المساواة في الارث فيه، وكذلك الموقف من الحكومة ومن شخص يوسف الشاهد وصولا الى الاستحقاق الانتخابي 2019 والحديث عن التأجيل في علاقة بالجاهزية...

فجوة عميقة

أما في ما يتعلق بالملف الأول، ودون العودة الى مسؤولية رئيس الجمهورية ومؤسس نداء تونس في حشر الحركة في الزاوية وفي «البلبلة» الحاصلة داخلها على خلفية طرح موضوع الحقوق والحريات ومسألة المساواة التي هي مسألة خلافية وبعمق بين الاسلاميين فقد ظهر جليا للعيان ان الفجوة والهوة بين الصقور والحمائم أو بين الاصلاحيين والتقليديين أو بين المحافظين والمجدّدين عميقة ولا يمكن رتقها بمجرد بيان صادر عن أعلى سلطة قرار في التنظيم بعد المؤتمر وهو مجلس الشورى حتى وان كان نتاج حسم ديمقراطي ونقاش حرّ كما قال علي العريض فها هي قيادات من العيار الثقيل تتنصل من بيان الدورة 21 لمجلس الشورى مثل لطفي زيتون ومحمد القوماني الذي اعتبر ان القول بقطعية النصوص القرآنية وجهة نظر تقليدية لا تتماشى مع وجهات النظر الجديدة في التأويل ويضيف بوضوح انه لم يعد هناك نص قرآني قطعي وان موضوع المواريث كجزء من الفقه الاسلامي قابل للنقاش.

ان ما صدح به علنيا محمد القوماني وهو المنضمّ مؤخرا للنهضة بعد تجربة حزبية قادته من مجموعات ما سمي باليسار الاسلامي الى الحزب الاشتراكي التقدمي ثم تأسيس حزب إصلاحي بعد 2011 قبل الالتحاق بالمؤتمر العاشر للحركة وهو يحمل أيضا تجربة حقوقية في الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، يتناقض مع الموقف العلني للعديد من القيادات التاريخية للحزب الاسلامي على غرار عبد الكريم الهاروني وهو أمر فرض على الناطق الرسمي باسم الحركة عماد الخميري الظهور المتواتر في الاعلام للتذكير بالموقف الرسمي المنبثق عن هياكل الحركة بشكل «ديمقراطي».

مخاطر محدقة

الملف الثاني الحارق الذي يربك النهضة ويجعلنا نكاد لا ندرك صراحة جوهر موقفها هو الحكم والحكومة، التوافق وفك الارتباط مع هذا التوافق ومع رئيس الجمهورية وحزبه، رفع اليد عن ساكن القصبة نهائيا أم حشره فقط في الزاوية وارغامه على مواصلة رئاسة الحكومة مقابل التنازل عن حلمه برئاسة الجمهورية التي تظل بدورها في مرمى حجر الاسلاميين الذين قرروا رسميا ان يكون لهم مرشح بعينه للاستحقاق الانتخابي الرئاسي والكثير من الدلائل تؤشر لكون المرشح هو رئيس الحركة، حامل البدلة الافرنجية وربط العنق راشد الغنوشي.

إنك عندما تستمع الى عبد الكريم الهاروني أو عامر العريض أو عبد اللطيف المكي أو سمير ديلو أو عبد الحميد الجلاصي من جهة ومن الجهة الأخرى عبد الفتاح مورو أو نورالدين البحري أو عماد الحمامي أو رفيق عبد السلام أو لطفي زيتون أو محمد القوماني أو غيرهم يخيل اليك في البدء أنه ثمة تكتيك وتقاسم أدوار داخل الحركة الوحيدة الموحدة لكن التمعن في التعبيرات عن المواقف والسلوكات يجعلك تدرك حجم الاختلاف والتباين بين هؤلاء القادة وهو أمر طبيعي بحكم اختلاف المشارب والتجارب والمصالح والمآرب في الماضي والحاضر وكذلك المستقبل حيث لا يستطيع أحد أن يتجاهل أيضا الاختلاف بين من عاش في الداخل في السجن الصغير أو السجن الكبير ومن جرّب المهجر وعمل ضمن الدائرة القريبة من الرئيس المؤسس.

ثالث الملفات التي كشفت هذه الأيام الوجود الفعلي لشقوق أو روافد أو لنقل فقط اختلافات بين «الاخوة» داخل الحركة هو حلف انتخابات 2019 حيث ظهر خطر يمثله لطفي زيتون يستبعد اجراءها في موعدها بسبب عدم توفر الجاهزية فيما ردّ عليه سمير ديلو بالقول بأن مجرد الحديث عن عدم جاهزية البلاد عبث وان الانتخابات بشقيها التشريعي والرئاسي ستجرى وفق الآجال الدستورية.

ان الاتهام ولو بشكل غير مباشر للطفي زيتون بالعبث لمجرد أنه عبر علنا عن موقف وجيه من المخاطر المحدقة والعوائق المحيطة بالمشهد السياسي والمؤسساتي يعيد الى الاذهان مباشرة مشاهد التلاسن وردود الافعال ونشر الغسيل التي كانت تحصل في احزاب أخرى. وقد تطور الأمر واستوجب دخول الشيخ المؤسس على الخط وتوقيع بيان الحسم المؤقت للجدل بالتأكيد على أن الموقف الرسمي للنهضة هو الوفاء بالتعهد الانتخابي في موعده في 2019.

قد تكون الزوبعة مرت ببيان الشيخ لكن امتحانا آخر آت في قادم الأيام سيكشف أيضا عمق الاختلافات داخل النهضة بمناسبة الأيام البرلمانية لكتلة الحركة الشهر القادم والتي وان يسير الاتجاه نحو تجديد الثقة في رئيسها لمواصلة مهامه للعام الاخير في الولاية الانتخابية فإن كلاما وحبرا واختلافات كبيرة ستظهر بالمناسبة.