الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في تونس فقط تتحسن الصادرات ولا ينخفض عجز الميزان التجاري !

المــــعـــــادلات الـــعــــجــــيــــبـــــــة


بقلم: جنات بن عبد الله

جاءت احصائيات المعهد الوطني للاحصاء المتعلقة بالتجارة الخارجية بالأسعار الجارية للسبعة أشهر الأولى من السنة معلنة عن تحسن الصادرات بنسبة 23،3 % مقابل 15،9 % خلال نفس الفترة من السنة الماضية، في حين تطورت الواردات بنسبة 20،8 % مقابل 18،8 %.

وتكتسي الاحصائيات المتعلقة بالمبادلات التجارية أهمية كبرى في تحديد التوازنات المالية الخارجية للبلاد باعتبارها تعكس وضعية الميزان التجاري وبالتالي ميزان المدفوعات الذي يتحدد من خلاله العجز الجاري الذي يتم من خلاله ضبط حاجة البلاد من العملة الصعبة التي يتم استغلالها لتأمين حاجيات البلاد من الخارج وتسديد الديون الخارجية.

ومنذ الثورة دخل عجز الميزان التجاري في دائرة الارتفاع المتواصل مترجما عن تراجع كبير للصادرات مقارنة بواردات السلع والبضائع.

وقد كشف عجز الميزان التجاري عن هشاشة هيكلة الصادرات في تونس التي لم تتطور لتبقى رهن الصناعات الغذائية وبالتحديد زيت الزيتون والتمور من جهة، والفسفاط من جهة ثانية، ومخرجات الصناعات المعملية الأخرى من جهة ثالثة والمتمثلة أساسا في قطاعات النسيج والملابس والجلود والأحذية، والصناعات الميكانيكية والكهربائية والتي تنشط في اطار المناولة وتخضع صادراتها لنظام التصدير الكلي.

وتعتبر وضعية الميزان التجاري من اهم المؤشرات التي تعكس وضعية التوازنات المالية الخارجية للبلاد... فنتائج الميزان التجاري تعكس مدى اندماج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد الاقليمي والعالمي من خلال حجم وتنوع تواجد المنتوج الوطني في الاسواق الخارجية بما يعكس القدرة التنافسية للمنتوج الوطني في مواجهة المنتوجات الاجنبية.

من جهة اخرى يؤشر الميزان التجاري على نتائج ميزان المدفوعات. فتنامي صادرات البلاد ينعكس على نتائج ميزان المدفوعات باعتبار احتساب مداخيل الصادرات في ميزان المدفوعات. فكلما تطورت الصادرات بنسبة أعلى من الواردات بما يعني تسجيل الميزان التجاري لفائض لفائدة البلاد ينعكس ذلك ايجابا على ميزان المدفوعات باعتبار ارتفاع المداخيل بالعملة الصعبة والتي تشكل احد مصادر الاحتياطي من العملة الصعبة الى جانب مداخيل السياحة والتحويلات المالية وتحويلات رأس المال.

في المقابل كلما تطورت الصادرات بنسبة أقل من الواردات يترجم ذلك الى عجز في الميزان التجاري الذي ينعكس علي ميزان المدفوعات ليشهد هذا الاخير عجزا يترجم الى تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة من خلال احتساب العجز الجاري الذي يعكس حاجة البلاد من العملة الصعبة.

وبناء على ذلك كلما ارتفع عجز الميزان التجاري، رافقه ارتفاع في عجز ميزان المدفوعات طبعا مع حفاظ بقية مصادر مداخيل ميزان المدفوعات على استقرارها. وفي تونس تتمثل اهم هذه المصادر في التحويلات المالية للتونسيين بالخارج والمداخيل السياحية وتحويلات رأس المال.

في ذات السياق فان الحديث عن تحسن الصادرات لا بد ان يرافقه تراجع في عجز الميزان التجاري، وفي غياب ذلك فانه لا معنى لهذا التحسن باعتباره لا يترجم الى تحسن في مداخيل ميزان المدفوعات بل ان تواصل عجز الميزان التجاري سيترجم الى مزيد عجز ميزان المدفوعات الذي يعكسه مؤشر العجز الجاري الذي يحدد حاجياتنا من العملة الصعبة.

وكلما ارتفع العجز الجاري فإنّ اثاره تنعكس على الاحتياطي من العملة الصعبة ليشهد بدوره تراجعا.

وبمعنى آخر يفترض أن يرافق تحسن الصادرات انخفاض في عجز الميزان التجاري وانخفاض في عجز ميزان المدفوعات وبالتالي تحسن في الاحتياطي من العملة الصعبة.

مثل هذه المعادلة لا نجد لها سندا في الاقتصاد التونسي وبالتحديد في التوازنات المالية الخارجية. ففي الوقت الذي تسجل فيها الصادرات التونسية تطورا بنسبة ٪23.3 خلال السبعة أشهر الأولى من السنة يواصل ميزان المدفوعات تسجيل عجز قياسي ترجمه مؤشر العجز الجاري الذي تجاوز مستوى ٪9 من الناتج المحلي الاجمالي، كما يواصل الاحتياطي من العملة الصعبة تراجعه ليبلغ أدنى مستوى له وهو 70 يوم توريد، لنتساءل عن اللغز الذي يقف وراء انقلاب هذه المعادلة ووراء مزيد اللجوء الى الاقتراض الخارجي لتأمين حاجياتنا من العملة الصعبة.

لقد اختارت حكومة الشاهد اغراق تونس بالديون الخارجية في وقت يفرض عليها ايقاف نزيف التوريد المنظم ومراجعة طريقة احتساب المبادلات التجارية في اتجاه عدم الدمج بين صادرات النظام الكلي للشركات غير المقيمة (Les societés off shore) والصادرات الخاضعة للنظام العام للشركات المقيمة (Les societés on shore) باعتبار قانون الصرف الذي لا يطالب الشركات غير المقيمة والخاضعة لنظام التصدير الكلي باسترجاع مداخيل صادراتها وبالتالي حرمان الاقتصاد الوطني من هذه المداخيل التي تبقى في الخارج عوض تعبئة الاحتياطي من العملة الصعبة.

ومن هذا المنطلق فإنّ التباهي بتطور الصادرات في ظل تراجع الاحتياطي من العملة الصبة الى 70 يوم توريد مقابل 147 يوم توريد في نهاية أوت 2010 وتفاقم العجز الجاري الذي بلغ ٪9 من الناتج المحلي الاجمالي مقابل ٪3.6 في نهاية شهر أوت 2010 ومزيد اللجوء الى الاقتراض الخارجي يكشف عن أن هذه الحكومة اختارت طريقا غير طريق انقاذ الاقتصاد الوطني وحماية السيادة الوطنية، ولكن طريق اغراق البلاد في الديون الخارجية وحماية مصالح لوبيات التوريد ومصالح الشركات الأجنبية المنتصبة في تونس والتي تعمل في إطار المناولة ومصالح المستثمر الاجنبي التي أمنتها بقانون الاستثمار الجديد.