الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



مع تدهور المالية العمومية وتفاقم العجز التجاري وتعفّن الوضع الاجتماعي

«كرنفال» سياسي صاخب...!؟



بقلم: لطفي العربي السنوسي

تشهد تونس اليوم «كرنفالا» سياسيا صاخبا تداعت فيه كل القيم بما في ذلك «أدب» التخاطب المتبادل وقد تدني ليعانق الحدود الدنيا للغة المبتذلة.. فلا ضير ـ مثلا ـ من وصف الخصوم بالجرذان على حد تعبير الندائي خالد شوكات ـ عليه الكلام ـ وقد كانوا بالأمس القريب رفاق درب ومسار...

ووسط «الحفلة الكرنفالية» يخسر «حزب الدولة» الفائز في انتخابات 2014 أهم قياداته وقد «هربوا» فرادى وجماعات في اتجاه «سفينة» يوسف الشاهد في اختراق غير مسبوق لحركة نداء تونس ولكتلتها النيابية وهو القيادي «المنسلخ» وقد استعصى وانتفض من أجل نفسه حتى ينجو من ذات السيناريو الذي وقع فيه سلفه الحبيب الصيد الذي انهار وانسحب من رئاسة الحكومة مع أول «هبّة» ندائية اخوانية أطاحت به سريعا بعدما هددوه «بالتمرميد».

لم يقبل السيد يوسف الشاهد على نفسه أن يخرج من ذات الباب الصغير الذي خرج منه الحبيب الصيد فأبان عن وجهه الآخر «كمصارع عنيد» قلب كل الموازين واخترق كل «الحصون السيادية» أربك الرئيس السبسي ومؤسسة الرئاسة والمجلس النيابي ولم يتردد في كلمة مشهودة باتهام نجل الرئيس حافظ قائد السبسي بأنّه سبب «خراب النداء»... فتح المعارك في كل الاتجاهات بما في ذلك اتحاد الشغل المنظمة التي كانت سندا قويا له وقلب الطاولة على الجماعة المجتمعة حول وثيقة قرطاج المطالبين برحيله فرحلوا قبل أن يرحل حيث تم تعليق الوثيقة الى حين.. وقد عوّل وما يزال في كل معاركه المفتوحة على كل الواجهات على «حركة الاخوان» التي أغاثته في التوقيت المناسب الذي سبق الاتفاق حول رحيله وقد تمكست الحركة ببقائه على رأس الحكومة وما تزال متمسكة وهي تطلب من يوسف الشاهد مقابلا لذلك بأن يعلن رسميا عن عدم ترشحه لرئاسية 2019 أي أنّها تسعى لسلبه «حقّا دستوريا» كشرط لاستمراره على رأس الحكومة...

يتحرك السيد يوسف الشاهد ـ الآن ـ بلا غطاء سياسي ـ ما عدا الغطاء المؤقت لحركة الاخوان ـ وعلى طريقه خصوم من حساسيات مختلفة ـ أحزاب ومنظمات ـ وهو يدير ـ معاركه من قلعته بالقصبة ـ وتبدو حصينة ـ الى حد الآن ـ ونجح ـ بالفعل ـ في اغراق مركبة نداء تونس وفي سحب أهم قياداته وفي اختراق كتلته النيابية وفي استدراج كل «الهاربين» الى «ائتلافه الوطني» ولم يتبق في النداء غير المقربين من الحلقة الضيقة للمدير التنفيذي...

أشرنا في ورقة سابقة الى أنّ السيد يوسف الشاهد بصدد اعداد نفسه لرئاسية 2019 وأنّ كل معاركه إنما هي عناوين انتخابية أطلقها الشاهد مبكرا وأنه سيتخلص في شهر ديسمبر ـ جانفي على أقصى تقدير ـ من عبء الحكم على رأس الحكومة ليتفرّغ لحملته الرئاسية وهو يدرك جيّدا وعلى وعي عميق بأنّ حركة النهضة لن تستمر في مساندته ما لم يعلن عن عدم اعتزامه الترشح لرئاسية 2019 ولن يعلن على ذلك بطبيعة الحال وهو ـ الآن ـ بصدد مناورتها «لربح الوقت ولن يتردد في الأثناء في توجيه ضربة موجعة الى «الاخوان» إمّا بمقايضتهم بما لديه من «ملفات فساد» عالقة بهم وبزمن حكمهم ولن يتردد ـ أيضا ـ في عزل وزرائهم من حكومته وخاصة وزير الصحة عماد الحمامي الذي يقرّ الرأي العام السياسي بفشله على رأس وزارة الصحة...

لن يستجيب السيد يوسف الشاهد لمطلب الاخوان وشرطهم لاستمرار مساندتهم له بأن يتخلى عن حقّه الدستوري في الترشح لرئاسية 2019 وسيخذلهم خذلانا كبيرا وسيرتد عليهم كما ارتدّ على الذين من قبلهم وله ذلك فمن حقّه أن يناور كما يناورون ما دام مسرح الدولة فارغا...

ألم نقل أننا ـ اليوم ـ أمام كرنفال سياسي ضاجّ وعلى أطرافه أحزاب أكلتها «الرحى» ـ كما يقولون ـ وهي ـ في الواقع ـ أحزاب غير مؤثرة وبلا ثقل قاعدي يؤهلها لخوض معارك انتخابية اضافة الى أنّها أحزاب بلا مضمون فلا أفكار ولا بدائل لديها وهي في الأخير مجرّد ظواهر صوتية تتحرك على هامش معارك الشاهد وعلى هامش مناورات حركة الاخوان وعلى هامش القصر وعلى هامش الحياة السياسية بما في ذلك الجبهة الشعبية التي عزلت نفسها داخل خطاب شعبوي مكرور وممل يتغذى من شعارات القرن الماضي...

وبما أنّ لكل «كرنفال» أرقاما فإنّ أرقام العجز في الميزان التجاري مفزعة وقد وصلت الى سقف غير مسبوق أعلن عنها مؤخرا المعهد الوطني للاحصاء حيث تفاقم العجز التجاري ليصل الى 12 مليار دينار خلال الاشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية أي بزيادة أكثر من 2 مليار دينار خلال نفس الفترة من سنة 2017 ما يطرح عديد الأسئلة حول أسباب تفاقم العجز التجاري خاصة وأنّ البنك المركزي كان نبّه الى ذلك وأصدر قائمة في المنتجات التي أكد على عدم الجدوى من توريدها والقادمة إلينا خاصة من الصين ومن تركيا وتمثل عبءا ثقيلا على المالية العمومية وعلى ميزانية الدولة بشكل عام ما لم يتم الاستجابة اليه ليستمر النزيف وليصل العجز الى أعلى المستويات خطورة...

ويستمر «الكرنفال» ضاجّا ويبقى حال التونسيين على ما هو عليه وتبقى قضاياهم متروكة ومهملة في انتظار «الخلاص» المؤجل...