الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



مدجّج بشرعية الرئيس ويحظى بدعم وإسناد المنظمة الشغيلة..

المكلّف بتشكيل الحكومة ليس مجبرا على تمطيط المشاورات


بقلم: مراد علالة

رغم صعوبة الرهان والتحديات وتفاقم الأزمة الشاملة في البلاد لم تتوفر للمكلف بتشكيل الحكومة منذ 2011 فرصة أفضل مما أتيح اليوم للسيد هشام المشيشي، فهو مدجّج بشرعية رئيس الجمهورية صاحب شعار “الشعب يريد” المنتخب بحجم غير مسبوق من الأصوات في السباق الرئاسي الى قرطاج كما أنه يحظى بتزكية لم تعد خافية على أحد من الأطراف الاجتماعية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل إضافة إلى شيء من المقبولية الشعبية للرجل بوصفه من الكوادر الشابة للدولة التونسية دون أن ننسى بطبيعة الحال حماسة عدد من الاحزاب والكتل النيابية مثل حركة الشعب والتيار الديمقراطي والكتلة الوطنية وكتلة الإصلاح، بخلاف واستثناء الموقف “المتلبس” والمتحفظ من النهضة وحليفيها ائتلاف الكرامة وقلب تونس.

 

وقد كانت انطلاقة المشاورات جيدة في تقديرنا، نجح "المكلف" في تحصينها بالفصل بين المسارين الحكومي والبرلماني، فكان أن دشّن لقاءاته بممثلي المنظمات الوطنية قبل عيد الاضحى ورحّل اللقاءات مع السياسيين الى ما بعد العيد وأساسا جلسة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب.

ليس ذلك فحسب، كانت الرسالة المطمئنة للتونسيين والمتابعين في الداخل والخارج أن المكلف بتشكيل الحكومة، وانسجاما ربما مع توجهات ساكن قرطاج، تشاور وتواصل مع السياسيين بصفاتهم النيابية أكثر من الحزبية وهو أمر وان كان جائزا وفق الدستور الذي يتحدث عن المشاورات دون حصرها وضبطها، فانه خيار يدعمه واقع الاحزاب السياسية في تونس اليوم وخصوصا الموجودة منها في منظومة الحكم فهي تكابد حالة من الوهن واللاديمقراطية والعجز عن إملاء الشروط، ولعل هذه الحقائق هي التي تحرّض اليوم على تحجيم دور الأحزاب ورسم مربّع تحركها رغم كونه أمرا مجانبا للديمقراطية في المطلق.

وحسنا فعل السيد هشام المشيشي بتوسيع المشاورات الى رؤساء الجمهورية والحكومات السابقين رغم ثقل تركاتهم وغرقهم في الفشل إبان الاضطلاع باعباء الحكم لكن منطق استمرار الدولة وضرورة استخلاص الدروس أهم ولم يكن في المقابل حشر عديد الاسماء في المشاورات أمرا ضرويا.

وبخلاف ممثلي المنظمات الاجتماعية، كان اللبس والتذبذب السمة البارزة في تصريحات "السياسيين" الذين رحبوا في البدء وتسرعوا وسارعوا ثم تباطأوا وتردّدوا وراجعوا حساباتهم وثمة حتى من انقلبوا، الامر الذي جعل المكلف بتشكيل الحكومة هشام المشيشي يعترف وسط الاسبوع الجاري (الأربعاء 5 أوت 2020) بوجود "خلافات سياسية عميقة بين مختلف الأطراف" وبرّر ذلك بطبيعة النظام السياسي الذي اختاره التونسيون وتعهد بأنه سيحاول إيجاد التوليفة التي تستوعب هذه الخلافات حتى تكون حكومة كل التونسيين وحكومة إنجاز اقتصادي واجتماعي بالأساس.

وبناء على ما تقدم وبعد ان ذهبت بعض القراءات الى أن ملامح الحكومة الجديدة شبه جاهزة واننا دخلنا مرحلة وضع اللمسات الاخيرة على التحويرات في البرنامج والاستعداد لحسم اختيار الاسماء ارتفع منسوب عدم التفاؤل ويجري الحديث في بعض الكواليس حول صعوبات وتجاذبات قد تؤجل الاعلان عن الحكومة الى اخر المهلة الدستورية وهي 25 أوت الجاري بسبب تلكؤ الاحزاب وتذرعها بعقد اجتماعات هياكلها واخذ رأي قواعدها وتمسكها في غضون ذلك بحقها في "كعكة الحكم" وفي أن تكون الحكومة سياسية أو سياسية معدلة فيها كفاءات وتكنوقراط وغيرها من البدع الجوفاء قبل الوصول بطبيعة الحال الى مسالة التصويت المعطل والتصويت النافع وغيره..

إن السيد هشام المشيشي ليس مجبرا على اطالة أمد المشاورات وبما أنه كان واضحا في رسم أولوياته وهي "وقف النزيف" الذي يعصف بالبلاد حسب تعبيره قبل الحديث عن الانقاذ، وبما أنه تربى وتدرب وتعلم في مفاصل الدولة ويدرك جيدا حاجياتها فلاشيء يمنعه من تحمل مسؤوليته وعدم الوقوع في فخاخ ومقايضات احزاب واهنة جربها التونسيون ولم تفلح في ادارة أمرهم شريطة الحفاظ على المكتسبات وفي مقدمتها مكسب الحريات.

وقد كانت بعض الاصوات العاقلة محقة في النصح في نفس الاتجاه على غرار الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي الذي دعا أمس السبت بوضوح المكلف بتشكيل الحكومة هشام المشيشي إلى ضرورة التسريع في نسق المشاورات والدخول مباشرة في صلب الموضوع من خلال توضيح الاطراف الحزبية المشاركة في حكومته والحزام البرلماني الذي سيدعمها.

وحذر المغزاوي في تصريح إذاعي من ان المشاورات الحالية تذكرنا بمشاورات الحبيب الجملي وما آالت اليه في النهاية من سقوط مدوي وفشل ذريع.

بدوره كشف القيادي في التيار الديمقراطي نبيل الحجّي وجود بطء في المشاورات وقال ان المكلف استهلك نصف الفترة الزمنية المحددة لمهمته وهو أمر مخيف حسب رايه.

والنصيحة لم تأت فقط من بعض الاصوات السياسية الصادقة وانما ايضا من محافظ البنك المركزي مروان العباسي الذي قال أنه لابد من المرور بسرعة إلى حكومة جديدة وإحلال الاستقرار السياسي ولا نخال أن المكلف بتشكيل الحكومة ومن ورائه من اصطفاه لهذه المهمة سيبقى مكتوف الايدي في انتظار تسليم الاحزاب أو لنقل بصراحة حزب النهضة وشركائه بالامر الواقع في الوقت الذي يتواصل فيه النزيف واذا ما تعذّر ذلك سيكون حل البرلمان الحلال بعينه لا ابغضه.. فقط من أجل تونس.