الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



«النهضة» و«حكومة النهضة» وجيوب الفساد

ترويكا العبث... بـ«...تونس»



بقلم: خليل الرقيق

كلّما تفاقمت الأزمة السياسية في تونس، كلما كشفت عن مكنون هو أقرب الى «التآمر السرّي» منه الى الوضوح، والمكاشفة، لكن قدرة العقل التونسي على رصد الخيوط المتقاطعة تظلّ قائمة، خاصة وأن المعطيات الموضوعية قد أفرزت هذه المدة فواعل السّلب والإيجاب، وأفصحت عن المصنوع الخفيّ لحركة النهضة في سياق إعادة تركيب الهيمنة داخل السلطة...

نحن نتحدّث اليوم في سياق وضعية سلطوية سمّاها الناطق الرسمي باسم حركة نداء تونس، أو سمّاها نداء تونس بـ«حكومة النهضة» ولا نظن أنه أخطأ التوصيف رغم أن ضلعا منه أو ضلعا على أطرافه يشتغل بهوادة لتمكين هذه الحركة من حكم تونس...

عند قراءة أي ملاحظ فطن لتدوينة السيد رؤوف الخماسي التي يحذّر فيها النداء من انهاء التوافق مع حركة النهضة، يكاد يعثر على فرع قائم الذات لهذه الحركة داخل هياكل نداء تونس، فرع اشتغل ويشتغل ولم يملّ من الاشتغال على جرّ نداء تونس وتونس بأسرها الى مربّع الإسلاميين...

وعندما تنظر قليلا الى ما يقوم به السيد يوسف الشاهد وعدد من أعوانه من الأبناء المفترضين للنداء والقادمين من أحزاب أخرى من تسليم مطواع لمفاتيح المؤسسات السيادية والحيوية لحركة النهضة، تقف أمام فرع آخر تغذت لديه الأطماع الذاتية حتّى بات على استعداد لتقديم حزبه قربانا من أجل مقاعد لا تدوم...

وعندما تضيف الى كلّ ذلك طيفا من نوّاب النداء يتزعمهم نائب حامت حوله أكثر من شبهة فساد وإفساد، وحمّل حزبه وزرا ثقيلا، وتسبب له في إحراجات شتى، عندما ترى هذا الطيف يشتغل على تطبيق وصفة «الاستقرار الحكومي» لصاحبتها حركة النهضة، تفهم أن شيئا ما يحصل لا فقط لضرب نداء تونس بل لضرب تونس...

إنها ترويكا عبثية تلعب على الأطراف لتكسر المركز وتخرّبه بدم بارد، وبكثير من الانتهازية، بل لعلّها «الترويكا الخفية» التي حلّت محلّ الترويكا الآفلة، إن هي إلاّ انعكاس لاشتغال نهضاوي ممنهج على كسر جناح الحزب الذي انتصر بأصوات الناخبين سنة 2014... تنظر الى هذا الفرع الحزبي فتراه سابق الولاء والقرب من حركة النهضة، وتنظر لذاك الفرع الحكومي فتراه خادما لدى حركة النهضة، وتنظر الى ذلك الفرع النيابي فتراه مشغولا بمقايضة الملفات الفاسدة بالولاء والطاعة، ولا تملك إلاّ أن تفهم، وترسّخ الفهم بأنّ في الأمر لعبة...

لعبة قد يستثنى منها بعض نواب أو نائبات من النداء يمكن انتشالهم من هذا المستنقع، وبعض رجال أعمال ندائيين من ذوي الثقافة الاستثمارية التي غلبت على الحنكة السياسية، لكن من الممكن أيضا أن ينقذوا أنفسهم إذا فهموا خطورة اللعبة...

إن ترويكا العبث التي تنامت وتحالفت على أطراف حركة نداء تونس، أخذت منه كلّ شيء، جزء منها غطّى رجعيته المكينة بالثوب المدني الندائي، وجزء منها غنم رئاسة حكومة لم يكن ليحلم بها، وجزء منها أي الفرع الفاسد، حمى ظهره بنداء تونس واختبأ بسقفه، حتى لم يجن منه حزبه إلاّ الانتقاد اللاذع، والاحتجاج الصّارخ... وإذا عرف السبب بطل العجب...

إن حصاد التفكيك الممنهج الذي باشرته حركة النهضة بدهاء ضد نداء تونس، هو للأسف ضدّ تونس بأسرها، بأمنها وبإدارتها، وبمؤسساتها الحيوية، لقد أخذت حركة النهضة بالمخاتلة والتقية ما لم تأخذه بالعلن....

والأدهى الآن أن بعض هذه الفروع المتناسلة على أطراف النداء تحاول أن توهم الرأي العامّ أنها على اتفاق مع رئيس الجمهورية، والأمر عار تماما من الصحة، لأنّ أسبقية التأسيس على التجميع والتوحيد تمنع الرئيس من المراهنة على عناصر التفريق...

نحن ندرك الآن لماذا أمسكت النهضة بخناق اللحظة السياسية، لماذا توصلت النهضة الى إرباك مسار قرطاج 2، ولماذا أبقت النهضة على حكومة فارغة التمثيلية السياسية، ولماذا تركت مندوبيها داخل هياكل النداء؟ إنها فعلت كلّ ذلك لأن في الداخل الندائي من باع انتماءه وقضيته من أجل نفسه... والمأساوي هو أن عملية البيع والشراء هذه قد عبثت بتونس وأدخلتها في أزمة حكومية خانقة، وأثرت على أمنها واستقرارها، وهمّشت كوادرها الفاعلة، وأفسحت المجال لعديمي الكفاءة، حتّى يعدّوا بأيديهم «جنازة» تليق بالطابع المدني للدّولة...

هل سيتواصل العبث؟

سؤال لن يجيب عنه إلاّ المتضررون من المؤامرة... ولم تتأخّر الإجابة، اذ أكد رئيس الجمهورية في لقائه بعدد من نوّاب النداء يوم أمس أنه فعليا وواقعيا لا يمكن الحديث عن توافق في ظلّ وجود رأيين حول النقطة 64 من وثيقة قرطاج..

كما أكد الرئيس انه يرفض أن يتكلم أحد باسمه أيّا كان منصبه في الدولة أو في الحكومة أو في مجلس نوّاب الشعب، وأنه هو الوحيد الذي يعبّر عن مواقفه من الشأن العامّ..

والاستنتاج المهم هنا هو أن ترويكا العبث أي «النهضة» و«حكومة النهضة»، وجيوب الفساد قد انكشفت، وتعرّت بالكامل... ويبدو أن كلام الرئيس للشعب لن يتأخر كثيرا...