الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



ابن بالطبيعة انحرف بالحزب.. وابن بالتبنّي هرب بالحُكم

هل فَقَدَ الرّئيس كلّ أوراقه؟



بقلم: الهاشمي نويرة

بدأ الرأي يستقرّ على أنّ «نداء تونس» على مشارف الانهيار والاندثار.

ولا يختلف عاقلان في أنّ هذا الحزب الذي بوّأته صناديق الاقتراع المكانة الأولى التي مكّنته من حيازة الرئاسات الثلاث، شهد بعد الاستحقاق الانتخابي لسنة 2014 تفكّكا قد تكون حلقاته اكتملت الآن فأضحى مهدّدا بالانقراض.

ومعلوم كذلك أنّ هذا الحزب الذي حقّق في ظرف وجيز نجاحات انتخابية استثنائية كان على مدى السنوات هدفا أساسيّا لحركة «النهضة» التي عملت على إضعافه تدريجيا وهي الآن تقدّر أنّ الوقت قد حان للإجهاز عليه نهائيّا والبدء في «بناء» حليف جديد على مقاس خططها الاستراتيجية.

وبالطّبع فإنّ «النهضة» ما كانت لتنجح في خططها لولا أنّ العوامل الداخلية للحزب ساعدتها على ذلك ومهّدت لها سبل هذا «النجاح».

وقد تكون الخطيئة الأولى التي قادت «نداء تونس» الى الوضع الذي هو عليه الآن هو عدم تمكّنه من الانتقال من حزب احتجاجي على حكم الترويكا الى حزب حاكم له قدرة على البناء وتحويل البرامج والسياسات الى واقع معاش وإنجازات.

فقد دخل الحزب في غيبوبة إرادية بعيد انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية اعتقادا من القائمين عليه بأنّ دوره انتهى.

وعوض أن تبدأ عمليّة استكمال بناء مؤسسات الحزب وهياكله الوسطى والجهويّة والمحلية على أساس يضمن له إعادة انتاج وجوده في الحكم والتخلّص التدريجي من حليف ساهم التحالف معه في عملية تفكيكه من الداخل، شهد الحزب عملية عكسيّة أدّت الى تقويض الهياكل الموجودة وضربت الهويّة الأولى لهذا الحزب وهي الروافد والتنوّع داخله وأضحى الحزب محكوما بقبضة من حديد بما زاد في إفراغ هياكله من محتواها ومن مناضليها.

ومرّة أخرى تبدو مسؤوليّة الرئيس المؤسس للحزب في ما جرى ويجري واضحة وجليّة. ويقيننا أنّ وضعه الدستوري كرئيس للجمهورية لا يعفيه من هذه المسؤولية خصوصا وأنّ الأصل في الأشياء هو المحافظة على التوازن في المشهد السياسي بصفته الضامن الرئيسي للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وهذه مسـؤولية تقع على عاتق رئيس الجمهورية ورئيس الدولة الى جانب أنّ هشاشة المرحلة الانتقالية وقابليّة الوضع الديمقراطي الى الارتداد والتراجع تفرض على الرئيس هي الأخرى ضرورة التدخّل وحسم الأمور في التوقيت المناسب.

إنّ ما جرى له ما يفسّره في أمرين داخليين اثنين أولهما أنّ الرئيس الباجي قائد السبسي لم يقطع في مسألة أزمة الحكم لفترة ما بعد 2019 وهو الذي أضفى على مواقفه المعلنة الكثير من الغموض الذي قد يكون مفيدا في بعض المواقف ولكنّه إذا تحوّل الى أسلوب عمل فستكون له بالتأكيد نتائج عكسيّة قد يستحيل تداركها لاحقا.

وقد تداخلت العوامل وتعقدت ليفضي هذا الوضع الى سحب الورقات الرابحة من أيدي الرئيس الورقة تلو الأخرى بدءا بورقة «كاريزما» الرئيس والجانب الاعتباري تجاه الأحزاب الأخرى وتقريبا من دون استثناء ومرورا بخسارة ورقتي الروافد والكتلة البرلمانية ووصولا الى الورقة الأهمّ وهي ورقة حركة النهضة التي يبدو أنّها تخلصت نهائيّا من عقدة الباجي قايد السبسي وبدأت برسم طريق لا تتقاطع فيه مصالحها معه وهي في تقديرنا سياسة فيها الكثير من التسرّع والمغامرة غير محسوبة العواقب من طرف النهضة.

وثاني هذه العوامل الداخلية هو اصرار القيادة الحالية للنداء على رفض كلّ محاولات الانقاذ والتغيير التي قد تبعث الحياة مجدّدا في جسم الحزب العليل.

.. وإنّ أهمّ العوامل التي ساهمت وأسّست لهذا الوضع هو «الكاستينغ» الخاطئ لرئيس الجمهورية لدى اختياره من يحمل أمانة الحكم في القصبة ومن يأتمنه على مصير حزب «نداء تونس» ومن يستأنس بهم لدى ممارسته لمهامه كرئيس للجمهورية ولا نريد الآن الخوض في الأسباب التي دفعت الرئيس الى هذه الاختيارات ولكن من المهمّ التأكيد على أنّه لا يوسف الشاهد الذي يفتقد الخبرة السياسية والعملية وتنعدم تجربته أو تكاد في تسيير الشأن العام، ولا المدير التنفيذي الحالي للنداء «حافظ قايد السبسي» يمتلك القدرة والخبرة في تسيير الأحزاب فضلا عن تسيير الحزب الأول في تونس وبسبب هذا الوضع غير المسبوق و«السريالي» كبُرت مطامح ومطامع الاثنين فانحَرف واحدٌ بالحزب بما سيقوده الى التفكك والانهيار وانحرف الثاني بالسلطة والحُكمِ بما قد يؤدّي الى اضمحلال الدولة، حزبٌ في غيبوبة قد تحيله الى حالة الموت السريري ودولة سائرة نحو التفكك والرئيس يخسر تباعا ورقاته الرابحة ويواصل العمل بنسقٍ لا يفي بالحاجة ولا يستجيب للضرورة..

وقد فوّت حزب «نداء تونس» على نفسه فرصتين اثنيين في الوقت بدل الضائع، الأولى لمّا رفض القيام بالتقييمات الضرورية بُعيد الانتخابات البلدية التي شهدت تماسكا نسبيا مفاجئا للحزب وبوّأته مكانة ثانية وبنسبة محترمة قياسا بالأحزاب الأخرى وبناء على وضعه الداخلي المعلول، وهي تقييمات كانت ضرورية لاعادة هيكلة الحزب والبناء على ايجابيات الانتخابات البلدية. وأما الفرصة الثانية التي فوّتها الحزب على نفسه أو لنقل أنه بصدد تفويتها فهي عدم استغلال مسعى الرئيس لاعادة روافد الحزب والدفع بحالة الانقاذ الى أفق تمكن من الترميم الضروري والانطلاق مجددا في العمل الحزبي والخروج من حالة الغيبوبة وكل هذا هو نتيجة اصرار القيادة الحالية «للنداء» وتحديدا المدير التنفيذي على مواقفها المعطلة لاي مسار اصلاحي ويبدو أن قايد السبسي الابن يتصرف مع الحلول المقدمة على نحو غير جدي ومناوراتي في أغلب الأحيان فهو يجاري هذه الحلول لاتّقاء العاصفة لكنه سرعان ما يكون «العودُ على بَدءٍ» بمجرد مرور العاصفة وينسى انه «ما كل مرة تَسلَمُ الجرّة».. ولا نعتبر أنفسنا من المغامرين بالقول أنه لنْ تكون هناك فرصة ثالثة أمام «الحزب» كي ينهض من جديد.. إن معالجة الانحراف بالحزب والانحراف بالحُكمِ لنْ تكون ممكنة الا اذا زالت عناوين هذا الانحراف اما بصفة إرادية أو هي ستُفرضُ على الجميع ويكون مرة أخرى الرئيس هو الخاسر الأكبر..

ومعنى أن الخروج من حالة الشلل السياسي تفرض ضرورة نسْفَ التناقض بين يوسف الشاهد وحافظ قائد السبسي وإبعادهما عنْ دائرتي «الحزب» والحُكم فيما تبق حقوقهما الدستورية قائمة على قدم المساواة مع أي مواطن تونسي إذا استأنسا في نفسيهما كفاءة تخوّل لهما تسيير الشأن العام في المرحلة القادمة..

ان الوضع في تونس على غاية من الدقة والحساسية، اقتصادٌ على شفا هاوية، وضع اجتماعي مُحتقن وينبئ بسناريوهات كارثية ووضع سياسي مأزوم نخرته الانتهازية والزبائنية وحُكمٌْ لم يعد يمتلك القدرة على فرض منطق الدولة بسبب فقدان المصداقية والبرامج والسياسات الكفيلة بتجاوز الأزمات.. ومؤسسات دولة ضربها شللُ الانتهازية والانتظارية «تسْمعُ جعْجعةً ولا ترى لها طحينا».

ومشهد حزبي فَقَدَ الاحساس بالمعنى يصنع الأزمة ثم يسعى الى إيجاد الحلول لها... أحزاب بائسة وكئيبة باستثناء «نهضة» تراقب الوضع وترقُبُ حركة «الأحزاب» وتحاول أن تجد بينها حلفاء المستقبل..

و«شاهدٌ» أغوتْهُ السلطة في ضوء غموض موقِفِ «الأب» فاختار «الابن» خَصْمًا له لانعدام رصيد هذا الأخير لدى العامة والخاصة ودعَّمته «النهضة» وشجّعته على التمرّد وفصلته تدريجيا عن أصوله، فانطلق أولا لغزْو «نداء تونس» وفشل في ذلك فعَمدَ الى هَدمِ الحزب على رؤوس أصحابه وقد ينجح في ذلك وبدأ فيما نعلم ببناء كيان حزبي جديد فيه من كل زوجين اثنين ويجمع كل من ركب سفينة الشاهد نهمٌ للسلطة وعدائية لقائد السبسي الابن وقدرٌ متفاوت من الانتهازية، ويوسف الشاهد في ذلك سلك طريق اللاعودة مع حزبه ومع رئيسه المؤسس وبقي رَهنَ اشارة حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي الذي يمتلك لوحده توقيت اعلان قرار موته السياسي..

والسؤال ماذا بقي مِنْ ورقات في أيدي رئيس الجمهورية؟! ان النهضة تصنع حليفها مثلما فعلت تماما قبيل انتخابات 2011 مع المرزوقي وحزبه وهي متأكدة من حَصدِ جميع الرئاسات في الاستحقاق الانتخابي لسنة 2019..

والشاهد من جانبه بدأ حلمُهُ يكبر ويكاد يكون اقتنع بأن «النهضة» مُلزمة بالتحالف معه وبأن «الكتلة الوطنية» البرلمانية هي نواة اساسية لمشروعه الحزبي.. وقد وضع على عينيه غشاوة فلَمْ يعد يرى وراءَه وهو ينظر الى «النهضة» مكرهةً على التحالف معه ولا يرى في الكتلة غير الأرقام وينسى مكوناتها وينسى التفاصيل ولا يعلم الشاهد أن السياسة تُبنى بالتفاصيل وأن الحروب في السياسة تُكْسب كذلك بالتفاصيل..

وجوابا عن سؤالنا.. نقول أنه بقي للرئيس الحسّ السليم.. واللعب على التفاصيل التي أهملها الشاهد جهلا منه بالسياسة وقد تكون أهملتها النهضة كذلك.