الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



رئيس هيئة مكافحة الفساد يصرخ في وادٍ غير ذي زرع

إِنْفَجـَــرَ مِـنْ فَيْــضِ الغَيـْــضِ


بقلم: لطفي العربي السنوسي

أرى الاستاذ شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهو يكاد ينفجر من فيض الغيض وقد توسّعت دوائر «المنطقة الحرة» للفساد الموزع حسب تصنيفات هيئة الطبيب بين فساد صغير وفساد كبير...

يصرخ الرجل في «واد غير ذي زرع» كما يقولون فيرتد صدى الصرخة أو هو يصطدم بالاسمنت المسلح لبيوت العمليات المغلقة حيث يتم تعويم وتبييض الفساد فيخرج في شكل «تعيينات» او «ترقيات» في مواقع حساسة في الدولة.

يشتغل الرجل في صمت وان تكلم فليشير بالاصابع العشرة الى «دبابير الفساد» الكبرى والصغرى ولا أحد ينصت اليه ورغم ذلك استمر بنزاهة ومصداقية عالية وحتى يصمت فقد تم تشغيل بعض «الأصوات القذرة» لارباكه ولتعطيل اشغال هيئته بأن تم استهدافه في شخصه وفي مسيرته منذ أشهر..

هي هيئة وطنية لمكافحة الفساد ويرأسها الاستاذ شوقي الطبيب العميد السابق للمحامين منذ سنة 2016، هيئة عمومية مستقلة مهمتها الاساسية احالة ملفات الفساد بعد استكمالها وبعد التثبت في معطياتها وبعد التحقق من مصداقية المعطيات قبل احالتها على النيابة العمومية التي تتولى ـ بدورها ـ التحقيق في ما ورد عليها لتتم في الاخير احالة الملفات على القضاء ليبت فيها نهائيا.

في كل ظهور اعلامي يؤكد الاستاذ شوقي الطبيب أن هيئته قد أحالت ملفات فساد كبرى (لنقل شبهات فساد) على النيابة العمومية تورّط فيها عدد من كبار مسؤولي الدولة وأنه قد تم ارسالها الى سلطة الاشراف ورئاسة الحكومة... هنا تنتهي مهمة الهيئة ورئيسها باعتبار ان لا صفة قضائية لها حتى تصدر احكاما نهائية.. لكن من حق رئيسها ـ حتى يحافظ على مصداقية هيئته لدى الرأي العام ـ ان يسأل عن مآل الملفات التي احالها على النيابة العمومية وعلى رئيس الحكومة والا فلا معنى لهذه الهيئة ولوجودها ـ أصلا ـ ما لم تكن لنتائج عملها ثمار واضحة على أرض الواقع..

اتهمت الهيئة اكثر من مرة بعدم جدّيتها وبطء عملها وانها منذ ان تولى امرها الاستاذ شوقي الطبيب لم تتقدم في اشغالها بل اتهمت بتعويم الملفات الكبرى للفساد اما تواطؤا واما خوفا من لوبيات الفساد ولها اياد تنفيذية في السلطة.. !! لذلك يجد العميد نفسه مضطرا في اكثر من ظهور اعلامي الى التأكيد على ان الهيئة ليست سلطة قضائية وان مهمتها احالة ما لديها من ملفات على النيابة العمومية ورئاسة الحكومة وان دورها يقف عند هذه الحدود وهو لا يتحمل اي مسؤولية في مآل الملفات... وفي كل هذا حرص شوقي الطبيب على تحفظه ـ رغم الضغوطات المسلطة عليه ـ فلم يكشف اسماء او تفاصيل واكتفى في كل تصريحاته بإعلان نفس العناوين تقريبا التي تؤكد بان حجم الملفات التي رفعها الى الدوائر القضائية ثقيل جدا وهي عالقة بعدد من كبار المسؤولين في الدولة من كل القطاعات..

ويبدو ان شوقي الطبيب لم يعد قادرا على تحمل ثقل مسؤوليته لوحده فخرج قليلا عن تحفظه في تصريح له على اذاعة «شمس أف م» ليؤكد على ان حكومة يوسف الشاهد صاحب مقولة: «الفاسدون مكانهم السجن» قد بادرت مؤخرا بترقية عدد ممن علقت بهم شبهات فساد بل تم تعيينهم في مناصب حساسة في الدولة وقد جاء في تصريح العميد ما يلي: «بأن الهيئة قامت بضبط قائمة محيّنة في مسؤولين كبار بالدولة خاصة على مستوى الرؤساء المديرين العامين أو كبار الضباط في الديوانة والأمن معنيين بمتابعات قضائية بشبهات فساد وانها قامت بمراسلة سلطة الاشراف ورئيس الحكومة» واشار الطبيب الى انه ورغم احالة الهيئة لملفاتهم على النيابة العمومية فانها فوجئت بترقيتهم أو بتعيينهم في مناصب حساسة معتبرا ان قربهم من المسؤولية ومواقع القرار يشكل خطرا عندما يتعلق الامر بالمؤسسات التي يعملون بها لاحتمال مواصلة استخدام نفوذهم لاخفاء معالم الجريمة او التأثير على الشهود والمبلغين.. واضاف الطبيب ان حاكم التحقيق يجد نفسه محرجا عندما يحقق مع مسؤول كبير في الدولة وكشف ان قيمة الرشوة أو ما يعرف بالفساد الصغير في تونس يتراوح سنويا بين 400 و500 مليون دينار.

وأشار الى ان الاخطر هو الفساد في ملف الصفقات العمومية والذي يبلغ سنويا 2000 مليار..!! وان غياب الحوكمة في ملف الصفقات العمومية يتسبب في خسائر تصل الى 25 بالمائة من قيمة الصفقات اي ما بين 500 والف مليون دينار.

شوقي الطبيب اكد ان هذه التعيينات والترقيات في مناصب حساسة في الدولة حدثت في عهد الحبيب الصيد وتواصلت في عهد يوسف الشاهد الذي كان اعلن في ماي الماضي حربا على الفساد كان لها ـ في الواقع ـ عنوان واحد والمتمثل في ايقاف رجل الاعمال شفيق الجراية من «باب» تصفية الخصوم بما ان حرب يوسف الشاهد ضد الفساد قد توقفت عند هذا الباب...

الخطير في كلام العميد شوقي الطبيب الذي اتهم ضمنيا حكومة الشاهد بالتواطئ مع الفساد هو أن الحكومة بترقيتها للفاسدين وتعيينهم في مواقع حساسة في الدولة انما هي بذلك تعيد تهيئة البيئة المشجعة على الفساد وتغذيتها واسنادها بغطاء سياسي هو بمثابة الحصانة لمن علقت بهم قضايا فساد وتفتح لهم بالتالي الطريق شـاسعة للافلات من العقاب وهو ما أشار اليه الطبيب بان القضاء قد اهمل عديد الملفات كانت الهيئة رفعتها الى النيابة العمومية..!!

نعلم جيدا الجهد الكبير الذي تقوم به هيئة العميد شوقي الطبيب والتي اصدرت مؤخرا تقريرا مفصلا لقضايا الفساد (تقرير 2017) وهو تقرير كارثي يؤكد بالارقام والوقائع (دون ذكر الأسماء) ان كل مفاصل الدولة ودون استثناء اي قطاع قد خربتها «دولة الفساد» التي أتت على كل شيء ـ تقريبا ـ والسؤال هل يكفي تشخيص الوضع دون آليات لقطع دابر الفساد ودون عزم سياسي لمساءلة ومحاسبة كل من ثبت تورطه سواء كان فساده صغيرا أو كبيرا؟..

السيد يـوسف الشاهد قال في ما قال «علينا أن نقف لتونس» وقــال ايضا «الفاسدون مكانهم السجن». فلا أحد وقف ولا أحد دخل السجن..!! الى ان فوجئ العميد شوقي الطبيب بترقية ممن علقت بهم شبهات فساد مع تعيينات في مواقع حساسة في الدولة..

علينا ان نصدّق عراب الاخوان عندما قال ان حرب يوسف الشاهد على الفساد ليست سوى عنوان لحملة انتخابية مبكرة جدا... وهي كذلك كما يبدو...!!