الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



ردّا على تصريحات حكومية خارج التاريخ:

دَوْرُ الاتّحـــــادِ وَطــنــــيٌّ بــالأَســــــــَاسِ



بقلم: الهاشمي نويرة

نُشيرُ بَدْءًا الى انّ الخَوْض في الدَوْر الوطني للمنظّمات الوطنّية وتحديدا الاتحاد العام التونسي للشغل يستوجب معرفةً ودراية بالتّاريخ وبمدارس« الفكر النقابي» وبعِلْمِ السياسة وفنّ ممارستها وبتاريخ الأحزاب في تونس وبعلاقة المشهدين الحزبي والسياسي بالاتحاد العام التونسي للشّغل.. وهذا الخوض في هذه المسألة الحسّاسة يستوجب الى ذلك بعض الذّكاء وقليلا مِنَ الأخلاق والحَيَاءِ..

ومَرَدُّ كلامنا أنّ الناطق باسم الحكومة ـ الذي لَازَمَ الصّمت طوال الأزمة تقريبا وهو تَكتِيكٌ صائِبٌ ان كان على وَعْي به ـ إيّاد الدهماني صمت «دَهْرَ» الأزمة ونطق بما يُشبهُ الكُفْرَ بتاريخ تونس وبتقاليد العمل السياسي الضامن لاستقرارها واستمرارية دولتها ولسيادية قرارها..

الحكومة قالت على لسان الناطق باسمها «ليس مِن دُوْرِ المنظمات الوطنية (وهذا تَعْوِيمٌ يُقْصَدُ به الاتحاد) تغيير الحكومة لأنّ البرلمان هو الجهة الوحيدة المخَوّلِ لها ذلك باعتباره صاحب المشروعيّة في مثل هذه القرارات».. الحكومة طالبت الأطراف التي تنادي بإسقاط الحكومة بتقديم لائحة لَوْم للبرلمان لتغيير رئيس الحكومة.

وفي منطق تحليل محتوى هذا الكلام، فاننَا نَجِدُ أنفسنا أمام فرضيتين إثنتين، فإمّا أَنْ نَعتبر أنّ كلام الحكومة هو مجرّد لَغْطٍ يَنِمُّ عن جَهْلٍ مُطْبَقٍ بالمصطلحات والمعاني، وعَن سُوء فَهْمٍ للحقوق والواجبات والاجراءات التي يضمنها الدستور ويقرّها القانون، أو الكلام ـ كلام الحكومة ـ يُرادُ به التشويش والمغالطة.

..و«إمعانًا» في تفكيك ما قال النّاطق باسم الحكومة نُشدّد على أنّ المُطالبة بالشيء هو حقّ فردي وجماعي يضمنه الدستور ويكفله القانون وهو في ذلك يختلف نوعيّا عن المنطق الذي يَحْكُمُ الصّلاحيات والتي يُفْرِدُ بها القانون أو الدّستور شخصيات أو هياكل أو مؤسسّات ـ البرلمان في قضية الحال ـ لتُصبح حقوقا حصريّة لهذه الأطراف والجهات..

.. ولذلك نلّخص فنقول أنّ المطالبة بالشيء حقٌّ مواطني مشاعٌ فيما تُمثّل العلاقة بين مختلف السُّلَطِ مسألة مؤسّسات وهي في ذلك حقّ حصري يضبطه الدستور وتتكفّل به وبممارسته المؤسسات.

ولذلك فانّ الأمر يستوجب أوّلا وقبل كلّ شيء توفر جوانب معرفيّة هي مقدّمة ضرورية للحديث عن الحقوق والواجبات فَضْلا عَنِ الحديث في السياسة عندما يكون المتحدّث في مَوْقِعِ القرار..

نقول كلامنا هذا ونطلب للجميع وَفْرَةَ العِلْمِ والمعرفة، وحتّى نَفْصِلَ «الناطق» عن الحكومة التي نَطَقَ باسمها نَُضيف أنّ «الناطق باسم الشيء» لا يُعبّر بالضرورة عَن رأيه الشّخصي، فهو عادة يُدفَعُ دفْعًا الى قوْلِ شيء مَهْمَا تدنّت قيمته في بورصة المعرفة والعلم والتجربة، فهو لذلك يَعْكِسُ ذكاءَ او غباءَ او جهلَ او تخبّطَ مَنْ ينطق باسمه، ونكتفي بهذا كلاما في هذا الخصوص.

ولأنّ المسألة على درجة مِنَ البداهة فان ما نَطَقَ به اياد الدهماني أمس قد يمثّل تِكْرارًا مُمِلاً لقضيّة محسومة سياسيا واجتماعيا حول الدور الوطني للاتحاد لَوْلَا أنّ هذا القول تزامَنَ في الواقع مع عَدَمِ مرور الحكومة جديّا الى تنفيذ وعودها، مع الاتحاد مِن جهة ومِنْ ناحية اخرى فانّ الوقت بدأ يضيق على الحكومة وخصوصا على مَن يقف سنَدًا لها وهي المطالبة بتذليل كلّ «الصعوبات» والعراقيل التي تقف في طريقها وطريق «حليفتها» او راعيتها «حركة النهضة» وأهمّ هذه العراقيل، الاتحاد العام التونسي للشغل.

وقد يُطرح سؤالٌ: لماذا الاتحاد بالذات؟! ورَغْمَ أنّ السؤال مُكرّرٌ ومَمْجُوجٌ فإنّه مِنَ المفيد التأكيد على انه اذا اخذنا في الاعتبار أنّ هَدَفَ الاحزاب الدينية عموما هو القضاء على الطبيعة المدنية للمجتمعات والدّول وأنّ الهدف «الأسمى» للصناديق الدولية والجهات الغربية التي ما تزال مَسْكُونَةً بماضيها الاستعماري وأن هدف حكومة القصبة هو الاستمرار في الحُكْمِ وتأكيد ذلك بعد انتخابات 2019، فإنّ هذا الاطراف الثلاثة تتحد في هدف ضَرْب وإضعاف وتهميش الاتحاد العام التونسي للشغل لأنه آخر القلاع المدافعة عن الطابع المدني للدولة والمجتمع وهو الى ذلك أشرسُ المدافعين عن الاقتصاد التضامني الاجتماعي وعن استمرارية المرفق العمومي وعن سيادية القرار الوطني..

انّنا نعي تماما أنّ نظام المناعة لدولة الاستقلال واستمرارها هو ثنائي الأسُسِ، عِمَادُه الأوّل جهازُ دولة يضمن مصلحة الوطن والمواطن وسياديّة القرار الوطني ورُكْنُه الثاني اتحاد عام للشغل وهي منظمة بوّأها التاريخ مكانةً مفصليّة منذ نشأتها الاولى فإلى جانب دورها المهني المطلبي قامت وتقوم بلَعِبِ دورٍ وطني حاسِمٍ في جميع مراحل ومفاصل التاريخ المعاصر لتونس.

الاتّحاد هذه المنظمة الاستثنائية في التجارب المقارنة كان وما يزال دَوْرُهُ الوطني ثنائي الأبعاد .. فهو كان وما يزال عُنْصَرَ التوازن مع الحكومة متى أجْحَفَتْ في حقّ الفئات الضعيفة وهو الى جانب ذلك عُنْصُرٌ وعَامِلٌُ وفَاعِلٌ حَاسِمٌ في حماية سيادة القرار الوطني ومشارك أساسي في استمرارية الدّولة ومدافع شرس عن ديمومة المرفق العمومي والقطاع العام.

ومِنَ المُهِم تِبيانُ أنّ ضَرْبَ الاتحاد وتَلْجِيمِ دَوْرِهِ هدف تشترك فيه أطرافٌ ثلاثةٌ:

طرفٌ حزبي لَمْ يتأصّل بَعْدُ في محيطه المدني والوطني وهو حركة «النهضة» وأطراف أجنبية دَيْدَنُها نَهْبُ خيرات الشّعوب وتكريس عبوديتها وتبعيّتها للرأسمال الغربي المتوّحش وهي جهات مسؤولة أخلاقيا وسياسيا وتاريخيا عما تعانيه هذه الشعوب ـ ونحن مِنْهُمُ ـ مِنْ بؤسٍ وفَقْرٍ واعَاقَةٍ تنمويّة، واما الطرف الثالث فهو حكومَةٌ أعمى بصيرتها هَوَسُ الاستمرار في السلطة فاختارت أن تكون أدَاةً طيّعة في أيدي هذه الأحزاب وتلك الجهات الأجنبية وهي تخال نفسها حليفة لها..

وهدف هذه الأطراف مِنْ ضرب الاتحاد وَاضحٌ، فبالنسبة «للنهضة» فهي كما لا يخفى على أيّ شخص عَليم تخطط لحُكْمٍ يمتدّ على عشرات السنوات وقد بدأت في تنفيذ مخططها للتمكّن مِنْ مفاصل الدولة والادارة والمجتمع تمهيدا لاستقرار في الحُكْمِ بدأ بَوضْعِ اليَدِ على «الحُكْمِ المحلّي» وتريد تتويجه بحصادٍ وفير في الاستحقاق الانتخابي لسنة 2019 (رئاسية وتشّريعية).

وقد يكون مِنْ حقّ أي طرف حزبي أن يطمح ويطمع في ذلك لولا شُبهَةُ الاعتقاد بأنّ عملية التَمَكُّنِ هذه ليست لغايةٍ وطنيةٍ ومواطنيةٍ وانما يَغْلبُ الظنّ أنّها سياسة تهدف الى المحافظة على قاعدة إخوانية خلفيّة تكون حاضنة لمَنْ تبقَّى مِنْهُم في أمْصَارٍ عدّة أو قاعدة انطلاق للمدّ الاخواني متى توفّرت الشّروط الاقليمية والدّولية لذلك.

وأما عن هدف الجهات الاجنبية فهو بَيّّنٌ اذْ أنّ لُغةُ الارقام تطغى على الجوانب الانسانية عند جهات يمثل رأس المال وتنميته غاية في حدّ ذاته وذلك في إطار توازن مصالح يضمن فقط ديمومة منظومة رأسماليّة متوحشّة.

وأمّا عَنْ هدف حكومة القصبة فانّها ومُنْذُ أَنْ لاحت في الأفق مُؤَشّرات تحالفها مع حركة «النهضة» بدأت بتنفيذ خِططٍ ثلاث واستراتيجية تمويهية.

أوّل هذه الخطط: اختلاق الأزمة تِلْوَ الأزمة مع اتحاد الشغل، غير أنّ احتداد الأزمة السياسية أجّلَ الانطلاقة الفعلية للحرب ضدّ الاتحاد وأَجْبَرَ حكومة الشاهد على اعادة ترتيب الأولويات.

وثاني هذه الخطط هي الرامية الى الاستحواذ على «نداء تونس» الذي يبقى قانونيا ودستوريا هو الحزب الفائز في الانتخابات.. وقد بدأت بالفعل عملية الانقلاب على المؤسسات وما تزال متواصلة..

وهذا التمشّي انتهجه الشاهد لأنّ اليقين حاصل على ان احتمال وفرضية إنجاح حزب جديد صعبة، وخصوصا بعد النتائج الهزيلة لجلّ الأحزاب المستحدثة والصمود النسبي الذي أبداه حزب نداء تونس.

وأما ثالث هذه الخطط فان هدفَها مشتركٌ بين الحكومة و«النهضة» وهو اضعاف سلطة وَمْوقِعَ ومكانَة رئيس الجمهورية..

وهو فَصْلٌ مأسوي رأينا فيه مِنَ اللؤْمِ والبؤس الفكري والأخلاقي والعملي ما يعجز عنه الوصف..

رأينا كيف أنّ «سلطة» التعيين تتغوّل على سُلْطَةِ الانتخاب ورأينا مَعَ «النهضة» و«الشاهد» كيف يريدون مِن «الخَالِقِ» أنْ يَنْحَنِي أمام «مخلوقاته» على حدّ تعبير فولتير وشاهدنا وعاينّا كيف يريدون إفراغ صلاحيات مؤسسة الرئاسة مِنْ مُحْتواها، بدءًا باختراقها مِنْ طرف «النهضة» و«القصبة» ووصولا الى محاولة عَزْلِ الرئيس عن شعبه عامةً ونخبةً.وأمّا عن الخطّة الاستراتيجية التمويهية فقد انطلقت بحرب فساد وهمية لم تتضح ملامحها بعد.

إن حديث الناطق باسم الحكومة هو مِن هذا المنظور ضربة البداية لحَرب الحكومَةِ بالوكالة ضدّ الاتحاد العام التونسي للشغل الذي استعصى على «النهضة» ضربه أو اختراقَهُ وتهميش دوره..

هي حرب بالوكالة ولا فائدة في التذكير بحلقات مسلسل إضعاف هذا الصرح الكبير الذي اسمه الاتحاد وفي هذه الحرب اتحدت مصلحة وهدف مَنْ يرى في العمل النقابي بدعة وضلالة تقود الى النار وإلى ذلك يرى في الاتحاد عائقا أساسيا مِنْ أجْل تنفيذ مشروعه المجتمعي الماضوي.. مع فئة من المغامرين في السياسة وفي الحُكْمِ والذين لا تربطهم أيّ روابط بتقاليد السياسة في ربوعنا ومتانة علاقتهم بهذه الأرض ضعيفة ومنعدمة أحيانا..

.. اتحد هؤلاء، ومع اشتداد الأزمة تصوّروا أنّ الفرصة سَنَحَتْ مِنْ أجل الاجهاز على الاتحاد.

هي ضربة بداية اذن لَحَرْب لَنْ يُكتب لها الدّوام.. لأن الاتحاد يُضرب هذه المرة أيضا بسبب قيامه بدوره الوطني ولا نرى اختلافا كبيرا مع ما قام به الاستعمار الفرنسي عندما هَاجَمَ الاتحاد واغتال زعيمه فرحات حشاد..

ان الاتحاد مطالب بأن يقوم بدوره الوطني كلّما أضحت مصلحة الوطن والمواطن وسيادية القرار الوطني مُهدّدة وبالتالي فانّ كلام الحكومة والناطق باسمها هو مقدمة للعدوان الشامل على تونس وليس مجرّد تقييم ونقد لدور الاتحاد في الحياة السياسية والوطنية..

وفي الختام يبقى مِنَ الغريب أنّه كلّما فَاحَتْ روائح شبهات الفساد والإفْسَادِ والتلاعب بالوقائع واختلاق التّهم وتلفيق الأكاذيب والأراجيف، تحرّكت حكومة الشاهد وفجّرت أزمة جديدة..

وهذه المرة اختارت أن تكون في صفّ «النهضة» لتقدم لها خدمة العُمْرِ وهي تحقيق الهدف الاستراتيجي الأسمى، ضرب الاتحاد العام التونسي للشغل ولكن «الليّ يِحْسِبُُ وَحْدُو يُفضلّو».

.. وفي النهاية نرى غريبا من الذين استفادوا من الدور السياسي للاتحاد وتربّعوا على كرسيّ الحُكْمِ بفضل دوره الوطني في انقاذ البلاد ان يسعوا اليوم الى حَصْرِ وظيفته في «المفاوضات الاجتماعية» !