الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية


تحقيقات
الدخول الى المدارس النموذجية

ما هي الأسباب التي تقف وراء النتائج الهزيلة والمحبطة ؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

كشفت مناظرتا الدخول للمدارس الإعدادية النموذجية «السيزيام » وشهادة ختم التعليم الأساسي « النوفيام» دورة 2018 عن نتائجها الأسبوع الماضي لتخلف موجة من الاستياء لدى الأولياء و التلاميذ خاصة المتفوقين منهم و الذين كانوا يعلقون آمالا كبيرة للالتحاق بالمدارس والمعاهد النموذجية حيث كانت هذه النتائج مخيّبة لأمال عديد التلاميذ والأولياء الذين لم يدخروا جهدا ماديا أو معنويا في سبيل تفوق أبنائهم في الدراسة ,و قد بينت الأرقام أن عدد المقبولين بالمدارس الإعدادية النموذجية دورة 2018 بلغ 1660 تلميذ من مجموع 56 ألفا و 814 تلميذ مرشح في حين أن طاقة استيعاب المدارس الإعداديــــة النموذجية للسنة الدراسيــــة 2018 ـ 2019 قد بلغ 3725 مقعد أي أن عدد الشغورات بلغ 2065.

و بلغ عدد التلاميذ الناجحين في مناظرة ختم التعليم الأساسي «النوفيام» الذين تم قبولهم بالمدارس الإعدادية النموذجية 1364 تلميذ فقط من مجموع أكثر من 25 ألف تلميذ اجتازوا هذه المناظرة في حين خصصت وزارة التربية 3150 مقعد بالمعاهد الثانوية النموذجية حيث أكد وزير التربية حاتم بن سالم في تصريح صحفي أن هذه النتائج كانت دون المأمول و بأنها تمثل تقييما حقيقيا لمستوى التلميذ و دعا في هذا الإطار إلى ضرورة التسريع بإصلاح المنظومة التربوية ,في الوقت الذي توجه فيه الأولياء باللوم للوزارة التي يرون أنها ساهمت في تراجع مستوى التلميذ إلى جانب التساؤل حول مقاييس الإصلاح و المعايير التي يتم بمقتضاها إعداد الامتحانات الوطنية.

«الصحافة اليوم» سلطت الأضواء على موضوع المعايير المعتمدة لوضع و إصلاح الامتحانات الوطنية و الأسباب التي أدت إلى نتائج دون المأمول لمناظرتي «السيزيام» و «النوفيام».

كان لنتائج مناظرة الحصول على شهادة ختم التعليم الأساسي و مناظرة الدخول للمدارس الإعدادية النموذجية وقعا سيئا في نفوس الأولياء و التلاميذ خاصة المتفوقين منهم الذين كانوا يطمحون للالتحاق بالمعاهد النموذجية ذلك أن معدلاتهم و حتى تقييم مدرسيهم لهم طوال العام الدراسي تؤكد أحقية التحاقهم بهذه المعاهد ,و قد أثارت هذه النتائج الذي وصفها وزير التربية بأنها دون المأمول موجه استياء كبيرة و محل انتقاد من قبل عديد الأطراف خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتؤكد أن هذه النتائج شملت آلاف التلاميذ المتميزين و لم تكن حالة منفردة أو نتيجة تقصير في المراجعة أو الاجتهاد خاصة بالنسبة لمادة الرياضيات التي كانت تقريبا تعجيزية سواء بالنسبة لمناظرة «السيزيام» أو «النوفيام».

و في هذا الإطار أوضحت لـ«الصحافة اليوم» السيدة إيناس البجاوي و هي أستاذة في مادة الفيزياء بالمدرسة الإعدادية النموذجية علي طراد بالعاصمة بأنها تفاجأت بنتائج «النوفيام» هذه السنة بعد إخفاق عدد هام من التلاميذ المتميزين في الحصول على معدل يمكنهم من الإلتحاق بالمعاهد النموذجية ذلك أن نتائج هذه السنة لم يسبق لها مثيل على مستوى تدني عدد الناجحين في مناظرة «النوفيام» و التي لم تتجاوز التلميذين عن كل قسم بالنسبة للإعدادية النموذجية علي طراد في حين أن معدل الالتحاق بالمعاهد النموذجية كان في حدود 10 تلاميذ تقريبا كل سنة مبينة أن هناك عدة أسباب تقف وراء هذا الإخفاق منها عدم توافق بعض الاختبارات مع إمكانيات التلميذ و خاصة امتحان الرياضيات الذي كان طويلا جدا بالنظر للتوقيت المخصص للامتحان و حتى مقاييس الإصلاح تم تغييرها هذه السنة فقد كان إصلاح الاختبارات في السابق يعتمد على ما يسمى بالتمشي العلمي أي أنه يتم احتساب نصف العدد بالنسبة للعملية إن كانت غير صحيحة و لكن التمشي المعتمد يكون صحيحا لكن هذه السنة قامت وزارة التربية بإلغاء مقاييس الإصلاح هذه و استبدالها بمقاييس أكثر تشددا ,و بينت محدثتنا في السياق ذاته أن تتالي الإضرابات التي عرفتها السنة الدراسية و قرار حجب الأعداد كان له الأثر السيئ على التلاميذ إلى جانب الإشكال الرئيسي المتمثل في تراجع مستوى التلميذ التونسي الذي هو في النهاية ضحية منظومة تربوية تتأكد في كل مرة ضرورة التسريع بإصلاحها.

و أشارت السيدة إيناس إلى أن اقتصار مناظرة السنة التاسعة من التعليم الأساسي على بعض المواد دون أخرى جعل التلميذ يكرس كل جهوده لهذه المواد دون غيرها الأمر الذي يجعله يواجه صعوبة في السنة الموالية مضيفة أن هناك نقاط استفهام تطرح حول إعداد الامتحانات الوطنية فرغم أن أساتذة المواد الأساسية يقومون بإعداد مقترحات للامتحانات الوطنية و يقع تقديمها سنويا للإدارة الجهوية للتعليم التي تقوم بعرضها على لجنة إعداد الامتحانات إلا أنه في النهاية يتفاجأ الأساتذة باختبارات غير التي تم اقتراحها,و أكدت محدثتنا على ضرورة الإسراع بإصلاح المنظومة التربوية الحالية للارتقاء بمستوى التلاميذ نحو الأفضل.

و في سياق متصل تحدث طبيب عبر تدوينة له عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن حالة تلميذ زاره بعيادته و هو في حالة انهيار نفسي نتيجة إخفاقه في مناظرة الدخول إلى المدرسة الإعدادية النموذجية وقد تحدث الطبيب عن الحوار الذي دار بينه و بين الطفل الذي أخبره أنه تحصل على أعداد جيدة جدا خلال الامتحان التجريبي للسنة السادسة في كل المواد كما أنه استعرض أجوبته الخاصة باختبارات مناظرة «السيزيام» على مدرسيه الذين أكدوا له أنه أحسن حلها ليصدم بالأعداد التي تحصل عليها و التي لم تمكنه من تحقيق حلمه الذي كان واثقا من بلوغه و هو الالتحاق بالمدرسة الإعدادية النموذجية و قد أكد الطبيب أنه بعد تحريه في الأمر تبين له أن حالة هذا الطفل ليست الوحيدة و أن هناك عديد التلاميذ المتفوقين لم يتمكنوا من الالتحاق بالإعداديات النموذجية ليتوجه برسالة إلى وزير التربية يتساءل من خلالها عن أسباب تقديم مثل هذه الاختبارات التي يؤكد المدرسون أنها لا تقدم تقييما جيدا للتلميذ منتقدا المنظومة التربوية و انعكاساتها السلبية على مستوى التلميذ .

تذمّر الأولياء

خيبة أمل كبرى خلفتها نتائج مناظرتا «السيزيام «و « النوفيام» في نفوس التلاميذ المتفوقين و أوليائهم نظرا للفارق الكبير المسجل بين نتائجهم الدراسية خلال السنة الدراسية و بين نتائجهم خلال المناظرة و في هذا الإطار حدثتنا السيدة نهلة الرزقي و هي ربة بيت و أم للتلميذة ياسمين التي اجتازت مناظرة السيزيام و هي التلميذة المتفوقة التي تعودت على الحصول على أعداد ممتازة بشهادة معلميها لتفاجأ بحصولها على أعداد ضعيفة في المناظرة خاصة في مادة الرياضيات و الإيقاظ العلمي اللذين كانا على غاية من الصعوبة بشهادة المعلمين و هو ما جعلها تحرم من الحصول على معدل يؤهلها للالتحاق بالإعدادية النموذجية و قد بينت محدثتنا أن التراجع الكبير لنتائج «السيزيام» هذه السنة يعود لعدة عوامل أبرزها المدرسون الذين لم يتمكنوا من تكوين التلاميذ تكوينا جيدا مع بعض الاستثناءات و تأخر إصلاح المنظومة التربوية الحالية التي خلقت جيلا من التلاميذ ذوي مستوى دراسي ضعيف و جعل تونس تتأخر في ترتيب المستوى الدراسي مقارنة بالدول الأخرى في العالم و الحال أنها كانت سابقا في مراتب متميزة ,و تساءلت محدثتنا عن مقاييس وضع الامتحانات الوطنية و مدى مراعاتها لمستوى التلميذ ومعايير الإصلاح موضحة أن هناك سؤالا في الصرف في مادة الفرنسية ورد في المناظرة و لم يكن ضمن البرنامج الدراسي.

و في الإطار ذاته حدثتنا السيدة نجوى الحبيبي و هي ولية التلميذة شيماء التي اجتازت مناظرة شهادة ختم التعليم الأساسي و هي تدرس بالإعدادية النموذجية علي طراد مبينة أن امتحان مادة الرياضيات كان تعجيزيا و هو ما جعل كل التلاميذ يخرجون في حالة صدمة لما تضمنه من تعقيد و ما سببه من خيبة أمل خاصة للتلاميذ المتميزين الذين كانوا يمنون أنفسهم بالالتحاق بالمعهد النموذجي و تساءلت محدثتنا عن الأسباب التي دفعت الوزارة إلى وضع امتحان بمثل هذا التعقيد بشهادة المدرسين أنفسهم و الذي تسبب في حرمان آلاف التلاميذ من الالتحاق بالمعاهد النموذجية رغم أن هناك شغورات هامة فعدد الناجحين بـ«النوفيام» لم يتجاوز نصف عدد المقاعد المتوفرة بالمعاهد النموذجية .

ناقوس خطر

إنّ النتائج الهزيلة التي رافقت الاختبارات الوطنيّة لهذه السّنة، وخاصّة تلك المتعلّقة بمناظرات الدّخول إلى المدارس والمعاهد النّموذجيّة تقرع نواقيس الخطر في علاقة بما آلت إليه منظومتنا التّربويّة من تردّ نتيجة لتراكم سلسلة من القرارات الكارثيّة التي تمّ اتّخاذها على مدى عقود كاملة، ونتيجة لعقليّة «تصريف الأعمال» التي ميّزت عددا من المسؤولين على امتداد هذه الفترة.

هذا ما أوضحه السيد سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم مضيفا أن موقف وزير التّربية الدّاعي إلى البدء الفوريّ بإصلاح شامل ومعمّق للمنظومة يعتبر موقفا إيجابيّا يتناسب مع المخاطر الجسيمة التي تحدق بمدرسة الجمهوريّة اليوم و ننتظر منه تكريس الطّابع التّشاركيّ لهذا الإصلاح بعدم اقتصاره على الوزارة والطّرف الاجتماعيّ، معتبرا أن كلا الطرفين يتحمّلان بنفس القدر مسؤوليّة ما آلت إليه الأوضاع من تدهور.

و بين محدثنا في السياق ذاته أنّ مخرجات المدارس الابتدائيّة والإعداديّة لم يكن لها أن تكون على هذه الدّرجة من الضّحالة لو كانت القرارات المتّخذة على مستوى البرامج وطرق التّدريس وآليّات التّقويم خاضعة لرؤية منظوميّة تراعي مبادئ الحوكمة الرّشيدة وقواعد التّخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع، ولو تمّت مراعاة هذه المبادئ والقواعد في إدارة الموارد البشريّة للوزارة من حيث الانتداب والتّكوين ورسم المسارات المهنيّة والتّسميات في الخطط وإسناد المسؤوليّات لكانت النتيجة مختلفة.

و أضاف السيد قاسم أنّ جميع هذه العناصر تمثّل الأسس الثّابتة لأيّ مشروع إصلاحيّ حقيقيّ، ملاحظا أن شروط إمكانية تكريسها تتقلّص يوما بعد يوم، وهو سبب إضافيّ للتّعجيل بالإصلاح، دون الوقوع في شرك الاستبداد الإداريّ أو النّقابيّ وخدمة الأجندات السّياسيّة والمصالح الفئويّة والشّخصيّة، ودون التّسرّع المفضي حتما إلى هدر الوقت والموارد والمؤدّي إلى الفشل مبينا أن الجمعية التونسية لجودة التعليم تطالب إجمالا بوضع ملامح واضحة لخرّيجي المدارس الابتدائيّة والإعداديّة تراعي الأولويّات الوطنيّة والمتطلّبات الدّوليّة، وإعادة النّظر جذريّا على هذا الأساس في المحتويات التعليميّة والمواد الدّراسيّة والزّمن المدرسيّ، وتقييم جدوى المقاربة بالكفايات ومدى ملاءمتها لواقع مدرستنا وإمكانيّاتها المادّيّة والبشريّة، والرّجوع الفوريّ إلى الطّريقة المقطعيّة في تدريس اللّغات بعد أن تأكّدت كارثيّة الطّريقة الحاليّة، وإعادة الاعتبار للمدرسة واعتبارها، بمتعلّميها ومدرّسيها وإداريّيها الذين يمثلون قطب العمليّة التّربويّة، ووضع مرجعيّات كفايات دقيقة لكافّة مهن التّربية وبناء تقييمات حقيقيّة على أساسها لا تستثني أحدا، على أن تكون هذه المرجعيّات الأداة الأولى لبرامج التّكوين الأساسي والمستمر، ولجميع عمليّات الانتداب والتّرقية التي تتمّ حاليّا في الغالب على أسس اعتباطيّة شكّلت المنفذ الرّئيسيّ الذي تسلّل منه التّردّي إلى منظومتنا التّربويّة.

و أكد محدثنا في الإطار ذاته على حتميّة تحصين مسار إصلاح المنظومة التّربويّة ضدّ كلّ محاولات التّوظيف والاختراق، حيث لا يخفى ما يمكن أن تجلبه حالة الوهن التي تمرّ بها المنظومة حاليّا من مطامع انتهازيّة،مذكرا بـ«مدوّنة أخلاقيّات الأسرة التّربويّة الموسّعة» التي أعدّتها الجمعيّة التّونسيّة لجودة التّعليم وعرضتها على وزارة التّربية منذ عام 2015، وأعادت عرضها مطلع هذا العام، والتي دعت من خلالها الجميع إلى أن تكون ميثاق شرف ملزم لكلّ المعنيّين بالشّأن التّربوي، حتّى تتوفّر أرضيّة متينة لبناء سليم، يكفل لمدرسة الجمهوريّة استئناف دورها التّنمويّ والحضاريّ والإنسانيّ الذي أدّته على مدى تاريخ بلادنا منذ العهد القرطاجني.

إصلاح المنظومة التربوية

و لمعرفة موقف وزارة التربية من نتائج مناظرتي ختم التعليم الأساسي و مناظرة الدخول للمدارس الإعدادية النموذجية حاولت «الصحافة اليوم» الاتصال عدة مرات بالسيد عمر الولباني مدير عام الامتحانات بوزارة التربية لكننا لم نتمكن من الحصول عليه و اتصلنا بالسيد منذر ذويب مدير عام المرحلة الإعدادية و الثانوية الذي أفادنا بأن إعداد الإمتحانات الوطنية يخضع لشروط صارمة و يؤمنه متفقدون أكفاء ارتقوا في السلم الوظيفي في مجال التدريس و هم على إطلاع على تفاصيل البرنامج الدراسي مضيفا أن هناك لجنة لإعداد الإمتحانات الوطنية تتشكل كل سنة و هي تعتمد على مقترحات يتقدم بها مدرسو المواد الأساسية.

و بيّن في السياق ذاته أن المستوى العام للتلاميذ قد تراجع و هذا أمر أصبح معلوما لدى الجميع و أصبح يستوجب الإسراع بإصلاح المنظومة التربوية مشيرا أن ذلك سوف يستغرق سنوات و لن يتم الإصلاح و حصد نتائجه في سنة أو سنتين و هذا ما تعمل عليه وزارة التربية حيث تم الشروع في وضع اللبنات الأولى للمسار الإصلاحي من خلال القيام بالاستشارة الوطنية حول إصلاح المنظومة التربوية التي قامت بتشخيص واقع التعليم في تونس و معرفة مواضع الخلل فيه و العمل على معالجتها مشيرا أن هناك عديد الجوانب التي تستحق المراجعة في المنظومة التربوية منها الزمن المدرسي و محتوى البرامج الدراسية و هو ما ينكبّ المختصون حاليا على دراسته لإيجاد الطرق المثلى و الملائمة التي من شأنها تغيير واقع التعليم في تونس نحو الأفضل و الارتقاء بمستوى التلميذ التونسي .

و بين تذمر الأولياء و التلاميذ من الامتحانات الوطنية هذه السنة التي رأوا فيها ظلما للتلاميذ الذين حرموا من فرصة الالتحاق بالمدارس و المعاهد النموذجية و بين موقف وزارة التربية التي ترى أن هذه الامتحانات عكست المستوى الحقيقي للتلاميذ يبقى السؤال مطروحا متى يتم التعامل بأكثر جدية مع ملف إصلاح المنظومة التربوية؟